الاحد 26 رمضان 1423 هـ الموافق 1 ديسمبر 2002 في وقت مكبر من نشوء جهاز المخابرات الاسرائيلية الموساد وأجهزة المخابرات العربية في مصر وسوريا والأردن والعراق طرح سؤال ألح على الكثيرين معرفة جوابه: من الأذكى؟ المخابرات العربية.. أم المخابرات الاسرائيلية؟ وقبل ان نساعد القارئ في الوصول إلى النتيجة الصحيحة بنفسه نلفت انتباهه إلى ان المخابرات الاميركية والبريطانية تساعدان الموساد بشكل أساسي في كل صغيرة وكبيرة وتزودان ان هذا الجهاز بكل تفاصيل الانشطة العسكرية والاقتصادية والسياسية في دول المنطقة بعكس المخابرات العربية التي تعتمد على ذاتها وربما بعض المساعدة المتبادلة بينها وبين بعضها. حاول الموساد كثيرا اختراق الجبهات العربية، نجح احياناً وفشل كثيرا. وحاولت اجهزة المخابرات العربية اختراق تل أبيب ونجحت أحياناً وربما فشلت كثيراً.. ولكن في المقابل فإن كل عميل تكشفه المخابرات العربية لاسرائيل داخل الأراضي العربية هو نصر للمخابرات العربية وهزيمة للموساد والعكس صحيح. لذا فإن قضية الجاسوس ليفي مزراحي كانت من القضايا المهمة التي شغلت الرأي العام العربي مدة طويلة وكانت احداثها السبب الرئيسي لطرح السؤال السابق.. من الاذكى المخابرات الاسرائيلية بكل ما تحصل عليه من مساعدات أم المخابرات العربية التي ربما لم يساعدها أحد إلا الاتحاد السوفييتي وفي حدود معينة وليس بشكل مطلق كما هو الحال بالنسبة لاسرائيل وأميركا؟ والغريب في قضية ليفي مزراحي ان اليهود وهم صنيعة الغرب وأميركا إلا انهم أي الغرب عموماً وأميركا لم يسلموا من خيانة اليهود، وقد بدأت هذه الخيانة منذ وقت بعيد وبعد ظهور هذه الدولة علنا وتحولها من مجرد عصابات وقاطعي طريق إلى دولة مؤسسية بالشكل الذي نراها عليه الآن. كانت القاهرة منذ قيام «اسرائيل» في فلسطين المحتلة هي الهم الأكبر لاسرائيل والشغل الشاغل لها وهي المنطقة الغامضة والصعبة وخاصة مخابراتها لذا كانت دائماً تبحث في دفاترها القديمة عن اليهود الذين غادروا مصر لاعادتهم مرة أخرى وزراعتهم في المجتمع الذي لفظهم من قبل. ليفي مزراحي لم يكن ليفي الذي اختارته الموساد للعودة إلى مصر غريباً عنها، فهو من مواليد الاسكندرية وتحديداً في 26 فبراير 1924 كان أبوه شاؤول من يهود العراق الذين هاجروا إلى الاسكندرية بعد ان بدأت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وعندما وصل إلى الاسكندرية استطاع ان يجد عملاً بمصنع لأربطة العنق وبعد فترة استطاع ان ينشئ لنفسه ورشة صغيرة درت عليه ربحاً معقولاً وتعرف خلال هذه الفترة على يهودية اسمها سونا وسرعان ما تزوجها وانجب منها ابنة اسماها أوديت ثم جاء بعدها ليفي. لم يكن ليفي في طفولته صبياً عادياً، كان طفلاً كتوماً خبيثاً يعشق صور السيارات ويعرف جميع أنواعها كما كان يهوى صور الطائرات ويستطيع التمييز بين أنواعها المختلفة وعندما وصل ليفي إلى سن الثالثة عشرة كان والده شاؤول يصر على اصطحابه معه الى المعبد اليهودي في الوقت الذي كان قد التحق فيه بالمدرسة الفرنسية وظل يمارس هوايته في جمع صور الطائرات والأسلحة وتصنيفها. نجح ليفي شاؤول في امتحاناته الثانوية عام 1946 وقرر والده ان يلحقه بكلية الهندسة بجامعة فاروق الأول بالاسكندرية ومن الغريب ان الكلية كلها لم تكن تضم سوى طالبين يهوديين فقط هو وطالب آخر اسمه مراد سيماخ وعندما حان وقت الخدمة الالزامية تقدم للالتحاق