الثلاثاء 6 شوال 1423 هـ الموافق 10 ديسمبر 2002 هناك مسلمون في الهند اكثر مما يوجد منهم في اي بلد اخر، باستثناء اندونيسيا وبالمثل هناك هندوس في الهند اكثر مما يوجد منهم في اي بلد اخر، وثمة مسيحيون في الهند يفوق عددهم ما هو موجود منهم في اي بلد معترف به كبلد مسيحي، ولكن الهند ليست بلدا هندوسيا او اسلاميا او مسيحيا، وانما هي تنتمي اليهم جميعا وللملايين من معتنقي الاديان الاخرى كذلك. هكذا فإن من المباديء التي تحدد هوية الهند المعاصرة «الوحدة في التنوع» ولكن هناك شيئ اكثر من هذا، فالهند تقف نموذجا لوحدة معقدة عبر التنوع، حيث انها مجتمع يدعم الاحتفاء بالتنوع فيه روابط امتنا الحديثة، وتنوعات الهند ليست مجرد تعد، لأنها مفعمة بالحياة، وتؤكد هويتها. وديمقراطية الهند البرلمانية، المتعددة المستويات هي التي تقدم الاطار الذي يتم فيه الاصغاء لجميع اصوات شعبنا وتحقيق تطلعاته وقد ضربت جذورها بعمق في الهند، وبرهنت على صمودها مرارا وتكرارا، فهي اداة لكل من تمثيل الشعب واسناد السلطة، وقد ساعدتنا مرونة دستورنا على استيعاب التنوعات بطريقة سلمية وقائمة على التفاوض وقد انغرس التحرك الايجابي بعمق في نسيج ديمقراطيتنا وهو يمنحنا املا في ان يتحسن وضع الفئات المحرومة المجتمع ومن بينها النساء وهناك ممثلون منتجون يزيد عددهم على مليون شخص يقومون بتغيير اوضاع ريفنا، وادى ايجاد اوضاع جديدة الى ابعاد التوترات الطاردة، وشكلت اعادة صياغة الجغرافيا الداخلية للهند عاملا مهما في ادارة تنوعاتها، وذلك في غمار التمسك بحكم القانون. وتعيش البلاد في الوقت الراهن حالة اختمار هائل، وهذا المخاض يؤدي في بعض الاحيان الى نشوب صراع ومن الناحية الظاهرية فإن نظام هذا الاختمار ربما يتم تضخيمه، وقد يبدو ان الهند غالبا ما تتعرض للاضطراب، والحقيقة هي انه في اي وقت بعينه تحيا غالبية شعبنا في سلام وتناغم وهناك حقا شيء بالغ العنفوان يضفي القوة والصمود على مجتمعنا حتى في غمار تعرضه لضغوط وتوترات متباينة وهذا الشيء هو العلمانية والديمقراطية وهي شكلان متكاملان من اشكال التسامح، على نحو ما يعبر أوكتافيو باز الشاعر المكسيكي الفائز بجائزة نوبل للأدب. ويتمثل ما هو بارز ومميز اليوم في ان شبكات الارهاب الدولية تحكم قبضتها على المسلمين الهنود، ويرجع ذلك بصورة كاملة الى ان اطار عملنا السياسي والاجتماعي يستوعب التعددية بصورة يعتد بها، وقد ساد في مختلف ارجاء العالم انطباع غير صحيح قوامه ان هناك صلة بين الاسلام والارهاب، والحقيقة هي ان هناك اعدادا من المنظمات الارهابية التي ينتمي اعضاؤها الى ديانات اخرى، ويبدو ان هذه الحقيقة قد نسيت على نحو يلائم من يقولون بهذه الافتراءات على الاسلام وقد كانت الهند ضحية مستمرة للارهاب القادم عبر الحدود، وجرى استهداف المسلمين والهنود على حد سواء، ويبدو الامر كذلك بصفة خاصة في ولاية جامو وكشمير، حيث يبدو جليا ان الارهابيين يتحركون في متابعة للسياسة الخارجية لجارتنا الواقعة الى الغرب، ولسوف يكون من الخطأ الاعتقاد ان الدين هو دافعهم، وعلى الرغم من ذلك فإنني ينبغي ان اشير الى ان هذه الجارة، من خلال المواقف التي تتبناها والتحركات التي تقوم بها، تقدم يد العون لاولئك الذين يضرمون نيران العداء الطائفي داخل الهند، وهناك كذلك قادة روحيون وسياسيون على الجانبين كليهما يستفيدون من اشتعال