الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 في اعقاب هجمات سبتمبر العام الماضي، بدأت الحكومة اليمنية خطوات جادة لمواجهة تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة المناظرة الاخرى الناشطة في اليمن، وهي المبادرة التي لاقت تأييداً نشطاً من قبل الحكومة الاميركية. وجاء بيان وزارة الخارجية الفرنسية في العاشر من اكتوبر الماضي والذي افاد بأن الانفجار الذي حدث على متن ناقلة النفط الفرنسية «ليمبورغ» قبالة سواحل اليمن في السادس من الشهر نفسه جاء نتيجة «هجوم» متعمد على الناقلة اتى ليشير الى ان المعركة في اليمن لم يتم حسمها بعد. وربما يشير ذلك الهجوم ايضاً الى ان الجماعات المسلحة في اليمن تشعر بأنها مهددة وتعمل على تقويض دعائم الهجوم الذي تشنه عليها صنعاء. غير ان التعاون المشترك بين اليمن والولايات المتحدة يمثل اشكالية لاسيما في ضوء تناقص شعبية واشنطن في العالم العربي. فقرار اليمن بتأييد ودعم الحرب التي تشنها اميركا على الارهاب وهو القرار الذي جاء على الرغم من ان اليمن لم يكن لديها خيار آخر غير التأييد ـ ربما تسبب في تشجيع الجماعات المسلحة على مواجهة الحكومة. وقد توعدت تلك الجماعات، في واقع الامر، من خلال منشورات تم توزيعها في شوارع صنعاء عن طريق مؤيدي تنظيم القاعدة بشن هجمات على اهداف اميركية ويمنية. ومن اجل تفادي هذا التهديد الذي لايزال في مهده، تم ارسال مدربين تابعين للقوات الخاصة الاميركية الى اليمن خلال العام المنصرم من اجل تنفيذ ومواصلة برنامج تدريبي من شأنه مساعدة الحكومة اليمنية على تكوين وحدة مكافحة ارهاب. وصرح مسئول يمني لمصادر مطلعة بأن فريقاً من 20 الى 30 مدرباً من القوات الخاصة الاميركية يعملون حالياً في اليمن، ويقومون بتدريب جنود عن طريق دورات تدريبية تتراوح بين اسبوعين وثلاثة اسابيع قبل العودة الى القواعد الاميركية خارج البلاد. واضاف المسئول نفسه انه على الرغم من ذلك فليست هناك اي قوات اميركية مرابطة في اليمن، حيث لن يكون هناك قبول من قبل القبائل القوية باليمن لوجود اميركي دائم على الاراضي اليمنية. وفيما لم يتم الافصاح عن الطبيعة المحددة للتدريبات التي تقودها اميركا في اليمن، فإن مصادر دبلوماسية تقول انه حتى الآن تم تخريج من 150 الى 200 جندي من برنامج التدريب. ويعتقد ان الحكومة الاميركية قامت بانفاق حوالي 100 مليون دولار، لمساعدة حكومة صنعاء على مكافحة التطرف خلال العام الماضي. يقول ابو بكر القربي، وزير الخارجية اليمني: «اليمن شريكة في هذه الحرب، فنحن نقوم بدورنا لأننانعرف ان هناك عناصر من تنظيم القاعدة في اليمن، وقد قمنا بالقاء القبض على عدد كبير منهم.. وهناك بعض الخلاف حول العدد المحدد لمن تم القبض عليهم في هذا الاطار. ولكن بوجه عام قامت الحكومة اليمنية حتى الآن باعتقال 100 مشتبه في تورطهم اما في احداث سبتمبر او حتى تفجير المدمرة الاميركية «كول» في ميناء عدن في الثاني عشر من اكتوبر عام 2000. ويواجه بعض هؤلاء المعتقلين تهماً في اليمن، بينما يتم ترحيل اخرين الى بلدهم الام. ولم يتم للمشتبه فيهم الا قدر محدود من الدفاع عن النفس من خلال محامين، وبدأ البرلمان اليمني مؤخراً تحقيقات في ادعاءات بشأن اجبار المعتقلين على الادلاء باعترافات تحت طائلة التهديد. وتمثل حملة الاعتقال هذه نقلة في السياسة اليمنية لم تلق ترحيباً في اليمن فخلال فترة التسعينيات، مارس المتطرفون انشطتهم في اليمن من دون ادنى اعتبار لسلطة الحكومة. فقبل ترسيم الحدود بين اليمن والسعودية منذ عامين، كانت هناك منطقة متنازع عليها بين الدولتين يصل طولها الى حوالي 1600 كيلومتر وعرضها الى حوالي 40 كيلومتراً يستخدمها المسلحون في مزاولة انشطتهم من دون اي عقوبة تفرض عليهم. ويقول وليد السقاف، رئيس تحرير جريدة «يمن تايمز» اليومية، ان