السبت 3 شوال 1423 هـ الموافق 7 ديسمبر 2002 ربما كانت أحداث 11 سبتمبر 2002 من حيث تأثيرها الانفعالي اليوم الأكثر اثارة للفزع في التاريخ الأميركي. وعلى شاكلة غيرها من المعارك الكبرى أو الكوارث الكبرى التي وقعت في الماضي فإن الأخبار بشأن الأحداث تدفقت بشكل كبير، حتى أن معظم الأميركيين قرأوا تفاصيل، بشأن أحداث سابقة مثل بيرل هاربور من منظور جديد بعد هذه الأحداث. في 11 سبتمبر شاهد الأميركيون على التلفزيون الأحداث في ذات الوقت الذي كان البرجان التوأم لمركز التجارة العالمي يحترقان ومواطنيهم يلقون بأنفسهم للموت من الطوابق المئة. وقد شاهد كافة الأميركيين انهيار البرجين وهم يدركون أنهم يشاهدون في ثوان موت الآلاف من مواطنيهم. وكغيره من الأميركيين استقبل الرئيس جورج بوش هذه الأحداث بشكل مباشر وعاطفي، غير أن الاختلاف يكمن في أنه كان يستطيع أن يفعل شيئا بشأنها.. فالولايات المتحدة تواجه عدوا غير محدد، فالتحدي الذي كان قائما خلال الحرب الباردة وتمثل في التصادم بين الايديولوجيات وساد التصور بتجاوزه عاد الآن للظهور في شكل صدمة مفاجئة. وقد بدا بوش قادرا على مواجهة اللحظة. وعلى هذا جاء مبدأ بوش منطقيا (وحسب تأكيد أحد المسئولين فقد كتب بوش نصه بنفسه) كما جاء ايضا معبرا عن الغضب والألم الذي كان يشعر به الأميركيون وكانت رسالة بوش الى العالم والتي تم توجيهها أولا في 20 سبتمبر هي : إما أن تكونوا معنا وإما أن تكونوا مع الإرهابيين. إما أن تقفوا مع الحضارة والخير (معنا) أو مع البربرية والشر (معهم) عليكم أن تختاروا وعلى الأمم التي يكون خيارها خاطئا أن تكون حذرة. وفي خلال عام منذ اعلان بوش للمبدأ المقترن باسمه أصبح المفهوم الحيوي للسياسة الخارجية الأميركية محولا كل التركيز على ادارة الرئيس الأميركي. وقد استخدم مبدأ بوش في تبرير توجهات أميركية جديدة غير مسبوقة منذ بدايات الحرب الباردة، تصل تقريبا الى حد اعلان الهيمنة الأميركية، كما أعاد المبدأ صياغة العلاقات الأميركي الخارجية، فتحت مطرقته أجبرت باكستان على التخلي عن مساندتها الطويلة لطالبان وتسامحها مع القاعدة كما وجدت السعودية نفسها مضطرة الى مواجهة حقيقة أن 15 من مواطنيها هم الذين نفذوا الهجمات. كما ساعد مبدأ بوش ايضا في اعادة الحيوية للعلاقات مع قوى رئيسية مثل الصين وروسيا والهند والتي تواجه كل منها تمردات ارهابية خاصة بها، وتعد جميعها الآن بطريقة بسماركية، في علاقات صداقة مع واشنطن أكثر من علاقاتها مع بعضها البعض. وقد استخدم الرئيس الاميركي مبدأه لعزل العراق وايران وكوريا الشمالية كمحور للشر، على الرغم من أنه لا يوجد آخرون حول العالم تقريبا ينظرون الى هذه الدول النظرة نفسها، وفى اعلان حق اميركا في القيام بهجوم وقائي في أي مكان. لقد قال بوش ذات مرة شارحا أحاديثه الفجة ان مهمتي أن أقول ما اعتقد واعتقد أن الوضوح الاخلاقي مهم، والحقيقة مع ذلك أنه بعد نحو عام لا يوجد سوى قدر محدود من الوضوح بشأن الاتجاه الحقيقي للسياسة الخارجية الأميركية والحرب على الارهاب. فمنذ المعركة الأخيرة في شاهيخوت بأفغانستان في مارس الماضي تركز الجهد المبذول على العمل التحتي وتطور الى عمليات اعتقال المشتبه بهم ووقف التهديدات اليومية حتي أصبح من الواضح استحالة أن نحدد ما اذا كنا انتصرنا أم لا ؟ فضلا عن ذلك فإنه على الرغم من أن البنتاغون كيف نفسه بتألق مع الجبال الأفغانية فإن الولايات المتحدة تجد نفسها الان في مواجهة خلايا ارهابية مكونة من أشباح وشبه عسكريين. الامر الأكثر أهمية هو أن المفهوم في قلب النزاع تطور بالكاد بعد صياغته المجردة قبل نحو عام فالرئيس الاميركي يواصل استخدام مبدأ بوش لتبرير تحويل دعواته الى أفعال ولكن ماذا يعني أن تكون مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب ؟ إنه تحالف مؤقت، تحالفات الارادات الذي أشارت اليه الادارة بغموض في البداية. هل هو يعني أكثر من ذلك ؟ إن العدو بوضوح هو أسامة بن لادن وانصاره والمتعاونون معه وايضا الدول المساندة للارهاب ولكن من على الجانب الأميركي ؟ ولماذا يبدو الكثيرون من هؤلاء الذين ضمنوا فيما يسميه بوش الائتلاف العظيم للدول المتحضرة مثل اقطار اوروبا وآسيا وكأنهم لا يشعرون بأنهم جزء من قضية كبرى؟ الاحادية الاميركية إن الشكاوى من القوة العظمى الأميركية ليست جديدة. حقا إن الاحتجاجات التي أثارها الرئيس ريجان باعتباره أحادي الاتجاه خلال زيارته لاوروبا بسبب سياساته الأحادية تعتبر أسوأ من تلك التي ووجه بها بوش في زيارته الأخيرة. وكثير من التذمر مع الأجنبى - خاصة على الجانب الأوروبي - يرتبط بالإستياء من عدم التكافؤ الواسع في السلطة بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم ولكن الشكوى هذه المرة لديها بعض الحق. فبينما يتحدث بوش عن الدفاع عن الحضارة فإن ادارته تبدو موحدة وراء استبعاد معظم الممارسات الحضارية التي تراها الدول الأخرى أسسا للحضارة المشتركة، فالشعوب المتحضرة تتعامل بالاجماع - سواء كانت المسألة تتعلق بقيم أو عدو مشترك. إن المحادثات الدورية في المؤسسات الدولية مثل مجموعة الدول الصناعية السبع أو الناتو أو منظمة التجارة العالمية تعد بمثابة مظهر التماسك الاجتماعي للحضارة العالمية وتمثل الرغبة المتبادلة في تحقيق الأمن واللهفة للاستفادة من أدوات الاقتصاد العالمي الحافز وعلى هذا فإن الدبلوماسية هي اللغة المشتركة. ولكن بوش للحكم بأفعاله يبدو وكأنه يؤمن بنوع أحادي من الحضارة.. فالناتو