الاثنين 5 شوال 1423 هـ الموافق 9 ديسمبر 2002 يحمل رودلف جولياني عمدة نيويورك السابق مأساة الحادي عشر من سبتمبر في قلبه، مع انه لم يتخيل أبداً هذا القدر الذي وضعه وسط أحداث ذلك اليوم العاصف من خريف عام 2001، تجاربه مصاغة على امتداد نشاط مهني مكثف وكانت بمثابة القاعدة لما قاله جولياني مؤخراً في مدريد لدى افتتاح المؤتمر العالمي حول الطب والتشغيل الذاتي. وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته صحيفة «البايس» معه: ـ الحادي عشر من سبتمبر ماثل أمامك دائماً وافترض أنه قد بدلك؟ ـ نعم، فليس من طريقة لتخرجه من الذهن. كانت تجربة مرعبة وقاسية بالنسبة لكثير من الناس، ولا توجد امكانية لتجاوز شيء كهذا، فلقد أدركت، على الفور تقريبا، ان هذا سيرافقني بقية حياتي. لكن يجب معاملة كل ذلك بأفضل طريقة ممكنة واستخلاص شيء ايجابي منه، أي الطريقة التي تصرف بها الناس وانقاذ حياة آلاف الاشخاص، لذلك وعلى الرغم من وجود ذكريات رهيبة، تجعلني اواصل حالة الحداد مع شعور كبير بالخسارة، احاول استخراج العبر مثل كيف بوسعي أن اجعل من نفسي انساناً اقوى وافضل وأقدر وكيف بوسعي مساعدة الآخرين على فعل الشيء نفسه. ـ هل يشكل الايجابي والسلبي جزءاً من عملية التئام الجروح في الوقت نفسه؟ ـ من الواضح ان الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان اليوم الاكثر تناقضا في تاريخ نيويورك، وربما في تاريخ أميركا برمتها. فلقد كان يوم أسوأ هجوم في تاريخ بلادنا ويوم الرد الاكثر بسالة وبطولة. اذا وضعا سويا، فان النتيجة تبدو متناقضة، وهذا يفسر رد الفعل المتمثل في معاناة الشعور بالخسارة ـ لا يمكن نسيان ما حدث للحيلولة دون تكراره ـ مع ان الحياة تواصل تقدمها قدماً ويجب ان تعاش وان نكون أكثر قوة بعد شيء كهذا. ـ الحياة تستمر، لكنك لا تزال تشعر بالسخط عندما تفكر في ذلك، وعندما تذهب الى منطقة الدمار وكأنك تذهب الى المكان بعد ثلاثة ايام من وقوع الحادث عندما طلبت من الرئيس جورج بوش اعدام اسامة بن لادن اذا ما قبض عليه. ـ في كل مرة افكر بما حدث، كل مرة اذهب فيها الى هناك، اشعر بسخط عميق، بل اني اشعر بالغضب نفسه الذي شعرت به في اليوم الأول: الكثير من الاموات، الكثير من الأبرياء. اناس كانوا يعملون بحواسيبهم أو يتصلون بالمنزل عبر الهاتف.. وفجأة وبلا وجه حق تتوقف حياتهم نعم اني اشعر بسخط كبير.. لكن انطلاقا من ذلك الشعور اواصل التقدم، واحاول البحث عن اسلوب يدرجه في شيء أيجابي، في مساعدة العائلات والنضال ضد الارهاب ومنع اشياء كهذه. ـ في أوروبا وبين الكثير من الأميركيين ايضا، لا تحظى بالقبول فكرة انه يجب التنازل والتضحية بالحريات في سبيل النضال ضد الارهاب. ـ نعم، لابد من وجود هذه الفكرة، حيث يتعين البحث عن نوع ما من الالتزام، لكن ليس حول الحرية، فمع الحرية لا يوجد التزام ممكن، بل مع حق التصويت والاختيار وحرية التعبير والدين والعقيدة والحرية من اجل النساء، جميع تلك الامور التي يعارضها الارهاب يجب ألا تتأثر على الاطلاق وما يتعين علينا التفكير فيه هو الأمن، معرفة المزيد حول الناس من يدخلون اميركا وكيف يتحركون وما هو ماضيهم ومن هم.. كانت اميركا بلادا مفتوحة أكثر من اوروبا في السابق، ربما لأننا كنا نشعر بأننا محصنون ولا سبيل لالحاق الاذى بنا ولم نأخذ تلك الامور على محمل الجد. لكن الآن، اعتقد انه ليس ممكنا ان يكون هناك أناس بوسعهم التحرك على هواهم بدون ان يوجه اليهم احد اسئلة نحن بحاجة الى امن اضافي، لكن على الا يؤثر شيء بما يعتبر حقوقاً وحريات اساسية. ـ هل تفهم الولايات المتحدة الان مشكلات الارهاب التي وجدت ولاتزال قائمة في كل من اسبانيا وايرلندا الشمالية؟ ـ بدون شك انها تفهمها افضل بكثير، فعندما تقتصر تجربة ظاهرة ما على القراءات والمحادثات، فان التعاطف معها يكون قليلاً، لكن بمجرد ان تجرب، يدرك المرء مستوى الرعب الذي عليه الواقع فعلى الرغم من ان الاميركيين ظلوا يقرأون لسنوات طويلة حول الارهاب في الاماكن التي ذكرتها أو في الشرق الأوسط، لكن الخبرة لم تكن بحوزتهم، والان وقد اصبحت لديهم، فان منحهم للامور اعمق، لكن هذا لا يحدث الا عندما يكون قد مرّ شيء كهذا. ـ هل يكون حكم مدينة نيويورك اصعب من حكم اميركا من البيت الأبيض؟ لماذا لا تنكر تطلعاتك السياسية. ـ أعرف اني سأعود الى السياسة المباشرة لحظة ما. وانا ما زلت اعمل في هذا السياق، حيث أكرس وقتاً طويلاً للعمل لصالح الحملات الانتخابية للمرشحين الجمهوريين في كل البلاد.. في شهر اكتوبر زرت 12 ولاية في ثلاثة ايام. لكن من اجل عودتي الشخصية الى السياسة من الضرورة بمكان ان أمضي بعض السنوات. ومع انه ليس لديّ خطط حتى الان، لكنني لا استبعد شيئاً، طبعا. ترجمة: باسل أبو حمدة «عن البايس» ـ اسبانيا