بالجيش إلا ان الحكومة رفضت الحاقه بالجيش، حيث كان من المعروف في عهد الملك فاروق ان اليهود لا يدخلون الجيش المصري ولكن عليهم ان يدفعوا بدلاً عن دخولهم الجيش ولكنه لم يدفع وقرر ان يدخل الجيش.. كان يهودياً أصيلاً!! الهجرة إلى فلسطين في مايو 1948 عرف العالم كله ان «اسرائيل» أصبحت دولة بعد أن أعلن بن جوريون قيامها في هذا الوقت تطبيقاً أو تنفيذاً لوعد بلفور، ولذا فقد قرر أبوه شاؤول الهجرة إلى فلسطين وحمل أولاده وزوجته معه وهاجر إلى «اسرائيل» بينما رفض ليفي الهجرة معهم ليكمل تعليمه بهندسة الاسكندرية حيث عاش وحيداً. الثورة في مساء يوم 23 يوليو استطاع ضباط الجيش المصري بقيادة اللواء محمد نجيب والمقدم جمال عبدالناصر وزملائهما من القيام بثورة لتصحيح الاوضاع في مصر، وبعدها بفترة بسيطة خرج الملك فاروق ببدلته العسكرية من ميناء الاسكندرية منفياً إلى أوروبا، بينا كان ليفي على رصيف الميناء قريباً من الملك المخلوع يتابع مع آخرين عملية خروجه من مصر.. وعندما عاد إلى بيته وجد ضباط الثورة الجدد يقبضون عليه هو وبقية اليهود ويواجهه المحققون بتهم القيام بأنشطة صهيونية في مصر. صرخ ليفي وأقسم انه مواطن مصري مخلص لبلاده وانه لا علاقة له باليهود المتطرفين في مصر.. وبعد احتجازه لعدة أيام خرج من السجن لعدم وجود أدلة ضده. عاد ليفي إلى الجامعة بعد ان عرف جميع الطلاب انه احتجز لأنه يهودي صهيوني وان التهمة التي كانت موجهة له هي القيام بأنشطة لصالح الصهيونية ضد مصر.. وهو ما جعل الطلاب يتجنبونه ويبتعدون عنه باعتباره احد مثيري الشغب في الجامعة وخارجها. ورغم ذلك بدأ يستعد لدخول الامتحانات النهائية بالجامعة إلا انه فوجئ قبل ايام قليلة بأن نتيجة امتحاناته التمهيدية لن تؤهله لدخول الامتحان النهائي فوقف وسط الكلية يصرخ متهماً أساتذته بالتمييز الديني وانهم عاملوه بهذه الطريقة لكونه يهودياً وكان صراخه هذا ذريعة لبقية زملائه كي يضطهدوه ويتحاشوه ويتحرشوا به إذا لزم الامر إلى ان ضربه أحد الطلاب فقرر الخروج من الجامعة نهائياً. وكالة الهجرة اليهودية خرج ليفي من الجامعة حانقاً وحاقداً على مصر والمصريين جميعهم لكن طبيعته الماكرة جعلته يخفي حقده على كل مصر وشعبها وأرضها وبدأ ينفصل نفسياً عن مصر بعد ان كان يدعي انه مصري وان ولاءه لمصر يفوق أي ولاء. كانت خطوته التالية هي الخطوة الأولى على طريق يهوديته الصريحة فعندما بدأ رجال الثورة يوطدون حكمهم كان اليهود هم اكثر الخائفين في مصر من الحكام الجدد لذا نشأت وكالات سرية لهجرة اليهود إلى فلسطين من مصر ولعب ليفي دوراً مهماً في هذه الوكالات واستطاع بذكائه ودهائه وتنازلاته ان ينتمي لاحدى هذه الوكالات وحول منزله إلى ماخور لضباط الشرطة ومفتشي الجمارك والموظفين الكبار، حيث حوّل البيت إلى نادٍ ليلي تلتقي فيه كل أنواع اللهو والمجون حتى يتمكن من تسهيل خروج غير شرعي لكثير من اليهود الذين بدأوا في حمى السفر من مصر خوفاً من العسكري الذي بدأ ينتبه لوجودهم ويعمل دائماً على مضايقتهم! كان ليفي من الجرأة والذكاء بدرجة جعلته يقيم علاقات وطيدة مع قناصل المانيا وفرنسا وايطاليا وبريطانيا وبذلك استطاع ان يعمل على هجرة الكثير من اليهود إلى فلسطين المحتلة. الفضيحة قد يكون الكثيرون منا قد سمعوا عن فضيحة لافون وهي باختصار كانت عملية دبرها الموساد لافساد العلاقة بين مصر واميركا مع بداية استلام جمال عبدالناصر