يواجه اللامبالاة الأميركية والأمم المتحدة فكرة متأخرة والمعاهدات لم تعد تعتبر ملزمة فيما تتبني الادارة بفجاجة عالية الاجراءات الحمائية مثل التعريفات الجمركية على الحديد ودعم المزارع، وأي محاولة للتوصل الى حل وسط بشأن حرية واشنطن تعامل كفعل عدائي ولاسقاط محكمة الجزاء الدولية على سبيل المثال هددت الادارة الاميركية في يونيو الماضي بسحب تمويلها لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، كما تزايدت ظاهرة الاحتباس الحراري وفق ما أكده تقرير أخير للادارة في الربيع، فيما ألقى البيت الأبيض وراءه ببروتوكول كيوتو الذي مضي المجتمع الدولي عشر سنوات في التفاوض بشأنه في ذات الوقت الذي لم تعرض فيه خطة بديلة. وقد اشتكى أحد مسئولي الخارجية الاميركية بأن المذهبيين المؤمنين باستقلالية السياسة الخارجية الأميركية والذين يسيطرون على الادارة يبدون احتقارا صريحا للاجماع كصيغة أساسية للمجتمع الاوروبي مع قليل من الاحساس بالتاريخ الطويل والفظيع الذي قاد اوروبا الى هذه النقطة التاريخية. وعندما تذرع الناتو بعد 11 سبتمبر بالمادة الخامسة للمرة الأولى محددا الهجوم على الولايات المتحدة بأنه هجوم على كل اعضائه فإن وزير الدفاع الأميركي رونالد رامسفيلد أرسل نائبه بول وولفويتز للقول بأن هذا لن يكون ضروريا لأن المهمة سوف تحدد التحالف، فيما راح متشدد كبير في البنتاغون يلخص وجهة النظر الأميركية بقوله (احتفظ بالاسطورة واضحك!). إن تأثيراً مثل ذلك يتبدى في أنه فيما يتذرع بوش بالحديث بقوله نحن في هذا الأمر معا متحدثا عن انشاء اطار للأمن المشترك بين القوى العظمى فإن حديثه هذا يبدو بلا معنى، إنه يقدم نفاقا بالغا، كلمات جميلة ولكن دون التزام حقيقي تجاه أي شئ سوى الأمن الأميركي. بالطبع فإن الأمن الاميركي يجب أن يكون رقم واحد على أجندة أي رئيس والتفاوت في السلطة يبرر بالفعل درجة معينة من السلطة الأحادية. وفي الشهور الأخيرة بدأ بوش ايضا بأشكال مصغرة الحد من نهجه الأحادي، فحيث ووجه بالغضب الأوروبي فقد توصل الى حل وسط بشأن محكمة الجزاء الدولية، وبالنسبة للشرق الأوسط فقد شكل اللجنة الرباعية من الاتحاد الأوروبي وروسيا والامم المتحدة والولايات المتحدة للاشراف على اقامة دولة فلسطينية. ولكن اذا كان بوش يلعب دور القائد الحربي جيدا فإنه كقائد عالمي مازال يواجه بالاخفاق حيث فشلت رؤية بوش المحدودة في الاعتراف بأن أمن الولايات المتحدة يرتبط الآن بشكل معقد بالأمن العالمي وبتقوية المجتمع الدولي. إن أحداث 11 سبتمبر وأثارها كان لها أثر متناقض واضح فخلال عدة شهور شهدنا الضعف غير المسبوق وكذلك القوة غير المسبوقة للولايات المتحدة، وبدا أن مراكزها الاقتصادية والعسكرية أكثر هشاشة مما كان يمكن أن يعتقده أي شخص وبعد عدة أسابيع كان الأميركيون يمارسون القوة بشكل أكبر مما كان يمكن لأي شخص أن يعتقد امتلاكهم اياها وذلك على أكثر ميادين القتال شدة وهو افغانستان حتى أن البنتاغون دهش لسرعة هزيمة طالبان التي حدثت رغم التذكير الذي حدث من قبل البريطانيين والروس بهزيمتهم في افغانستان. ماذا يعني أن تمتلك مثل هذه القوة والضعف في الوقت نفسه؟ إنها تعني أن اميركا يجب أن تستخدم الهيبة الكاملة لأدواتها ولسلطتها الشديدة واللينة لتأمين نفسها. فمن جانب يبدو واضحا أن ماتحتاجه الولايات المتحدة ليس فقط اكتساح القاعدة.. لقد ساعد استخدام القوة الكبيرة في افغانستان في استعادة المصداقية الأميركية بعد عقد من التردد والتدخلات الفاترة والردود المترهلة على الهجمات السابقة. ويبدو أن ضربات صواريخ كروز المتقطعة في ظل حكم بيل كلينتون شجعت ابن لادن على السخرية من الولايات المتحدة باعتبارها نمراً من ورق. ولكن في الوقت نفسه فإن طبيعة التهديد الارهابي تكشف عن ضرورة تعزيز المجتمع الدولي القائم على اتفاقات التعاون الاستخباراتي والمؤسسات الشرعية مثل الأمم المتحدة وايضا اجماع واسع على الديمقراطية والأسواق الحرة وحقوق الانسان. كما أنها ايضا تكشف عن ضرورة أن تقوم السياسة الخارجية على مجموعة من القيم وبناء الدولة القومية تحت رعاية متعددة الأطراف في بعض الأماكن مثل افغانستان. الفرصة المثلى اعترف الرئيس الاميركي الى حد كبير بوجود التحدي الكامل وذلك حينما أعلن بوش على نحو متكلف في خطاب حاسم في وست بوينت : إننا لدينا الفرصة المثلى منذ صعود الدولة القومية في القرن السابع عشر لبناء عالم تتنافس فيه القوى العظمى من اجل السلام. ولكن المشكلة بالنسبة لهذه القضية أن ادارته في حرب مع نفسها تشبه تلك التي تخوضها مع الارهابيين. ومنغمسا وسط هذا القتال الضاري بين كولن باول وزير الخارجية وفريقه من المعتدلين أصحاب الرؤية التعددية، ودونالد رامسفيلد وديك تشيني الذي يمثل الأحادية الواقعية وفريق ثالث من المحافظين الجدد المؤثرين بقيادة بول وولفويتز، يبدو الرئيس وكأنه لا يستطيع أن يقرر الى أي رؤية للعالم يمكن أن ينحاز، وكنتيجة لذلك يبدو بوش وكأنه وقع بين واقعية مخفقة قاسية تبحث عن البقاء خارج العالم ورؤية مغرقة في الإنغماس الدولي تسعى لاعادة تنظيم العالم على أساس الحرية لكن الميل العام لادارته يبقى نحو التحرر ما عدا بشأن استخدام القوة العسكرية. المشكلة قد تتمثل في نظام القيم الذي اتى به الرئيس الى البيت الأبيض والذي أدان كلينتون كمتدخل بشكل متكرر ويذهب الى الانسحاب من الالتزامات الاميركية ومن حفظ السلام وبناء الدولة القومية و الوساطات. وازاء رغبة بوش ليبدو حاسما فقد قدم للعالم