الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 بالنسبة لاصدقاء «إسرائيل» وانا اعد واحداً منهم ـ الذين تابعنا بذعر متنام السياسة المتبعة في الشهور التسعة عشر الاخيرة من قبل الحكومة الاسرائيلية التي يتولى رئاستها ارييل شارون شكلت نفحة امل بالنسبة لنا اخبار انتخاب عمرام ميتسناع رئيس بلدية حيفا الناجح زعيما لحزب العمل الذي سوف يتنافس مع قيادة تكتل الليكود الموجود في السلطة حالياً، في غمار الانتخابات المحددة في الثامن والعشرين من شهر يناير المقبل. الزعيم العمالي الجديد، غير الملوث بتحالف اصطنعته غالبية من حزبه مع حكومة شارون، يقترح في حال فوزه بالانتخاب الاستئناف الفوري لمفاوضات السلام مع الفلسطينيين وانسحاباً للقوات الاسرائيلية وتفكيك المستوطنات اليهودية في قطاع غزة والضفة الغربية والموافقة على تقسيم القدس واقامة الدولة الفلسطينية كمقابل للتعايش مع الغريم التقليدي. وعلى الرغم من ان بعض الاصوات، مثل شلومو بن عامي وزير الخارجية الاسرائيلي الاسبق كانت قد اعلنت موقفاً بهذا المعنى يعارض موقف حزبها نفسه فثمة انطباع موقف بأنه مع انتصار عمرام ميتسناع على بنيامين بن اليعازر يعود التعقل والبراغماتية ليسودا قيادة حزب العمل بعد عام ونصف العام من الخضوع الكامل تقريباً لهذا الحزب لسياسة متشددة وكارهة للأجانب ولموقف التدمير الذاتي الذي انقض به ارييل شارون على اسرائيل، منذ ان قام بنزهته التعسة والاستفزازية عبر ساحات المساجد التي اشعلت نيران الانتفاضة الجديدة. ويجب الا يثبط عزيمة احد ذلك النبأ الذي يفيد ان استطلاعات الرأي في هذه اللحظات تتنبأ بفوز سهل لليكود على العمل في انتخابات يناير المقبل. فما هو مؤكد حتى هذه اللحظة، هو ان الناخب الإسرائيلي لم يكن لديه خيار آخر، ذلك انه لم يقدم له وبسبب التنازل المؤسف لحزب العمل عن العرش سوى خيار وحيد تمثل بحرب مفتوحة ضد الفلسطينيين تقوم عليها سياسة شارون بكاملها فضلاً عن ان التبرير المقدم من قبل قيادات حزب العمل للانضمام إلى تحالف الحكومة ـ الذي مارس من الداخل تأثيراً مهدئاً ـ لم يعمل بالمطلق. وفي مقابل ذلك، فإن قادة حزب العمل بالتزامهم بوظيفة «كومبارس» صرفة في الحكومة المتطرفة، حطوا من قدر انفسهم، وتركوا الميدان مفتوحاً لتكتل الليكود بعد ان ازداد عنفاً وشدة وتعصباً ليعلن رفضه لاتفاقات السلام، المجسدة في «اوسلو» وليشن هجوماً عسكرياً وحشياً وغير متكافيء ويأتي بعكس المراد ضد الشعب الفلسطيني من دون استثناءات وتدرجات لونية، كما لو كان كله مسئولاً عن العمليات التي ملأت المدن الاسرائيلية بالرعب والمعاناة. ويجب تذكر ان عمليات المنظمات الفلسطينية المتشددة قد بلغت حداً جرى معه الايقاع بمدنيين عزل في المحال التجارية والمقاهي والنوادي الليلية والحافلات مما زرع الهلع والخوف في كل الامكنة والبيوت الاسرائيلية وسبب سخطاً مبرراً لمجتمع يحس بأنه مخترق ومعرض للقتل بدون سابق انذار. لكن في الوقت الذي تجب فيه ادانة هذه الهجمات التي لا يمكن تبريرها فإن من الضرورة بمكان التساؤل أيضاً عما اذا كانت هذه العمليات لم تأت كنتيجة حتمية لسياسة مثل تلك التي تتبعها حكومة شارون الذي اغلق منذ البدء جميع بوابات التفاوض ويعاقب المجتمع المدني الفلسطيني بضراوة ووحشية حقيقيتين بعد كل اعتداء كما لو كان كله مسئولاً بشكل جماعي عن اعمال العنف ما هو الرد الآخر الممكن انتظاره من الفلسطينيين امام سياسة تجعلهم جميعاً بشكل تضامني مسئولين عن سقوط القتلى الاسرائيليين ويقصف منازلهم ويحتل مدنهم ويبعد جيرانهم ويمارس القتل الانتقائي؟ ليس امام هذه السياسة اي امكانية للانتصار، لأنها على الرغم من كل جبروت الجيش الاسرائيلي، لن تتمكن ابداً من ضرب الفلسطينيين حتى يفرض عليهم المعادلة احادية الجانب التي صاغها شارون نفسه حول ما يجب ان تكون عليه اتفاقات السلام. هذه السياسة ليس في وسعها سوى تأجيج الحقد المتبادل والابقاء على المذبحة الفظيعة اللامحدودة للفلسطينيين والإسرائيليين. من الممكن للناخب الاسرائيلي الذي دعم بحزم رابين وبيريز عندما امتلكا شجاعة توقيع اتفاقات السلام من الممكن لهذا الناخب، بعد ان اصبح لديه خيار الآن، ان يتراجع عن دعم سياسة متشددة وعنيفة لم تقدم البتة لا الأمن ولا السلام، وانما زادت من حدة التوتر بين المجتمعين إلى حد قطع كل اشكال الحوار بينهما، في الوقت نفسه يتضاعف الإرهاب وتجد «اسرائيل» نفسها كنتيجة طبيعية للشعور بعدم الامان والحرب، خاضعة لأزمة اجتماعية واقتصادية ذات عواقب وخيمة على مستقبل اسرائيل. ففي غمار هذه الاحداث، ليس مستحيلاً ان يصغي ناخبون اسرائيليون كثر الى نداء الاعتدال والواقعية الذي اوصل ميتسناع إلى قيادة الحزب، متقدماً بست عشرة نقطة على منافسه بنيامين بن اليعازر، الذي كان وزير دفاع آرييل شارون لا اكثر ولا اقل. من وجهة نظري فإن عودة حزب العمل إلى السلطة تمثل الضوء الوحيد في نهاية ذلك النفق الذي وضع الليكود إسرائيل فيه منذ تسعة عشر شهراً. وبديل شارون داخل الليكود نفسه، رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو، هو أكثر تشدداً وجنوناً، وهو متعطش لاستعادة السلطة ويعد منذ البدء بأن أول ما ستقوم به حكومته المحتملة هو خطف عرفات وطرده من فلسطين. لماذا ليس قتله ببساطة؟ ليست لدى ميتسناع تجربة برلمانية وهو لم يشغل مناصب في الحكومة الاسرائيلية لكن هذه النقاط لن تضر به في ظل ما يحدث في الاوساط العليا للسلطة في إسرائيل. وانما بالاحرى ستكون لصالحه. وبوسعها ان توقظ لدى الجانب الفلسطيني استعداداً أفضل للحوار والتفاهم معه. لقد كان ميتسناع عمدة رائعاً لحيفا خلال تسع سنوات، وعرف كيف يكسب، في هذه المدينة حيث يوجد مجتمع عربي ـ إسرائيلي رحب، ليس ود وتعاطف اليهود المهاجرين والمتدينين فحسب، بل أصوات الفلسطينيين أيضاً. وهذه بدون شك رسالة تقديم ناجحة لمن يتطلعون إلى ان تعيش إسرائيل يوماً ما في سلام مع جيرانها الحتميين.كما يجب ان يكون ضمانة للإسرائيليين التواقين لبلوغ الأمن الهارب دوماً، كون الزعيم الجديد لحزب العمل كان احد الضباط الاسرائيليين الذي قلدوا اوسمة كثيرة عن اعمال حربية قاموا بها في عام 1967، عندما كان يقود وحدة مدفعية، جرح ثلاث مرات في المعركة ذاتها. واطلق لحيته منذ ذلك الوقت وتعهد امام مجموعة من رفاق السلاح بألا يعود لحلاقتها حتى توطد إسرائيل سلاماً نهائياً مع العرب. وإلى ان يأتي ذلك اليوم، ستعيش إسرائيل على شفير الهاوية وعلامة استفهام جنائزية تحوم حول مستقبلها. لا يهم كون جيشها هو أحد الجيوش الاكثر قوة وفعالية، ولا ان علاقتها الوثيقة مع الولايات المتحدة تضمن لها بنية تحتية لوجستية فائقة ودعماً اقتصادياً عظيماً. فليست البنادق ولا الدولارات هي التي افضت إلى ما قام به الرواد الصهاينة، وهو ما يختلف عن العمى القومي والجمود العقائدي اللذين يجسدهما سياسيون مثل ارييل شارون وبنيامين نتانياهو، وعلى الطرف الآخر، تنتشر عبر العالم فكرة القوة المستعمرة التي تطيل عمر التقليد الامبراطوري القديم للغرب في ايامنا هذه. الفكرة الأخيرة ليست صحيحة على الأقل ليست كذلك بعد. وكي لا تكون كذلك مستقبلاً، لابد ان تدنو ساعة ارييل شارون دفعة واحدة، ويبدأ مسار عمرام ميتسناع في اقرب وقت ممكن. بقلم: ماريو فارجاس لوسا _ ترجمة: باسل أبو حمدة _ عن «البايس» اسبانيا