الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 بعد الانفجار الضمني الذي اصاب حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا في ديسمبر الماضي وبالتالي انهيار حكومة الائتلاف التي كان جزءا منها، شعر منتقدوه بالارتياح لان ما حدث يشير الى ان حزب يعتنق رؤى متشددة لا يستطيع ان يكون على مستوى الضغوط التي تنشأ من تولي السلطة رسميا. وظهر ارتياح مشابه بين المعتدلين، وفي وقت سابق هذه السنة، عندما اثبت حزب الجبهة الوطنية بزعامة جان ماري لوبان انه غير قادر على الفوز بمقعد واحد في الانتخابات البرلمانية الفرنسية، مع ان لوبان نفسه ابلى بلاء حسنا بصورة استثنائية في السباق الرئاسي قبل اسبوع واحد فقط من الانتخابات البرلمانية. هذان التطوران قد يغريان بعض النقاد على التقليل من شأن اليمين المتطرف بوصفه بعيدا كل البعد عن السياسة الاوروبية لكن هذا الافتراض ليس صحيحا على الاطلاق فقد اظهر اليمين المتطرف قوة مدهشة في عدد من البلدان، وقضيته الاساسية، الهجرة، تنطوي على امكانات يمكن ان تقوض الاجماع السياسي السائد في اوروبا مالم تكن الاحزاب الحاكمة مهيأة لاخذ هذا التحدي على محمل الجد. اليمينيون المتطرفون اليوم مختلفون عن حركات الفاشيين الجدد التي عرضناها في الاعوام السابقة، فاحزاب اقصى اليمين الجديدة تجاهر بالتزامها بالعملية الديمقراطية، لكن سياساتها تجمع بين القومية الاثنية والسخرية من الساسة المحترفين الذين تتهمهم بعدم التعاطف مع «الشعب الحقيقي» بزغت مثل هذه الاحزاب للوجود في العديد من البلدان خلال العقود الثلاثة الماضية، وكان ابرزها للعيان حزب الجبهة الوطنية بزعامة لوبان وحزب الحرية بزعامة يورغ هايدر، وتمثلت قضيتها المركزية دائما تقريبا في موضوع الهجرة. وهناك عدة احزاب احدث عهدا لاسيما حزب «ليست بيم فورتين» في هولندا وحزب القانون والنظام بزعامة رولاند شيل في المانيا، وهي حركات شعبية في جوهرها، ومعظمها منظم حول زعيم كاريزمي واحد، لذلك فهي تفتقر لاي طيف عريض في السياسات ولا تملك استراتيجيات بعيدة الامد ذات اهمية، لكنها مع ذلك فأنها تستطيع بسرعة ان تجسد وتجذب الانتباه الى مشاعر عميقة في احيان كثيرة عن اتساعها او لاتريد ذلك. لكن الحركات الشعبية تقدم حلولا بسيطة على نحو مخادع لمشاكل معقدة، وكلما شجع نجاح الاحزاب اليمينية المتطرفة الاحزاب السياسية السائدة على انتحال تلك الافكار، كلما كان اصعب عليها انتهاج سياسات اكثر فعالية لكن اقل اغراء. في اوروبا اليوم القضية المركزية هي الهجرة، لسنوات طويلة ظلت الاحزاب الاوروبية الرئيسية متفقة على عدم مناقشة قضية الارتفاع المستمر في اعداد المهاجرين القادمين من خارج اوروبا، كان هذا التحفظ الى حد ما بسبب حساسية وخطورة القضية، لكن السبب الاساسي وراء هذا الصمت السياسي هو انه ليس امام تلك البلدان خيار آخر، فبسبب قواها العاملة المتجهة نحو الهرم، ومعدلات ولاداتها الاخذ بالتناقص ينبغي على دول الاتحاد الاوروبي جلب المزيد من العمال من الخارج اذا ارادت الحفاظ على اقتصاداتها، ومن المتوقع ان تسجل اسبانيا وايطاليا والمانيا نموا سكانيا سلبيا بحلول عام 2010 وبحلول عام 2020 سيكون اكثر من خمس السكان في بلدان الاتحاد الاوروبي فوق سن الـ 65. وبرغم هذه الحقائق الديموغرافية المقلقة، فإن السمة الاساسية لتلك الحركات اليمينية الجديدة أصبحت تتمثل في المطالبة بفرض قيود اشد على طالبي اللجوء وبذل جهود اكبر لتذويب المهاجرين الموجودين من قبل في النسيج الاجتماعي السياسي السائد، وان كان ذلك على حساب خصوصياتهم الثقافية. ومن الواضح ان هذه ليست مهمة سهلة: ففي المانيا خلصت لجنة برلمانية العام الماضي الى ان اقتصاد البلد يحتاج الى 50 الف عامل سنويا لمواجهة الانكماش السكاني، وبرغم ذلك فإن استطلاعات الرأي الحديثة تشير الى ان نصف الالمان تقريبا يرون انه لاينبغي السماح بقدوم المزيد من الاجانب للاستقرار في البلد. وهنا يكمن جوهر المشكلة ففي الديمقراطيات البرلمانية تحظى الحكومات بالشرعية عن طريق كسب موافقة الناخبين على اعمالها، ويجادل اليمين المتطرف بأن هذا يعني الاصغاء الى ما يقوله الناس، لكنه في واقع الامر يقصد التحدث اليهم، وليس الاصغاء لهم فقط ويبقى افضل رد على اليمين المتطرف بذل جهد اكبر لتفسر الحاجة لاتباع سياسات غير شعبية احيانا تفرضها ضرورات اخرى ملحة. ترجمة علي محمد _ خدمة «نيويورك تايمز» خاص لـ «البيان»