صورة المتردد. إن الرئيس يحاول أن يقود حربا عالمية تتطلب انغماسا اميركيا عميقا من افغانستان الى الشرق الأوسط ولكنه متأثرا بالمتشددين الايديولوجيين في ادارته وربما ايضا بعناده الشخصي فإنه بالكاد يعترف بالنظام العالمي الذي يجاهد من أجله. فحتى ما بعد الهجمات عندما بدا واضحا أن العداوة بين الاسرائيليين والفلسطينيين والهند وباكستان سوف تعقد الحرب ضد الارهاب فإن ادارة بوش بدت مترددة في التوسط بشأن تلك النزاعات. إن التردد بين الانغماس والانسحاب مشكلة مزمنة في السياسة الخارجية الأميركية ولكن في ظل الادارة الحالية فإن الأمر مدهش بشكل خاص والانطباع الذي تولد في الخارج أضر بصورتها كثيرا واستفاد منه اعداء أميركا وقد يكون حلفاء الولايات المتحدة أصابهم الضجر من نفاق بوش الظاهر ولكن الارهابيين يرغبون في المزيد منه لكشف مواقفه، وهم يعتقدون أن صبرهم سيتم مكافأته بالشيء الذي يرغبون فيه بدرجة كبيرة وهي غفلة اميركية وانسحاب وقد يكونون على حق بالنظر الى تلك الحالات. ففي افغانستان وبعد عقد من المناقشات بشأن ما اذا كان التدخل الانساني في الدولة (الفاشلة) في المصلحة القومية الاميركية فإن احداث 11 سبتمبر كشفت بدون أي شك عن مدى الأذى الذي يمكن أن يتأتى من الدولة الفاشلة وقد اعترف بوش بهذه الحقيقة في خطبه ووجه بشكل غير مباشر نقدا لأبيه لتركه افغانستان في 1989 وتذرع بخطة مارشال لاعلان أن اميركا سوف تساعد افغانستان لتطوير حكومة مستقرة ونظام تعليمي واقتصاد قابل للاستمرار. كما أن مسئولين كباراً مثل وولفويتز اعترفوا أن المفتاح لاتمام هذا العمل هو المال. والاستراتيجيات كانت بسيطة ايضا.. تحويل كميات كبيرة من هذه المساعدة من خلال حامد قرضاي بما يوفر لكابول السلطة وقوة التأثير على لوردات الحرب. ولكن وراء الكواليس فإن ايديولوجيي الادارة تصرفوا لتقليل التدخل الاميركي فقد تعهدت واشنطن بمبلغ ضئيل قدره 296 مليون دولار وقاومت زعماء الكونغرس الذين ارادوا تقديم معونات اكثر وقد أبلغ مدير الخزانة بادارة بوش زعماء الكونغرس الذين ارادوا تخصيص 150 مليون دولار كمساعدات تعليمية وزراعية انهم لن يحصلوا على اكثر من 40 مليون دولار. كما حافظت الادارة على رفض نظري على استخدام أية قوات اميركية لحفظ السلام وكنتيجة لهذا فقد سلكت الدول الأخري الموقف نفسه ولذلك فإنه ليس من الغريب أنه ازاء يأس الأفغان من تدخل الولايات المتحدة طويل المدى فإن الدولة سقطت بسرعة في قبضة اللوردات. في الوقت نفسه فإن بوش واصل سياسة التوقف عن التدخل في النزاع العربي الاسرائيلي رغم تصاعد الانتفاضة الى حد يجعلها خارج السيطرة وفي النهاية وفي خطاب له في 4 ابريل اعلن أنه يكفي ماحدث وأن اميركا ملتزمة بانهاء النزاع. وطالب بوش رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون بالانسحاب من الاراضي الفلسطينية دون تأخير وبعد شهور من المطالبة بوضع حد للارهاب بدا أن بوش اعترف بحاجة الفلسطينيين لسبب وجيه لنبذ العنف وأن الولايات المتحدة فقط هي التي يمكن أن تسهم في التوصل الى عقد اتفاق واقترح باول عقد مؤتمر سلام ولكن بعد شهرين وبتأثير من المتشددين ذهب بوش في اتجاه اخر وفي خطاب له في 24 يونيو اسقط مطلب مؤتمر السلام وطالب بقيادة فلسطينية جديدة غير مساندة للارهاب وذلك قبل أن يساند مطلب الدولة والذي حدد موعده بثلاث سنوات بعد انتخابات 2004. وقد كان موقف بوش الجديد مقنعاً اخلاقيا فبرغبته ابقاء الزعيم عرفات خارج الصورة والمطالبة بالديمقراطية يبقي على جوهر مذهبه واتجاهه المساند لاسرائيل ولكن هذا التركيز على عرفات أعطى شارون الضوء الأخضر لمواصلة سياسة العدوان وتكتيكات العرقلة مثل دعم المستوطات الجديدة في الأراضي الفلسطينية وقد أتاح ذلك للاسلاميين استخدام هذا الموقف للتحرك اعلاميا ضد الولايات المتحدة واتهامها بأنها في خندق واحد مع اسرائيل. وتعد أزمة الهند وباكستان مثلا آخر على التذبذب فبعد تسعة شهور على 11 سبتمبر وفي وقت وصل فيه التأثير الأميركى في جنوب آسيا أقصاه تجاهلت الادارة قضية كشمير الساخنة التي كانت تهدد استقرار هذه المنطقة الحرجة وفقط عندما اندلع خطر الحرب قام بوش بارسال وزير خارجيته كولن باول وريتشارد ارميتاج للتفاوض لتخفيف التصعيد في يونيو. وكجزء من هذا المجهود قال أحد كبار مسئولي الادارة ان الولايات المتحدة كانت تبحث عن عملية تجارية.. فمقابل وعد الرئيس برويز مشرف بوقف التسلل عبر الخط الحدودي تفتح الهند باب النقاش حول كشمير مع الولايات المتحدة كوسيط. ولكن بوش كان كارها جدا للطريقة الكلينتونية في التوسط الشخصي وعلى هذا قاوم استخدام تأثيره غير المسبوق مع نيودلهى واسلام آباد لمعالجة قضية كشمير (ذات الطابع النووي). هذا التكاسل كان هدية للقاعدة التي دربت المجاهدين للقتال في كشمير والتي يمكن أن تحقق استفادة كبيرة من باكستان غير مستقرة. في المجمل وفي المجمل فإن المتشددين في ادارة بوش يكونون قد فازوا بالمعارك السياسية ويبدو أن اتجاه الواقعية المتحرر من الدبلوماسية لرامسفيلد وتشيني لهما الغلبة على النزعة المكافحة للمحافظين الجدد مثل وولفويتز وأخرين والتي تدعو الى توسيع نطاق الديمقراطية. ومع ذلك فإن أغلب هؤلاء المحافظين اصبحوا منضويين تحت راية الامبريالية الجديدة أو الهيمنة. وهذا التصور يؤدي الى تأكيد التصور الأحادي الجانب بأن قوة اميركا التي لا نظير لها سوف تعني بالأساس ليس فقط كسب الحرب ضد الارهاب وانما ايضا الابقاء على الهيمنة الاميركية وعدم