للسلطة في مصر.. ولافون الذي سميت هذه العملية باسمه هو بن حاس وزير الدفاع الاسرائيلي في ذلك الوقت الذي اقر خطة لجهاز مخابراته ومعه موشى ديان وكان رئيس أركان الجيش في ذلك الوقت للقيام بعمليات تخريبية في المنشآت والمواقع التي تحمل طابعاً اميركياً والايحاء للقادة الجدد بأن من قام بهذه العمليات هم الشيوعيون والاخوان المسلمون والمتشددون في الاحزاب المصرية التي كانت في أوج نشاطها في ذلك الوقت. كان للموساد في هذا الوقت شبكة تجسس يهودية كاملة يرأسها شخص اسمه د. فيكتور سعادة وكان اكبر معاونيه يهودي تونسي اسمه الدكتور موييز مرزوق ومعهما اشخاص آخرون منهم ايلي يعقوب نعيم وكان هذا الرجل موظفاً بشركة تعمل في الاسكندرية وقيصر جوزيف الذي كان موظفاً ببنك اسمه بنك زاخاوماييو صموئيل ميواس دماتير جوزيف زغفران وفيكتور موييز وكان هذا الاخير رئيس شبكة التجسس اليهودية في الاسكندرية وفيليب هرمان ناتان وروبرت نسيم داسا وصموئيل عازار وكان صموئيل صديقاً حميماً لليفي. كل هؤلاء اليهود كانوا في مجموعهم شبكة جاسوسية تم تقسيمها إلى قسمين، قسم يعمل في الاسكندرية وقسم يعمل في القاهرة، وجميعهم تم تسفيرهم في وقت سابق عبر فرنسا إلى «اسرائيل»، حيث تلقوا دورات تجسسية تدريبية وعادوا بنفس الطريقة قبيل قيام الثورة بوقت قصير وبقوا في القاهرة والاسكندرية ينتظرون أوامر الموساد من تل أبيب وعندما وافق بن حاس على الخطة وأقرها موشي ديان صدرت الاوامر التي حملت الرقم 131 إلى الدكتور فيكتور سعادة للتنفيذ. ولكن ما الذي كان مطلوباً من هاتين المجموعتين؟ كان مطلوباً منهم وضع ثلاث قنابل في مركز لتوزيع البريد في قصر الخديوي اسماعيل بالاسكندرية ونجحت هذه المهمة وأصيب بعض المصريين بجروح خطيرة بعد انفجار هذه القنابل التي كانت بدائية نوعاً ما. ثم قامت مجموعة القاهرة بوضع قنبلة موقوتة في المكتبة العامة بميدان التحرير بوسط القاهرة، ولكن لحسن الحظ لم يكن هناك أحد فجاءت الخسائر في الأثاث وبعض الكتب.. كما كلفت المجموعة بوضع قنبلة موقوتة في مخزن الامتعة بمحطة سكك الحديد بالقاهرة، وأيضاً لم تحدث سوى بعض الاضرار المادية الطفيفة ومن ضمن الاوامر وضع متفجرات في مكتبة مكتب المعلومات الاميركي بميدان الرمل بالاسكندرية وجاءت الخسائر مادية بسيطة أيضاً وتم اكتشاف قنبلة موقوتة في دار سينما ريفولي بالقاهرة وأبطل مفعولها قبل انفجارها كما أبطل مفعول قنبلة اخرى تم اكتشافها في دار سينما ريو بالاسكندرية بينما تم اطفاء حريق اشتعل نتيجة انفجار في دار سينما الليدو بالاسكندرية بينما انفجرت قنبلة أخرى في دار سينما القاهرة بالاسكندرية ولكن بعد خروج المشاهدين. كل هذه الاحداث قلبت الاوضاع رأساً على عقب لدى الثوار الجدد في مصر لذا سارعت الثورة بتكليف ضباط الأمن العام وبقية الاجهزة الامنية بضرورة سرعة كشف من وراء هذه الأعمال التخريبية وجاءت النهاية بالصدفة وذلك عندما دخل فيليب ناتان أحد أفراد شبكة التخريب إلى السينما ليقضي بعض الوقت قبل ان يضع القنبلة الموقوتة في المكان المحدد له و أخذ يتابع فيلم انتصار الشباب للفنان فريد الاطرش في السينما، ولم يكن يعلم ان زميلاً له في الشبكة وضع قنبلة حارقة بالقرب منه في دار السينما نفسها، وهو ما يثبت غباء ورعونة تخطيط عملاء الموساد دائماً، وانفجرت القنبلة الحارقة التي كانت قريبة جداً من فيليب الذي لا يزال يحمل قنبلة يدوية موقوتة