اعلان الرئيس الاميركي جورج بوش في اعقاب احداث سبتمبر والذي أكد فيه انه «من ليس معنا فهو مع الارهابيين». كان علامة فارقة غيرت عدداً كبيراً من الاتجاهات في المنطقة. ويضيف: احتاجت بلدان المنطقة ان تبدي دعماً للحرب ضد الارهاب وان تعمل في هذا النطاق. وكان جزء من العمل يتمثل في السعي الى تأمين حدود الدولة والتأكد من انه لا يوجد ارهابيون في المنطقة والعثور على اي شخص له علاقة بتنظيم القاعدة. وهذا ما فعلته اليمن». او على الاقل هذا ما تحاول اليمن فعله. يقول ادموند هال، السفير الاميركي لدى اليمن ان واشنطن تعتقد ان الحكومة اليمنية جادة في رغبتها لتخليص اليمنيين من تنظيم القاعدة. ويضيف: «اعتقد اننا لدينا دليل على جهود متزايدة تقوم بها الحكومة اليمنية لمواجهة هذا التهديد. وبالتأكيد فإن الولايات المتحدة تدعم اليمنيين لزيادة فعالية هذه الجهود». وتتعاون واشنطن كذلك مع صنعاء لاقامة وحدة لمراقبة السواحل من اجل دعم حملتها على الارهاب وقامت كذلك بنشر مئات من الافراد التابعين لقواتها الخاصة في جيبوتي من اجل توفير دعم اضافي في المنطقة، حسب قول السفير. ويتابع السفير: تلك القوات تزيد من قوام القدرات الاميركية في هذه المنطقة وتوفر لنامزايا يمكن ان نستخدمها في تلبية مطالب الحكومة اليمنية او اي حكومات اخرى». ويقول مسئول يمني كبير انه يعتقد ان هناك سفينة اميركية مرابطة قبالة السواحل لدفع قوات اميركية الى مدى يمكنها من مراقبة اتصالات المشتبه فيهم باليمن والمناطق القريبة. ويقول السفير هال انه لا توجد خطط لقيام القوات الاميركية بعمليات في اليمن. ويستطرد: اليمن ليس افغانستان. فليست هناك تلك المعسكرات المجهزة التي يستخدمها تنظيم القاعدة للتدريب كما هي الحال في افغانستان. فالمشكلة هنا لاتزال محدودة، واكثر وسائل المواجهة فعالية هي ان تقوم الحكومة اليمنية نفسها بمواجهة المشكلة». ويقول مصدر تابع للحكومة اليمنية ان صنعاء قامت ايضاً بالتعامل مع مشكلة التطرف عن طريق تحجيم المدارس الاسلامية واستبعاد الفقرات التي تدعو الى التشدد من المناهج الدراسية، وتغيير نبرة الكتابة والحديث من خلال وسائل الاعلام وتوجيه ائمة المساجد. وزادت الحكومة كذلك من مجهوداتها الهادفة الى تسجيل اسماء غير اليمنيين المقيمين بالدولة وقامت بترحيل عدد يتراوح بين 5 الى 6 آلاف من غير اليمنيين من البلاد منذ تفجير المدمرة الاميركية «كول». لكن مواجهة المسلحين المتشددين في اليمن تعتبر امراً صعباً على المستوى المحلي. فأغلبية الشعب اليمني لا يميل الى واشنطن وعدد كبير من اليمنيين يقدرون اسامة بن لادن. ففي فترةالثمانينيات من القرن الماضي، قام عدة آلاف من المجاهدين اليمنيين بالقتال ضد القوات السوفييتية في افغانستان. وهؤلاء المجاهدون هم الذين اتوا بالقاعدة الى اليمن عندما رجعوا، ولم تفعل الحكومة اليمنية شيئاً حيالهم. وتواجه السلطات اليمنية صعوبة في التعامل مع هذه المشكلة لأنها ليست في موقع يتيح لها السيطرة الكاملة على مختلف ارجاء اليمن. فالقبائل المحلية هناك تقاوم اي سلطة مركزية، على حد قول كريس ايدنز، مدير المعهد الاميركي للدراسات اليمنية في صنعاء، والذي يقول: انك تتعامل مع جماعات كانت دائماً ولاتزال بعيدة عن سيطرة الدولة اليمنية. والقبائل من مناطق مأرب وشبوه والجوف كلها تتحدى سيطرة الحكومة اليمنية، ولكنها مسلحة بمدفعية وصواريخ ارض ـ جو. ويقول ايدنز ان الحكومة اليمنية تريد الآن ان تحد من قوة تلك القبائل. ويضيف: «اعتقد ان الهدف بعيد المدى يتمثل في ايجاد وجود حقيقي للدولة ومؤسسات تابعة لها في هذه المناطق من اليمن. وربما تتوافق الحرب على الارهاب او اعمال تلك الحرب مع الهدف طويل الامد المتمثل في دعم سيطرة الدولة اليمنية على تلك المناطق. ترجمة: حاتم حسين _ عن «جينز دفنس ويكلي»