التوصل الى حلول بشأنها سواء من خلال النظام الدولي أو المطالب الدبلوماسية لبعض الأمم الأخري. ومع ترحيب الجناح اليميني المناهض للوفاق والذي يعود الى اواخر السبعينيات فإن انصار الهيمنة في ادارة بوش يشعرون أنه لمدة طويلة فإن اميركا تعد عملاقا عالميا الى جانب اقزام وفق معايير ومؤسسات النظام الدولي. لقد شعروا بأنهم على حق في تأكيدهم على القوة الاميركية مع انهيار الاتحاد السوفييتي في 91 وطالبان بعد نحو العقد من ذلك وكذلك بالراحة النسبية للسهولة التي حققوا بها هدفهم المحوري في الغاء معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ وخطتهم المقبلة هي شن هجوم وقائي على العراق مع نهاية هذا العام تقريبا. وكنتيجة لتسيد نزعة الهيمنة فإن محاولات المعتدلين في ادارة بوش للدفع في اتجاه جدول أعمال عالمي شامل قد تعثرت كما أنه في خطاب القاه ريتشارد هاش رئيس ادارة التخطيط السياسي بالخارجية الاميركية الربيع الماضي دعا الى مبدأ جديد للتكامل يمكن أن يؤدي الى تكامل الدول الأخرى والمنظمات في اطار ترتيبات تبقي العالم على وفاق مع المصالح والقيم الأميركية. وباول نفسه الذي تصور انه محدد لسياسة ادارة بوش الخارجية انزل للدرجة الثانية لحل المشاكل الدبلوماسية التي يتركها المتشددون خلف ظهرهم. اليوم فإنه يبدو أن رسالة واشنطن الأساسية الى العالم هي ضرورة تلقي املاءاتها ولكن الزعماء الفاعلين الحقيقيين لا يعملون بالاملاء حتى خلال الحروب وقد عرض الرؤساء الاميركيون السابقون رؤاهم المعتادة بشكل جعل العالم ينضم الى قضيتهم. ومواجهة بما بدا أنه يمثل قضاء على الحضارة الغربية في الحرب العالمية الأولى اعلن ودرو ويلسون خططه لبناء عالم من الديمقراطية والأسواق المفتوحة من أجل المصلحة المشتركة للانسانية، حتى فرانكلين روزفلت، هاري ترومان، كينيدي، ورونالد ريغان رغم عدم ترحيبهم بمثاليات ويلسون فإنهم دخلوا الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة على هدى خطط ويلسون وذلك عندما يواجهون رؤى للعالم مغايرة. كما أن الكثير من المؤسسات التي لا يقدم متشددو ادارة بوش على استخدامها الا قليلا كان ينظر اليها كجزء من رؤية جديدة لتصحيح عيوب الديمقراطية الرأسمالية الغربية في مواجهة التهديدات الانتهازية من الفاشية والماركسية اللينينية. وحتى عندما طبق بوش النزعة الويلسونية فإنه فعل ذلك في اطار من الفراغ السياسي جاعلا من اتجاهه الأخلاقي الأحادي هو الأكثر صخبا على الآذان الأجنبية فقد اعلن في كلية وست بوينت العسكرية أن القرن العشرين انتهى بنموذج متفرد للتقدم الانساني يقوم على مطالب غير قابلة للتفاوض بشأن الكرامة الانسانية وحكم القانون وحدود على قوة الدولة واحترام المرأة والملكية الخاصة وحرية الرأي والعدالة والمساواة والتسامح الديني ومقارنة ذلك بما جاء في خطبة روزفلت عام 1941 حول الحريات الأربع والتي تمثل تعبيرا عن الأمل اكثر منها تعبيرا عن اعلان حول ما لا يمكن التفاوض بشأنه، وهو ما تم تضمينه في ميثاق الاطلسي وميثاق الأمم المتحدة فيما بعد وفيما كانت الحرب على الارهاب تدور فإن اميركا كانت تفقد الفرصة التاريخية التي اشار اليها بوش. حقيقة أن هذه تعد نوعا مختلفا من الحرب وبمصطلحات القوى الكبرى فإن التهديد محدود مقارنة بالتحديات الكبيرة التي مثلها النازي الألماني أو الاتحاد السوفييتي ولكن بمصطلحات ايديولوجية فإن التحدي الذي يمثله الاسلاميون مماثل وقد أعلن بوش هذا الأمر بنفسه حين أشار في خطابه في 20 سبتمبر الى أن الارهابيين ورثة كل الايديولوجيات القاتلة في القرن العشرين.. ربما لا يكون لديهم دبابات وطائرات ولكن لديهم قاعدة دعم جوهرية في العالم الاسلامي والقوة الكبرى التي وفرتها العولمة للجماعات الصغيرة المتعصبة في باكستان تعد واحدة من الحلفاء الرئيسيين للولايات المتحدة وهي تعد ايضا الآن نقطة انطلاق رئيسية للقاعدة كما أن القنابل الانتحارية تعد نمط حياة في الأراضي المحتلة حيث تعلق صورة ابن لادن بشكل ظاهر على الحوائط فيما تستمر أموال النفط السعودية والخليجية مصدرا لتمويل السلفية والتي لديها تربة صالحة وجذور متعاطفة حول العالم، ورسالتها تنقل يوميا بواسطة «الجزيرة» محطة الأخبار العربية وحتى في الكثير من المساجد بالولايات المتحدة. تغيير بالقوة إن أنصار الهيمنة على حق بشأن شيء واحد هو أن القوة الشديدة تعد ضرورية لكسر ظهر الجماعات المتشددة واجبار العالم الاسلامي على احداث تغيير جوهري، وقد قال ذلك ابن لادن بنفسه: عندما يرى الناس حصانا قويا وآخر ضعيفا فإنهم بالسليقة يحبون الحصان القوي. ان سياسة التدخل الأميركية التي اتسمت بالممانعة خلال حقبة التسعينيات لم تحرز تقدما ضد هذا العدو الصعب الصامد ولم تحقق سياسة كلينتون بوضع مصداقية ادارته والاطلسي محل الاختبار لحماية مسلمي كوسوفو والبوسنة سوى القليل من المودة لواشنطن في العالم الاسلامي. ولكن على عكس الاتجاه الواسع ضد الأمركة فإن واشنطن لا تستطيع قصف العدو وببساطة خارج الوجود او اقتلاعه من جذوره الخاصة من خلال قواتها الخاصة. إن الدفاع الوطني سوف يحسن الأمن القومي بشكل هامشي فقط وقد يكون اكثر كلفة مقارنة بفائدتها بالنسبة لبلد بنى صعود قوته على الانفتاح على كل الشعوب والافكار والتكنولوجيات لذا فإن الاسلاميين يجب أن يتم سحقهم في حرب الأفكار. في هذه اللحظة عندما يرسل متطرفو تنظيم القاعدة رسالتهم عن الحرب الحضارية على الانترنيت ويسوقونها مثل فيديو اعدام دانييل بيرل مراسل وول ستريت