في جيبه وامتدت النيران التي أحدثتها قنبلة زميله إليه وأشعلت معطفه فخرج مذعوراً بسرعة من السينما وهو يصخر خوفاً من ان تمتد النيران إلى القنبلة التي بحوزته فتفجره، فأسرع إليه ضابط شرطة مصري وكان النقيب حسن زكي المنادي وحاول انقاذه من النار المشتعلة في معطفه فألقاه أرضاً لاطفاء معطفه المحترق فوقعت القنبلة الموقوتة من جيبه وانتشر بارودها على الأرض وعندها اطلق ساقيه للريح ولكن النقيب المنادي استطاع اللحاق به والقبض عليه. أحيل إلى النيابة التي أمرت بتفتيش منزله حيث عثرت الشرطة في منزله على كمية من المتفجرات التي تشابه ما كانت معه كما وجدت تعليمات وخطوات بكيفية تصنيع القنابل اليدوية. وأمام ضباط المخابرات العامة أنكر ناتان أمام المحققين أي صلة له بعمليات التفجير ولكن بمواجهته بما عثر عليه في منزله جعله ينهار ويعترف فتم القبض على كل المجموعة التخريبية وزعمائها في القاهرة والاسكندرية .. وأطلق على هذه العملية عملية سوزانا أي التخريب ولكنها اشتهرت عالمياً باسم فضيحة لافون نسبة إلى وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك بنماس لافون.. وبعد محاكمة مستفيضة اصدرت المحكمة العسكرية احكامها في هذه القضية بالاعدام شنقاً على الدكتور موييز مرزوق وعلي صموئيل عازار ونفذ ذلك في يوم 31 ديسمبر من عام 1955 وحكم على فيكتور موييز وعلى فليب ناتان بالسجن مدى الحياة والسجن 15 سنة لكل من روبرت نسيم داسا وفيكتور بن نينو، و7 سنوات لمائير جوزيف زعفران، ومائير صموئيل ميواس بينما برأت المحكمة كلاً من ايلي يعقوب وقيصر جوزيف وصدق الرئيس جمال عبدالناصر على الاحكام فور صدورها.. صدى الفضيحة كانت فضيحة لافون ذات تأثير سياسي كبير على حزب الماباي الذي تراجع في مقابل صعود أحزاب اخرى بسبب هذه الفضيحة وشنت الصحف الاسرائيلية هجوماً حاداً على الحكومة الاسرائيلية التي تخلت عن جواسيسها في القاهرة وهو أمر لا يحدث مطلقاً من المخابرات العامة المصرية التي تظل تعمل في دأب على انقاذ عملائها حين ضبطهم وقالت ان الذي دفع الثمن غالياً الاثنان اللذان اعدما وطبعاً كانوا يقصدون الدكتور مرزوق وصموئيل عازار وهاجموا ناتان الذي انهار بسرعة واعترف امام المحققين المصريين وكان ناتان وقت أن وقعت هذه الاحداث في التاسعة عشرة من عمره.. أسفرت هذه الفضيحة عن سقوط ليفينسكي جيبلي رئيس المخابرات العسكرية بسبب هذه الفضيحة ليتولى بدلاً منه الجنرال يوهو شافات هاركاري رئاسة المخابرات العسكرية.. لكن كيف افلت بطل حلقتنا هذه ليفي شاؤول مزراحي من هذه المقصلة؟ قبيل بدء العملية اتصل صموئيل عازار الصديق الحميم لليفي والذي اعدم في هذه العملية بليفي وطلب منه ان ينضم معه إلى شبكة التخريب التي يقودها الموساد للوقيعة كما قلنا بين ضباط الثورة الجدد وأميركا وبريطانيا، ورغم ان ليفي الخبيث كان منضماً بالفعل إلى الموساد ويعمل بسرية في تهجير اليهود بشكل غير شرعي من مصر إلى «اسرائيل» وعلى صلة مستمرة بزعماء الموساد في تل أبيب إلا انه اعتذر لصديقه الحميم مدعياً انه طالب جامعي ولا يمكنه بأي حال من الاحوال القيام بمثل هذه العمليات خاصة وانه معروف وسبق التحقيق معه ومضطهد أيضاً من زملائه الطلاب. لم يشأ اليهودي الماكر ان يصرح حتى لأقرب اصدقائه انه يعمل مع الصهاينة منذ وقت طويل، ولذا فقد غضب منه صديقه صموئيل عازار ونقل رفضه إلى الدكتور موسى الذي اتهمه بالجبن ورفضوا