السبت 25 رمضان 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر 2002 الآن وقد استكمل الحزب الشيوعي الصيني انتقال قيادته بهدوء، تتجه انظار العالم إلى زعيم الحزب الجديد هو جنتاو لمراقبة كيف سيبحر بدولته الاشتراكية ذات الحزب الواحد والـ 1.3 مليار نسمة في مياه العولمة الغادرة، ومن الصعب الآن التنبؤ بالمسار المستقبلي للزعيم الجديد التكنوقراطي البالغ من العمر 59 عاماً، إذ لا يُعرف سوى النذر القليل عن مهاراته السياسية ومعتقداته على الرغم من كل التهليل الاعلامي الذي رافق صعوده إلى السلطة. جنتاو الذي يعد بطل الجيل الرابع من الحكام الصينيين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، خلف جيانغ زيمين في الامانة العامة للحزب في جلسة مكتملة الاعضاء للجنة المركزية عقب المؤتمر الحزبي السادس عشر، ويتوقع لجنتاو الذي يشغل الآن منصب نائب رئيس الدولة ان يخلف جيانغ في منصب الرئاسة أيضاً في مؤتمر الشعب الوطني في شهر مارس المقبل. احدى المشكلات التي تواجه جنتاو هي ان قاعدة نفوذه في الحزب لا تزال ضعيفة نسبياً، فقد احتفظ جيانغ على الرغم من تقاعده رسمياً ـ بلقبه كرئيس للجنة العسكرية المركزية، كما ان جيانغ وضع أنصاره في لجنة المكتب السياسي للحزب الدائمة والقوية، ضامناً بذلك لنفسه ان يؤدي دوراً رفيعاً من وراء الكواليس، لذلك فمن المرجح في الفترة الراهنة على الأقل، ان جنتاو سيكون مجبراً على اتباع المسار نفسه الذي وضعه سلفه. ان مجموعات المصالح المكتسبة داخل وخارج الحزب تتوقع من جنتاو بوصفه رئيساً للحزب الشيوعي الصيني ان يبقى على دكتاتورية الحزب الواحد، ولأجل ذلك اتخذ المؤتمر الحزبي قرارين مهمين، أحدهما يقتضي تضمين الايديولوجية الرأسمالية في دستور الحزب، أي مذهب «التمثيل الثلاثي» الذي يقبل برجال الأعمال الخاصين إلى جانب العمال والمزارعين كأعضاء في الحزب، هذه النظرية التي اقترحها أصلاً جيانغ معدة لتطوير الحزب الشيوعي الصيني إلى «حزب وطني» يمثل شرائح المجتمع الصيني العريضة ويضمن بذلك «الانسجام» بين ما تسميه بكين «اقتصاد السوق الاشتراكي» ونظام الحكم ذي الحزب الواحد. وبحسب تحليل مؤلف أفضل الكتب الصينية المحظورة مبيعاً وهو «كتاب يصف المشكلات في الصين الحديثة» فإن الفترة الحالية تشهد بزوغ تحالف بين القوى الحاكمة المؤلفة من النخبة السياسية التقليدية وطبقة رجال الاعمال الناشئة، وهذا التحالف يشبه إلى حد ما مجموعة نخبة التكنوقراطيين التي حكمت الاتحاد السوفييتي في عهد الرئيس ليونيد بريجنيف. وبموجب القرار الثاني المهم، أعادت اللجنة المركزية للحزب التأكيد على سياسة النمو الاقتصادي العالي الخاصة بها، وهي سياسة بزغت جذورها خلال فترة حكم جيانغ التي استمرت 13 عاما، ويقول أكاديمي روسي تابع انهيار الحزب الشيوعي السوفييتي بشكل مباشر ان «النمو الاقتصادي السريع هو الضمان الوحيد لبقاء الحزب الشيوعي الصيني» مشيرا إلى ان الاقتصاد الصيني النامي بوتيرة سريعة هو الصمغ الذي يربط النخبة السياسية بنخبة المال والاعمال، وان غالبية الشعب الصيني سوف تواصل تأييدها للحزب الشيوعي الصيني طالما استمرت الفطيرة الاقتصادية بالتوسع. ويدعو تقرير تبناه المؤتمر السري للحزب بمضاعفة الناتج المحلي الاجمالي أربعة مرّات بحلول عام 2020، وهو انجاز سيحدث نقلة نوعية في حياة الشعب الصيني بأكمله، ويقدر معهد الدراسات الصيني الذي قدم الأساس التحليلي للتقرير بأن الناتج المحلي الاجمالي للصين سوف يتجاوز ناتج اليابان بحلول عام 2030 وسوف يعادل ناتج اميركا بحلول منتصف القرن. لكن من أجل تحقيق نمو مستديم يجب على الصين معالجة كم هائل ومرعب من المشكلات، مثل التردي البيئي، ونضوب مصادر الطاقة والفساد المستشري والانفجار السكاني ولمواجهة تلك المشكلات وغيرها، سيتعين على جنتاو استحداث برامج اصلاح خاصة به، تتضمن ادخال تغييرات ديمقراطية على النظام السياسي. ولذلك عليه ان يقوي ويوازن قاعدة نفوذه بأسرع ما يمكن، والسؤال المطروح الآن هو كيف سيدير جنتاو اللجنة الدائمة الموسعة، علماً بأن معظم أعضائها التسعة هم من أنصار جيانغ؟ ويعتبر زينغ كنيغهونغ، الذراع اليمنى لجيانغ، المنافس الرئيسي لجنتاو. وسيتعين على جنتاو أيضاً معالجة الشكاوى المتزايدة من قبل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم «الخاسرين» في اللعبة الاقتصادية، وهم ملايين من صغار العمال والمزارعين في المشاريع المتلعثمة المملوكة للدولة،، لا شك ان الفشل في معالجة مظالم هؤلاء والفجوة المتسعة بين الاغنياء والفقراء سوف تفاقم التزعزع الاجتماعي. ان التحدي الاساسي الذي يواجه حاكم الصين الجديد هو ترسيخ نفوذه عن طريق اشراك شخصيات في رموز «الطريق الوسط» في القيادة إلى جانب التعامل بمرونة مع الوضع المتغير في الوطن وفي الخارج، وعندما كان جنتاو الشخص رقم 2 بعد جيانغ، بنى مسيرته السياسية الناجحة بوصفه شخصاً موهوباً لكن حذراً، لكن الآن وقد بلغ ذروة هرم السلطة، عليه ان يغير نفسه وبلده جوهراً وقالباً. ترجمة: علي محمد