جورنال.. فإن هؤلاء الذين يطلقون على أنفسهم وصف الحضارة يجب أن يعطوا هذا العمل اسما. ولأن العالم يحصل على أوامر بالتحرك فقط من بوش وليس نتيجة رؤية مشتركة فإنه يجد نفسه أقل ميلا لمتابعته خاصة اذا ما بدأت الولايات المتحدة في اتخاذ أعمال وقائية على نطاق واسع ضد دول مثل العراق، والوقائية قد تكون حتمية ضد عدو لا يمكن ردعه (ويبدو الأوروبيون والروس راغبين بشكل كبير في اقرار حملة ضد العراق) ولكن واشنطن ستحتاج الى حملة دبلوماسية شديدة البراعة لاقناع شركائها بأن مثل هذه الحملة تصب في مصلحتهم الخاصة ولدفعهم للقيام بمواجهة الفوضى التي قد تحدث فيما بعد مثلما حدث في افغانستان. كما أنها تحتاج للعمل بشكل جاد بدبلوماسية لاقناع الأخرين بأن العمل الوقائي ليس المبدأ المهيمن أو الأساسي بالنسبة للتحرك في الحرب على الارهاب، وعلى هذا الأساس سوف تتوقف الهند على سبيل المثال عن القيام بعمل وقائي ضد باكستان، وهنا فقط يمكن للولايات المتحدة أن تقود. حتى أثناء أزمة الصواريخ الكوبية فإن كينيدي كان قلقا بشأن رد فعل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي اذا ما قام بضربة وقائية في كوبا وفي النهاية اختار أن يتحدى مستشاريه العسكريين من الصقور والقيام بحصار بحري بدلا من ذلك. ولكن لفهم الى أين تريد ادارة بوش أن تذهب يجب في البداية فهم من أين أتت؟ فاذا كان هناك سبب واحد وراء تمسك بوش بسياسته اللاذعة فإنما هو أنها سوف تعزز شعبيته وسط الأميركيين ولهذا فإنه اذا كان على بوش أن يغير وجهة نظرة فإن الأمر نفسه ينسحب على الأميركيين ايضا ولتحقيق ذلك يجب أن يغيروا اطارهم المرجعي. موت الأسطورة المؤسسة في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر تساءل الجنرال ريتشارد مايرز في جلسة استماع بالكونغرس عن أسباب فشل أعظم قوة عسكرية في التاريخ في حماية قلب القوة الأميركية من مجموعة من الرجال يلوحون بمشارط ورقية في تلك الساعات المبكرة والتي سادتها الصدمة مما حدث فإن رئيس هيئة الأركان المشتركة لم يكن لديه اجابه جاهزة، ولكن الحقيقة المجردة حسبما قال مايرز هي «أننا جيدون اذا ما جاء التهديد من الخارج ولكننا غير جيدين اذا ما جاء من الداخل». وبعد نحو عام فإن الأميركيين لايزالون يعانون من الصدمة بشأن مدى صعوبة تحديد أي التهديدات يمكن أن تأتي من الخارج وأيها يمكن أن يأتي من الداخل؟ فيما أمم أخرى مثل المملكة المتحدة كيفت نفسها على المراقبة الداخلية بسبب تسرب الارهابيين. وبالكاد فإن الولايات المتحدة بدأت خطواتها على هذا الطريق.. هذه الحيرة قائمة في قلب هيئات مجتمع المخابرات الأميركية وقد تم اهمال الأمر كثيرا ولكنه الآن اصبح حيويا بشأن الحرب على الارهاب. إن الصراع على الاختصاصات بين السي أي ايه والاف بي أي قد تفاقم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة فقد بدأت السي أي ايه توسع نطاق نشاطها الى منطقة النفوذ التقليدية لـ «اف بي أي» إزاء تزايد الطابع الدولي للجريمة وشمولها للمخدرات ونشر أسلحة الدمار الشامل. وفي السنوات الأخيرة بدأت الـ إف بي أي» تمد نشاطها في حقل السي أي أيه من خلال تجنيد عملاء عبر البحار في رد على تفجيرات الخبر والمدمرة كول، ولكن هذه الجهود المتبادلة بالكاد حسنت الاتصالات ويبدو أن الوكالتين لم يشعرا بحيوية القيام بذلك حتى 11 سبتمبر. حتى الان فإن فكرة أن الحدود لم تعد تعنى الكثير بعد الان أمرا ليس من السهل ابتلاعه من قبل الاميركيين.وقد كان كلينتون باعتباره رئيس العولمة يكرر هذا الموضوع بشكل ثابت. إن إحدى الأساطير المؤسسة للأمة أو الدولة بعد كل ذلك هو التفرد.. فأميركا في مكان بعيد محمية بمحيطاتها. مثل هذه الآمال هي التي كانت وراء دعوة جورج واشنطن للانعزالية في 1716 وكذلك تحذير جيفرسون من الطبيعة المعقدة للأحلاف انطلاقا من حقيقة أن الأميركيين لهم حياتهم الوطنية الخاصة المنعزلة بشكل جيد عن اوروبا وأسيا وتجعل لهم الغلبة على نصف الكرة الغربي. وفي أواخر القرن التاسع عشر، وبدون المحاولة، أصبحت الولايات المتحدة اكبر اقتصاد على مستوى العالم. هذه الانتصارات شحنت الشعور بالتفرد وعززت الانعزالية والأحادية على أساس حقيقة مادية واضحة. لقد أصبحت الاسطورة المؤسسة حقيقة ونجاح الأميركيين في بناء امبراطورية قارية فقط غذى الشعور بأنها يمكن أن تتصرف بحرية كاملة وفخرهم بقيمهم ومثالياتهم جعل الأميركيين متأكدين أنهم دائما على حق. مع حلول القرن العشرين فإن الولايات المتحدة تم جرها في الحروب الكبرى، ويبدأ النمط المألوف الآن بالتدخل الشديد متبوعا بالانسحاب وخلال الحرب الباردة فإن الانسحاب لم يكن ممكنا ازاء التشابك الدولي مع الاتحاد السوفييتي والذي تبع الحرب على الفاشية، ولكن اذا لم تعد المحيطات تحمي الولايات المتحدة من هجمات نووية مع الدخول في العصر النووي فإن الأميركيين ما زالوا يعتقدون أن التهديد يأتي من الخارج من السماء أو عبر البحر من أجنبي وعالم أقل كفاءة. وعندما انتهى ذلك النزاع فإنه لم يكن يجب أن يكون هناك مجال للمفاجأة في أن جورج بوش بتوجهاته المحافظة التي لم تجد مجالا للاختبار من خلال الارتباط بنموذج على شاكلة الحرب الباردة أراد تقليص الوجود الاميركي بالخارج الى حجم سهل الانقياد ولاعطاء الصوت مرة أخرى للتصورات الجامحة بالتفرد الأميركي. إن عددا من الاميركيين واسوا أنفسهم بأن اميركا لن تكون انعزالية اكثر من ذلك، وهذا حقيقي ولكن الأحادية والانعزالية يعدان توائم أيديولوجية.. كلاهما ينبع من الرغبة في..