الجمعة 2 شوال 1423 هـ الموافق 6 ديسمبر 2002 كان «بيت» يمر بيوم صعب. فيده اليسرى منتفخة وتنز صديداً مما اضطره الى الاتكاء على اطرافه الثلاثة السليمة. وكان يجد صعوبة في اطعام نفسه، ولم يستطع ان ينظف زوجاته الاربع. وهناك شاب اعزب وسيم يغازلهن. فهل يمكن لهذا الوضع ان يغدو اسوأ من هذا؟ يقول تشادن هنتر، وهو عالم احياء استرالي متخصص في الحياة البرية، امضى السنوات الماضية في دراسة قرود الجيلادا، وهي من الحيوانات الرئيسية الآكلة للعشب التي يضاهي حجمها حجم السعدان، ولا توجد الا في جبال اثيوبيا ـ يقول ان «الامر قد يزداد سوءاً واذا حدث ذلك فان «بيت» سيفقد عائلته» كان ذلك هو نوع السلوك الذي يبحث عنه هنتر في دراسته والذي يتلخص في قتال الذكر من اجل الاحتفاظ بموقعه في العائلة. لقد شاهد هنتر العديد من تلك المعارك بين شريحة القرود الخاضعة للدراسة وهو عادة ما يمتنع عن التحيز لاي طرف. ولكن كانت هناك مشكلة واحدة وهي ان هنتر احب «بيت» ويقول بهذا الخصوص «لقد راقبته طوال اربع سنوات، واكره ان ارى هذا يحدث له». بعد لحظات، زحف صف من قرود الجيلادا العزاب وسط القرود المنهمكة في الرعي وهي تصدر صوتاً مليئاً بالتحدي. وبدا من وجهتها ان المقصود هو عائلة «بيت» ومن الواضح ان «بيت» عرف ذلك، فقد اسرع إلى نسائه وعلى وجهه ارتسمت تعابير «الرعب الحقيقي». يقول هنتر: انه يحاول تجميع زوجاته حوله، ولكنها يكره ذلك. ولن يؤدي ذلك الا الى جعل الامور اكثر سوءاً. صاحت الاناث لفترة وجيزة علي «بيت» ثم استأنفت الرعي كالمعتاد. فالاناث في هذه المملكة تملك زمام الامور، وبالتالي فان القرار سيكون قرارها بالابقاء على بيت او الاطاحة به. اخر السلالة يعتبر قرد «الجيلادا» اخر الانواع في سلالة الحيوانات الرئيسية الآكلة للعشب التي كانت هناك سلالة كبيرة ذات يوم. فقبل ثلاثة ملايين سنة كانت انواع عديدة، احدها بحجم الغوريلا، تجوب افريقيا وصولاً الى الهند، ولكنها اختفت جميعها باستثناء الجيلادا الاثيوبية، مع ازدياد حرارة القارة الافريقية وتناقص الاراضي العشبية فيها. ولم تعد هناك اليوم بيئة مناسبة لهذا النوع من القرود الا في المرتفعات الباردة للمروج الجبلية في شمال وسط اثيوبيا. واليوم يوجد ما بين 100 الى 200 الف قرد من فصيلة الجيلادا في اثيوبيا. وعلى الرغم من انها غير مهددة بالانقراض، الا ان المخاطر تطاردها نظراً لموطنها البيئي الممزق، وبسبب تنامي عدد السكان في اثيوبيا وتوسع الاراضي الزراعية. فالمراعي والحقول تزحف الآن على مناطق نفوذ الجيلادا، وهي مروج جبال سيمن الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها 10 آلاف قدم. يتخذ هنتر من حديقة جبال سيمن الوطنية قاعدة لدراسة قرود الجيلادا منذ عام 1997. وهو يعرف كل جرف او ارض فضاء تفضلها قرود الجيلادا. ويقول عنها: «انها تختلف عن الحيوانات الرئيسية الاخرى في نظامها الغذائي وسلوكها الاجتماعي. وحتى موطنها الطبيعي يفاجيء الناس». تعتبر قرود الجيلادا مخلوقات قمم الجبال بخلاف معظم الرئيسات الافريقية الاخرى، التي تعيش في الغابات او سهول السافانا المنخفضة. واثناء النهار، تتجول الجيلادا في المروج العالية والغابات المكشوفة بمحاذاة اكثر الجروف الصخرية انحداراً في جبال سيمن. وفي الليل، تهبط من المناطق العالية الى النتوء الصخرية الضيقة وتنام محتضنة بعضها البعض لمواجهة الريح والبرد القارس. وضعية مميزة وعلى الرغم من وضعيتها المميزة ونمط حياتها الغريب، الا ان هذه القرود تعتبر مجهولة نسبياً. وتعتبر دراسة هنتر اول دراسة ميدانية طويلة الاجل لهذه الفصيلة في غضون اكثر من 25 عاماً. ويقول هنتر ان : «قرود الجيلادا يتم التحدث عنها في اوساط علماء الرئيسات باعتبارها حيوانات اسطورية تقريباً. فهناك غموض يحيط بها لانها لم تشاهد منذ فترة طويلة وبسبب تنظيمها الاجتماعي المتمحور حول الانثى». وعلى غرار اقرب المقربين اليها، فان قرود الجيلادا تعيش في مجتمعات تربط الاناث فيها رابطة قوية بحيث تبدو الذكور وكأنها متطفلة على حدث اجتماعي لم تتم دعوتها اليه. وتنظم جماعة الجيلادا حول وحدات الاسرة، التي تضم ما بين انثيين وثماني اناث مرتبطة واولادها وذكر رئيسي، يسميه الباحثون ذكر العائلة. وفي حين ترتبط ذكور ثانوية بهذه الوحدة الاساسية، فان ذكر العائلة هو الوحيد الذي يتزاوج مع الاناث. وليس لاي ذكر، بما فيها ذكر العائلة، اي رأي في مجريات الحياة اليومية للعائلة. فهذا امر تقرره الاناث فقط، فهي التي تقرر اماكن الرعي واماكن النوم وتوقيت الانتقال من مكان لآخر. وهي التي تختار الذكر، ولا تبدي اي تحفظ او خجل إزاء مطالبها منه. ففي النهاية، هي الآمرة الناهية في كل شيء وبامكانها ان تعزل الذكر متى شاءت ذلك.