المشاعر لدى الطرف الآخر. ان الارهاب لا دين له، وفي حقيقة الامر فإنه نقيض الدين، ذلك ان التراحم هو جوهر الاديان كافة، ويتعين ان يبذل جهدا كبيرا لتمكين الناس من ادراك هذه الحقيقة وينبغي مواصلة الحوار بين الاديان والتواصل فيما بينها على مختلف المستويات وعبر شتى المنتديات، وذلك للمساعدة في تحسين التفاهم المتبادل، فالتطرف الديني غالبا ما يولد من رحم توهم وجود اخطار محدقة، وهذه التهديدات لا يمكن معالجتها الا من خلال التحليل الدقيق والنقاش والتفاعل. ان التحدي الجديد الذي سيواجهه العالم في هذا القرن هو الارهاب غير المركزي من جانب جماعات سياسية وعرقية منظمة بشكل جيد ومسلحة بأسلحة متقدمة وهدفها هو اثار الفزع في صفوف اكبر عدد من الرجال والنساء والاطفال الابرياء ويتعين على البشرية ان تتحرك على نحو عاجل لمعالجة هذا الخطر الذي يشكله المتشددون الذين يسيئون توظيف الدين عن عمد وتقصد. الارهاب لا ينبغي ان يحارب بارهاب اكبر منه، وذلك على الرغم من انه ما من غاية تبرر العنف الوحشي، وفي نهاية المطاف فإن جذور الارهاب يتعين رصدها في عناصر سياسية، واجتماعية واقتصادية والرخاء يمكن ان يلد الارهاب، كما يمكن للفقر ان يلده، وعملية العولمة التي ينظر اليها على انها غير ملائمة وانها توجد اختلالا في الاوضاع الثقافية يمكن ان تفجر التركيبة الذهنية الارهابية، ويمكن لنظام سياسي مغلق ولا يحقق تطلعات شعبه ان يوجد الاوضاع التي تشجع الايديولوجيات الخطرة. لقد كانت احداث الحادي عشر من سبتمبر مأساة هائلة، قد قمنا جميعا وعلى نحو عفوي بابداء التعاطف مع اميركا في لحظة الحزن تلك، ومن المؤسف ان العالم لم يستيقظ في مواجهة تهديد الارهاب الا بعد احداث ذلك اليوم الرهيبة، والارهاب لا يمكن ولا ينبغي معالجته بطريقة انتقائية ومتقطعة، في اطار عمل الدول القومية واولوياتها والان وقد ادركنا جميعا العواقب الرهيبة التي تترتب على الارهاب الدولي وخطر اسلحة الدمار الشامل فإنه يتعين علينا الحفاظ على استمرارية حملة دولية ضدهما بتركيز لا ينقصه العزم ولا التصميم وهذه الحملة ينبغي تأطيرها وتنفيذها على أرضية من الفهم الواضح للحقيقة القائلة ان الارهاب لا يتجزأ وان له طابعا دوليا وانه لاتقترفه كيانات ليست دولا، وانما ترتكبه حكومات كذلك، باعتباره اداة لتنفيذ سياسات دولها، والمنهاج القائل ان «الارهاب الذي اواجهه له اولوية اعلى من الارهاب الذي تواجهه انت» هو منهاج غير منطقي، وله عواقب خطيرة على الاستقرار والامن العالميين ويتسم بالقدر نفسه من الخطورة ذلك التدفق عبر الحدود للأرصدة المالية عبر قنوات مختلفة تساعد في دعم المنظمات الارهابية، وهذا امر يجب التصدي له بصورة شاملة وعلى مستوى العالم. لقد اصبح من المألوف الحديث عن «صراع حضارات» وشيك والتجربة الهندية تكذب بقوة هذا الطرح، فالمفهوم القائل بوجود صدع عميق يمتد عبر ديانات العالم ويسفر بصورة حتمية عن نشوب صراع انما يسلم نفسه لتشوهات خبيثة ولاساءات واضحة في طرح الافكار سواء على الصعيد الدولي او داخل مجتمعاتنا ذاتها، ذلك ان الحقائق السياسية الاجتماعية والاقتصادية الواقعية والمعقدة لايمكن التدني بها الى مواجهة تبسيطية بين الاديان، ونحن جميعا بحاجة الى التزام الحرص في مواجهة هذا الطرح. ومن الطبيعي ان الهند التي تعتز وتتمسك بالتسامح في الداخل ينبغي ان تتصدى لقيادة ركب