التفرد.. المصدر الوحيد لسوء الثقة الأميركية بشأن باقي العالم خاصة الأوروبيين.. هذا ما زال كتاباً مقدساً اميركياً يستشهد به من قبل المتشددين مثل بات بوكنان وجون بولتون والمحافظين الأميركيين الذين يجادلون بأن المعاهدات الدولية غير نافذة قانونيا. واتساقا مع نموذج حراسة الثعلب لبيت الدجاج، فإن بولتون أصبح وكيل وزير خارجية بادارة بوش لسياسة الحد من التسلح وقد قام تقريبا بتفكيك أو عرقلة كل معاهدة متعددة الأطراف في هذا الصدد. إن الأحادية اكثر قبولا اليوم ولكنها مثل الانعزالية لا تقبل أعباء النظم الدولي، وما ينبغي على كثير من الأميركيين، بما فيهم متشددو ادارة بوش، ادراكه هو أنه خلال فترات الانغماس الاميركي المكثف في شئون ما وراء البحار فإن العالم الذي ارادوا الحفاظ عليه بعيدا عنهم قد أصبح بدرجة كبيرة هو عالمهم، وعلى مدى قرن فإن الأميركيين قد بنوا نظاماً دولياً خطوة خطوة، ومرحلة بمرحلة حتي أصبح جزءا من البيت، مثل ضيف في حفلة يبحث عن عذر للمغادرة بأدب وما لم يستوعبه الكثير من الأميركيين أنه في مستوى معين فإن الحفلة أصبحت حفلتهم.. فكل مؤسسة دولية مثل الأمم المتحدة، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، الناتو، الاتفاقية العامة للتعريفة والتجارة.. كلها صنعت في أميركا، وبأخذهم جميعا في الاعتبار فإن كل مؤسسة من هذه المؤسسات تساوي نظاماً دولياً عملياً والذي تبدو فيه الديمقراطية والأسواق الحرة في مد دائم الصعود. هل توجد طريقة أفضل، على سبيل المثال، لكسب الصين القوة العظمى المفترضة في النظام الدولي، من صياغة سلوكها عبر منظمة التجارة العالمية ومجلس الأمن بالأمم المتحدة. المحافظون الجدد سيعتبرون هذه النظرة استرضاء، هم يريدون حل مشكلة الصين بتغيير النظام ولكنهم لا يقدمون برنامج عمل. بالتأكيد فإن واشنطن لن تقوم بغزو واحتلال دولة مسلحة نوويا وذات 13 مليار نسمة. وبينما نحن ننتظر حلول الديمقراطية هناك فإن النظام الدولي يوفر لبكين بديلاً حقيقياً لصراع(القوى) الجيو سياسي القديم بتوفير امكانية تحقيق ازدهار وطني في اطار هذا النظام. إن الأميركيين يجب أن يتقبلوا الآن ما يبدو تناقضا في المصطلحات، فحتى التصور بالفرادة يقر بأن ما يفصل الولايات المتحدة عن العالم لم يعد تقريبا بمثل أهمية ما يربطها بهذا العالم، وتواجه الولايات المتحدة ضرورة مبادلة النماذج الأميركية الأصيلة للحفاظ على أكثر المبادئ المؤسسة مركزية وهي الحرية لذا فإنها يجب أن تتخلى عن أحد أساطيرها وهي الانعزال عن الآخرين.. إن اميركا الآن تعد حتما جزءاً من مجتمع عالمي من صنعها. قبول المجتمع الدولي بالنسبة لادارة بوش فإنه من السخرية الحادة أن حليف اميركا الرئيسي في الحرب على الارهاب قد تحول ليصبح المجتمع الدولي وأنهم يحتاجون الى هذا الكيان الذي يتم ازدراءه لتطوير مذهب بوش. وبمجرد توليها السلطة فإن الادارة الجديدة أصرت على أنها، كما كتبت مستشارة بوش والتي تعمل الان كمستشارة للأمن القومي كوندوليزا رايس، تنطلق من الأرض الثابتة للمصلحة القومية وليس من مصلحة مجتمع دولي زائف. وقد أراد المحافظون الحد من ما رأوه العولمة السريعة لسنوات كلينتون. لقد استهجنوا كيف أن هذا المجتمع المعولم حاول التأثير على القضايا التي أرادوا الابقاء عليها ضمن السيادة الأميركية.. من ألغام الأرض الى محاكم جرائم الحرب الدولية الى الضرائب. وفي الواقع فإنه بمرور الوقت وبتوليهم المناصب فإن اولئك الذين يطلق عليهم السياديون (أنصار مذهب السيادة) كانوا بالفعل يضعون أصابعهم في حاجز مثقوب. إن العولمة وعالم الاعتماد المركب كشف زيف الكثير من نقاشاتهم المشبوهة. لقد أنشأت الأعمال التجارية الاميركية شبكات انتاج عالمية تركتهم ضعافاً أما رغبات الحكومات فيما وراء البحار ونزوات الممثلين الدوليين مثل المنظمات غير الحكومية. وكما لاحظ ستروب تالبوت المسئول بوزارة الخارجية في عهد كلينتون فإن القاعدة يمكن أن تكون المنظمة غير الحكومية باطلاق. وفي الوقت نفسه فإن الاقتصاد الاميركي اصبح مدمناً لبورصة وول ستريت حيث يتمركز النظام المالي الدولي، وقد اصبحت اميركا مستخدماً صافياً لرأس مال الأمم الأخرى بما يمكن الأميركيين من عادة شراء سلع أكثر من الخارج اكثر مما يبيعون للاخرين وقد ألقى هذا الاتجاه بتأثيراته السلبية على صحة الاقتصاد الأميركي خلال التسعينيات وهو العقد الذي هبطت فيه المدخرات الأميركية الى لا شيء تقريبا! ومع تولي بوش السلطة فإن اعتماد الأميركيين على النظام الدولي قد تجاوز الادخار والاستثمار في الاعمال والأسواق وتمحور ايضا حول الحفاظ على التفوق العسكري الأميركي المصدر الوحيد للفخر الأحادي. وكما كشفت الحملة العسكرية في افغانستان فإن الكثير من أفضل تكنولوجيات الدفاع الأميركية انتجب بواسطة الشركات التجارية العالية التقنية التي تقدم الكثير من التقنيات المستخدمة في الطائرات بدون مروحيات وألات التصوير المحمول جوا والأقمار الصناعية، ومعدات نظام الرصد الفضائي للأرض المحمولة يدويا، وتكامل الأنظمة، ومعدات اتصال سلكية ولا سلكية. القليل من هذه المعدات تنتج حديثا من قبل المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة. كما كان الحال خلال الحرب الباردة ولن تنتج بهذه الطريقة في المستقبل على الرغم من زيادة بوش الضخمة على الانفاق العسكري. إن الانترنت لربما بدأت بشكل معروف كمشروع سري لوزارة الدفاع الأميركي ولقد ولت هذه الأيام منذ زمن