دعوته في أي نشاط للمجموعة، وبالطبع كانت هذه النقطة في صالحه عندما شملت التحقيقات بعد عملية «سوزانا» كل اليهود من طلبة الجامعة وغيرها وأفرج عنه النائب العسكري من بين 150 يهودياً من يهود القاهرة والاسكندرية الذين شملهم التحقيق أما المشكلة التي واجهته في التحقيق قبل الافراج عنه هو ان صديقه عازار عندما سئل عن أقرب أصدقائه في الاسكندرية قال للمحقق ليفي مزراحي. استدعت النيابة ليفي لمواجهة صموئيل عازار الذي ورطه بذكر اسمه وما ان رآه ليفي حتى شتمه بأقبح الشتائم وأفلت من يدي الحراس واندفع نحو صموئيل محاولاً الاعتداء عليه وأقسم انه لم يشارك هذا القذر في أي من عملياته القذرة. وأمام السباب والاتهامات وتبادل الهجوم بين الاثنين قرر النائب العام الافراج عن ليفي بينما بقي عازار إلى ان لقي مصيره. خرج ليفي من المحكمة ليقول لمن كانوا معه انه ولد من جديد، وقال اعرف انني منذ الآن سأكون تحت المراقبة وبالفعال خضع ليفي لمراقبة اجهزة الامن فتوقف عن نشاطه في وكالة الهجرة تماماً ولكنه بعد سنة من الحكم على أعضاء شبكة التخريب عاد إلى العمل بجدية في وكالة الهجرة عقب انتهاء حرب 1956 وخروج مصر منها منتصرة اعلامياً ومعنوياً وربما عسكرياً .. ولذا فقد عاودت السلطات الامنية في مصر من جديد في ملاحقة اليهود وتم اعتقاله للمرة الثانية في 5 نوفمبر من عام 1956 وسئل في هذا التحقيق عن نشاطه المعادي لمصر لكنه نفى رغم انه عمل بجدية في وكالة الهجرة بعد حرب 1956 وقبل ان يفرج وكيل النائب العام عنه مرة أخرى قال له: هذه المرة ستغادر مصر يا ليفي. كيف؟ ـ سوف نرسل لك أوراقاً تفيد طلبك مغادرة مصر. ـ اسقط فريدي ليفي وعرف انها نهايته في مصر الخروج لم يكن ليفي راغباً ابداً في مغادرة مصر ولكن رسالة مسجلة وصلت له ذات يوم تطلب منه مراجعة ادارة الامن العام في الاسكندرية وعندما ذهب في الموعد قابله الرائد محمد شعبان رئيس دائرة الجوازات، قال له: انت غير مرغوب بك في مصر.. عليك ان تغادر فوراً. صعق ليفي.. وقال للرائد: انا لا أريد أن اترك مصر! فقال له: ولكن هذه التعليمات العليا.. ـ إذن امهلني ولو شهرين حتى أتمكن من تصفية احوالي هنا في مصر التي لن أعود إليها أبداً. طلب منه الرائد شعبان ان يكتب رسالة بهذا المعنى. وأحيل طلبه إلى الادارة العامة للأمن القومي في القاهرة وبعد عشرين يوماً استدعى مرة أخرى لادارة الأمن العام وهناك قال له الرائد.. ان طلبه ووفق عليه وتقرر تأجيل ترحيله عشرين يوماً.. فرح ليفي ولكن الضابط أردف قائلاً: ان العشرين يوماً التي تم تأجيلها لك بدأت من يوم تقديمك الطلب.. لذا عليك ان تغادر مصر اليوم.. غطى ليفي وجهه بكفي يديه كاد ان يبكي ولكن الشرطي الذي كلف بمرافقته حتى منزله لم يتركه حتى جمع أشياءه في حقيبة وباع أثاث منزله وعاد مع الشرطي إلى قسم الشرطة ومنه إلى ميناء الاسكندرية وفي الميناء ختم ضابط الجوازات على جواز سفره المصري بعبارة «غير صالح للعودة إلى مصر..». وركب ليفي ومعه 900 يهودي آخرين الباخرة نصر التي أبحرت بهم إلى ميناء نابولي حيث كان في استقبالهم على رصيف ميناء نابولي مندوب من الوكالة اليهودية حيث قاد الجميع إلى فنادق رخيصة في نابولي وبعد ثلاثة أيام استقل الجميع قطاراً إلى جنوة ومن جنوة ركبوا الباخرة فيليب إلى «اسرائيل» التي وصلها ليفي في 21 مارس عام 1957 لتبدأ مرحلة أخرى في حياته يكون هو والمخابرات المصرية أبطالها.