التعايش بين امم العالم كذلك، و«البانششيل» اي مباديء التعايش السلمي الخمسة المستمدة من الفلسفة الشرقية القديمة والتي اضفى جواهر لال نهرو اهمية معاصرة عليها، لايزال لها مغزاها، فدعوني اعيد تلخيص هذه المباديء، انها الاحترام المتبادل لتكامل وسيادة اراضي كل منا، عدم الاعتداء المتبادل، عدم التدخل في شئون الاخرين الداخلية، المساواة والفائدة المشتركة والتعايش السلمي، والصراع والتعايش السلمي لايمكن ان تديرهما دولة واحدة مفردة، ايا كان مدى قوتها وحسن نواياها وهناك حاجة ملحة لاعادة تأهيل المنظمات الدولية بحيث تعكس الحقائق المعاصرة، والقرار الاخير لمجلس الامن حول العراق قد منح النزعة التعددية الدولية حياة جديدة، ونحن نأمل في ان هذه الدفعة ستكون من القوة بحيث تتيح تجديد الامم المتحدة واعادة هيكلتها، والعولمة لن تبرهن على انها مناسبة ويمكن الحفاظ على استمراريتها الا بعد ابداء اهتمام جاد بعملية الحكم في الدول وفي العلاقة فيما بينها. تعد الولايات المتحدة اليوم القوة العالمية الاكثر بروزا بكل ما في الكلمة من معنى ولكن المفارقة في هذه القوة تكمن في انها ليس بوسعها التحرك بصورة منفردة والكثيرون في الولايات المتحدة يضيقون ذرعا بالتعددية، ولكن في عالم اليوم القائم على الاعتماد المتبادل ليس هناك بديل عن العمل بشكل منسق وبالتعاون فيما بيننا جميعا، اننا نأمل بشدة ان تدرك الولايات المتحدة ان التعددية امر ممكن ومرغوب فيه، وفي الوقت نفسه فإن الدول الاخرى تقع على كاهلها مسئولية اشراك الولايات المتحدة والحفاظ على التزامها بالاتفاقات والمنظمات الدولية. لقد تابعنا عن كثب التطورات المتعلقة بالعراق في الاشهر الاخيرة، والهند باعتبارها عضوا مؤسسا في الامم المتحدة ملتزمة بعمق بمباديء ميثاق هذه المنظمة الدوليةو ووجهة نظرنا هي ان المسألة العراقية لايمكن معالجتها بشكل منفرد، ومفاهيم من نوعية «تغيير النظام» تكتنفها أخطار جسيمة. بالنسبة للهند، كما هي الحال بالنسبة للعالم، فإن التحدي المحوري هو الجمع بين الفرادة والتعدد في آن، هذه الفرادة لابد من دعمها، وذلك التعدد لابد من تغذيته، وفيما نتطلع الى الوراء فإن بوسعنا ان نستمد بعض الشعور بالرضا من اننا قد كرسنا في الهند نسقا من الافكار والمؤسسات لضمان حدوث هذا، ومن المؤكد ان تلك ليست بالمسيرة السهلة، ولكن الديمقراطية قوية بما فيه الكفاية، والتنوع الاجتماعي يحظى بما يكفي من التقدير، والتنمية الاقتصادية على قدر كاف من القوة لمساعدتنا في المضي قدما مبحرين عبر الانواء والعواصف التي تواجهنا بين الحين والاخر وتهدد بأن تعصف بنا وتخرجنا من مسارنا. ان ما يكفل الحفاظ علينا هو الفكرة التي تم التعبير عنها على نحو بالغ القوة في المرسوم الصخري الثاني عشر الذي اصدره امبراطورنا العظيم اشوكا الذي حكم في القرن الثالث قبل الميلاد الارضي الممتد الى ما يتجاوز بكثير الهند الحالية، وهذا المرسوم قائم اليوم في منطقة جوجارات وكلماته تتردد ملء الاسماع: «ان ديانات الجميع جديرة بالتوقير والاجلال بسبب او لآخر والمرء بتوقيرها جميعا، انما يعلي من شأن دينه وفي الوقت نفسه يخدم دين الاخرين، اما اذا تصرف المرء على نحو يخالف ذلك فإنه يسيء الى دينه ويسيء الى دين الاخرين». بقلم: سونيا غاندي _ رئيسة حزب المؤتمر الهندي _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»