بعيد. والحقيقة أن التكنولوجيا مزدوجة الاستعمال تمثل حصة الأسد فيما يبيعه الاقتصاد الأميركي في الأسواق الدولية هذه الأيام، فالحواسيب العملاقة على سبيل المثال تعد ضرورية لحرب القرن الحادي والعشرين حيث تحدد كل شيء من تصميم الرأس الحربية الى أنماط الحرب في حالة ضربة جوية، وكل شركة اميركية للحواسيب العملاقة الان تحصل على الأقل على نصف عائداتها من المبيعات الخارجية. بمعنى آخر أن الدفاع الأميركي يعتمد على استقرار وانفتاح الاقتصاد الدولي بشكل لم يحدث من قبل. إنه لمن السهل على المحافظين، بالطبع، الاعتراف بأهمية الاقتصاد الدولي. والمجتمع الدولي شيء أخر وهذه لاتزال مثل الفكرة الغامضة التي كانت دائما سهلة الاستبعاد مثل الأسطورة الويلسونية. ومع ذلك فإن الاقتصاد الدولي لم يعد يوجد في فراغ، فهناك رابطة متنامية من الأسواق، الحكومات، الشعوب التي تتقاسم المصالح العامة والقيم، وهذه الرابطة بدورها تعمق الاقتصاد الدولي ويوجد مؤسسات كاملة قديمة مثل مجلس الأمن الذي يعبر أحيانا عن هذه المصالح والقيم وكذلك مؤسسات جديدة مثل منظمة التجارة العالمية والتي تحكم في النزاعات عندما تتوقف مثل هذه الرابطة. والدليل على وجود المجتمع الدولي أو على الأقل أن شيئا ما يسود بخلاف الفوضوية ماثل حولنا يمكن أن نجده في تراجع المحاولات الجادة للقوى الرئيسية الأخرى للتوازن أو بناء تحالفات ضد الولايات المتحدة كما تنبأ الواقعيون. كذلك يمكن أن نجده في حقيقة أن لا أحد من القوى العظمى.. الاتحاد الأوروبي، اليابان، روسيا، والصين انخرط في بناء عسكري رئيسي لتحدي القوة العظمى الوحيدة. وبالرغم من الحرب على الارهاب وكل القضايا الخلافية التي أثارتها بين اميركا والأوروبيون فإن قوى النظام اكثر وضوحا من قوى الفوضى في العالم اليوم. وفي العقد الأخير انهارت الأسواق المالية عدة مرات، كما اندلعت الاحتجاجات ضد العولمة ونظام السوق المفتوح بقي سلبا في الغالب وقد ضرب الارهاب برجي مركز التجارة العالمى وصراع الحضارات لم يعقبه. فاذا كان هناك فوضى مقبلة كما حذر الواقعيون فإن عبء الاثبات حينئذ يقع عليهم لأنه هنا بالكاد وميض منه في الافق، كما مازال هيكل العالم فيما بعد الحرب الباردة على ما هو عليه من ضغوط وتوترات لأنه ليس هناك بديل، حتى لو علماء مثل يوسف ستيجلينز وكيفين فيليبس حذرا على نحو متزايد من أن ألية المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي تختنق بتفاوتاتها ولا يمكن الحفاظ على بقائها دون اصلاح دقيق فإن الأكثر معقولية هو التساؤل حول لماذا يجب أن يقوم بوش بالكثير ليجعل التقسيم بين فقير وغني جزءاً من رؤيته للعالم؟ إن الولايات المتحدة ما زالت تصنف في المجموعة الأخيرة من الدول الرئيسية المانحة للمساعدات الخارجية قياسا على الناتج المحلى الاجمالي ولا يوجد شيء يوازي الحرب على الارهاب في الكشف عن حاجة الاميركيين قفزة تصورية في القبول بأنهم جزء من المجتمع الدولى. جوع للمعلومات على صعيد آخر فإنه لمحاربة ما أصبح خلايا منفصلة على الأقل منذ تدمير قيادة القاعدة جزئيا في افغانستان فإن الولايات المتحدة في حاجة ماسة لمعلومات عن المجموعات الارهابية من برلين الى كوالالمبور.. هذا الأمر يتطلب من ادارة بوش اتجاهاً اكثر تصالحياً ولكن، مرة أخرى، فإن هذا الأمر بطيء التحقق، فواشنطن كانت مترددة في المشاركة الاستخباراتية مع حلفاء أساسيين مثل فرنسا والمانيا ولذا فإنه مما لا يدعو للاستغراب أن التعاون في محاربة خلايا الارهاب والقضاء على شبكات الدعم المالي لهم خف وذبل. إن الجوانب الغامضة والحيوية لمعاهدة حظر انتشار اسلحة الدمار الشامل تعد سببا رئيسيا يدعو الأميركيين للعمل بجد أكثر لتطوير مجتمع دولي أكمل. فمع مرور العقود فسوف يصبح من الأكثر سهولة بالنسبة للجماعات الارهابية الحصول على مثل هذه الأسلحة والتهديد الأكثر احتمالا لاميركا لن يكون صواريخ باليستية تطلق من دولة مارقة تعلم أنها سوف تواجه انتقاماً هائلاً وإنما سيكون أسلحة دمار شامل تحمل في مركبة أو شاحنة من قبل مجموعة صغيرة من الأفراد تغذيهم الكراهية ليس لديهم عنوان يمكن الرجوع اليه وغير خائفين من تهديد بالانتقام، ونظام الدفاع الصاروخى لن يعمل في هذه الحالة، وعلى هذا فإن نظام الدفاع الوطني القومي سيتحسن بشكل محدود فقط اذا ما امتلكت اميركا القدرة على ايقافهم قبل أن يستخدمونها. ويمكن العمل الوقائي بالتأكيد من المساهمة في ذلك غير أن الإفراط في استخدامه يمكن أن يؤسس سابقة خطيرة في السلوك الدولي ولذا فإنه من الواضح أنه من المصلحة القومية للولايات المتحدة السيطرة على أو تخفيض انتشار مثل هذه الأسلحة حول العالم، وهذا يعني التقليل من عدد الدول التي تنتج مثل هذه الأسلحة وكبح الباقين عن ذلك. ومع تولي ادارة بوش السلطة كان لديها امكانية لقدر وفير من الاستفادة بعدد من الأدوات لاتمام هذه المهمة، وأغلب هذه الأدوات أنظمة عالمية اطلقتها الولايات المتحدة وأغلب هذه الأنظمة تميل الى الحد من التفوق العسكري الأميركي. وبين هذه الأدوات معاهدة حظر التجارب الشاملة ومعاهدة الأسلحة البيولوجية، ومعاهدة الأسلحة الكيميائية، ورغم ذلك فإن ادارة بوش تتابع اجندتها القديمة ضد معاهدات الحد من السيادة، إنها تشجب أغلب هذه الأدوات بدلا من محاولة تعزيز وجودها. إن بعض سياسات الادارة الاميركية تبدو بالفعل وكأنها ترحب بعالم أكثر بمستوى اكبر من انتشار الأسلحة النووية. إن مراجعة للمواقف النووية تسربت في مارس 2002 حددت سبعة أسباب وراء قرار كلينتون الرئاسي عام 97 والذي طرح بداية استعمال الأسلحة النووية ضد الدول المارقة.. إن القليلين يتذكرون أنه في اوائل سنة 2001 خففت ادارة بوش من اعتراضاتها على تعزيز بناء الصين لصواريخها النووية على أمل اضعاف معارضة بكين نظام الدفاع الصاروخي الاميركي وبعد عام راح البنتاغون يدق أجراس الخطر من أن الصين تعزز قوتها الصاروخية وبدا بوش في خطابه في ويست بوينت رافضا أي عودة الى الحد من التسلح قائلا: نحن لا نستطيع أن نضع ثقتنا في كلمة من الطغاة، الذين يوقعون معاهدة عدم الانتشار بعدم جدية وبعد ذلك ينتهكونها بانتظام. ولمواجهة هذا التهديد واصل الرئيس الاميركي: نحن سوف نعارضه بكل ما أوتينا من قوة. وحتى الآن فإن القوة الخام لا تعمل لوقف الأمم من نقل المعرفة بشأن أسلحة الدمار الشامل كما لا تعمل ايضا على منع أمم اخرى من البحث عن الحصول على هذه الأسلحة خاصة اذا ما عرفوا أن الولايات المتحدة تعمل على توسيع وتحسين ترسانتها النووية وأنها تتنكر للقانون والمنظمات الدولية. حسنا، لقد واصلت الادارة في حربها على الارهاب الترويج للحاجة لتمويل أكثر لنظام الدفاع الصاروخي لمواجهة الدول الارهابية رغم كثرة حديثها بشأن التصديق على استلام روسيا شريحة أخرى من المال للتخلص من أسلحة الدمار الشامل. في الاستراتيجية التقليدية فإن الطريقة التي اتبعتها ادارة بوش يمكن أن تثبت أنها ذكية وتنبع من تفكير طويل المدى ولكن الاستمرارية في جعلها النقطة المحورية في استراتيجية دفاع مستمرة بعد 11 سبتمبر فيما يتم الاستخفاف بالجهود المتعددة لاحتواء الانتشار فإن ذلك ليس سوى نوع من التضليل. وتبدو كل هذه الجهود كتبرير من جديد لأكثر العناصر ابهاما وسخرية في برنامج ويلسون القديم للسلم ألا وهو الحد من التسلح. وفي النهاية اذا لم يقبل أنصار السيادة في واشنطن وجود المجتمع الدولي فإن الارهابيين على ما يبدو سيفعلون.. إن تحرك بن لادن إنما اندلع ضد الصليبيين واليهود والأمم المتحدة الظالمة وايضا اميركا، من الحق أن عداء بن لادن وأنصاره يمكن فهمه بشكل صحيح فقط في سياق اتساع ما رأوه افسادا لدائرة المجتمع الدولي المستغرب. وقد ارجع برنارد لويس غضب المسلم اليوم الى ما زعم انه السقوط النهائي للمجتمع الاسلامي بعد حرب ألفية على السيادة واحترام الذات مع الغرب. أما إيان بوروما وافيشاي مارجاليت فقد ذهبا الى أن الاسلاميين يمثلون استمرارا للمحاولات المتكررة لتنظيم مقاومة عدائية للتغريب. وقد سبق الأصوليون اليوم من قبل القوميين اليابانيين في اوائل القرن العشرين والقوميين الألمان والروس السلاف وأخيرا الفاشيين والعسكريين اليابانيين. واذا ما تجمع الغرب سوية فإنه من المحتمل أن يلقى الراديكاليون الاسلاميون مصيراً مماثلاً، الهزيمة المتبوعة بالتعاون. ان واشنطن ببساطة لا يمكن أن تتحمل الاستياء وانخفاض مستوى التعاون الناتجين عن الاتجاه الأحادي في السياسة الأميركية. وقبول حقيقة أنه جزء من نظام عالمي أوسع لا يعني انتقاصاً له قيمة من السيادة وهو الخوف الأميركي الكبير الذي له جذور عميقة في الفرادة. إن الأبطال الحاليين للفرادة ما زالوا يؤمنون أنهم يحاربون العولمة المغرورة، وحتى تهديد الحكومة العالمية. ولكن هذه المخاوف بالغة السخافة.. إن الحكومات والدول القومية مازالا يحددان العالم بوضوح، والمجتمع الدولي كحقيقة، قوة، ومتزايدة لا يكشف عن أي مؤشرات على تبني حكومة عالمية. إن الفكرة سخيفة في طبيعتها، فبينما بوش يدعم ميزانية دفاعه العام الماضي لمستويات الحرب الباردة، نحو 390 بليون دولار، فإن الميزانيات المشتركة لكل المنظمات الدولية متعددة الجنسيات كالأمم المتحدة، محكمة الجزاء الدولية، البنك الدولي تبلغ أقل من 20 بليون دولار. ومع ذلك لا يعني شئ من هذا أن الأحادية الأميركية كلها سيئة. إغراءات الأحادية بعض الأوروبيين تخلوا عن بوش تقريبا ويأملون بالعودة الى نمط سياسة كلينتون التي ينظر اليها على أنها متعددة الأطراف. وأمثال هؤلاء تعد ذاكرتهم معيبة أو مختلة. حقا إن ادارة كلينتون من الممكن أن تكون قد قامت بعمل أفضل على تغطية الاختلافات عبر الاطلسي فيما بدا تعددية. فقد تفادى كلينتون المعارضة الأميركية ومحكمة الجزاء الدولية أو معاهدة الأسلحة الكيميائية وراعى كثيرا الحسابات الاوروبية بشأن معاهدة منع انتشار الصواريخ الباليستية، لكن عندما تطلب الموقف سياسة مختلفة - حسب تفكير ريتشارد هولبروك في دايتون أو اولبرايت في رامبولييت، فإن ادارة كلينتون تصرفت بأحادية كفريق بوش الحالي تماما. عقلية راعي البقر اليوم فإن الأحادية، بكلمات أخرى، ترتبط بشكل محدود بصفات عقلية راعي البقر لدى ادارة بوش أو التفرد أكثر من ارتباطها بالتفاوت المحض في القوة بين الولايات المتحدة وبقية العالم خاصة اوروبا والتي تأتي منها معظم الشكاوى. إن أميركا تتصرف بأحادية لأنها تستطيع ذلك ولأن هذا الدافع في لحظات الأزمة الوطنية يكون أقوى. لقد تعلم الأوروبيون خلال الحرب على الارهاب ما تعلمه اليابانيون خلال حرب الخليج.. ان القوة الاقتصادية الواسعة تعطيك قوة رفع رئيسية في الاقتصاد مالم تسع الادارة القائمة الى تحويلها باتجاه شئ آخر. إن اوروبا كان يمكن أن تكون كلبا كبيرا في محادثات منظمة التجارة العالمية وفي قضايا مثل مقاومة الاحتكار ومضايقة الشركات الأميركية العملاقة متعددة الجنسيات مثل جنرال اليكتريك أو مايكروسوفت. وعندما وجدت اليابان أن غزو الرئيس العراقي للكويت في 1990 يمس بمسألة أخرى هي الأمن الع