الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 في رواية «مصائر الحرب» للكاتبة أوليفيا مايننغ، تقوم بطلة الرواية هاريت برينجل برحلة في اواخر عام 1942 من الاسكندرية إلى دمشق على متن شاحنة نقل ذخيرة تسلك طريقاً وعرة عبر منطقة يترقب سكانها مصيرهم، وينتظرون نهاية صراع يبدو واضحاً ان النصر فيه سيكون من نصيب الحلفاء ـ بمزيج من الانفعال والذعر. المصريون يناقشون مختلف انواع «الأفكار الضبابية»، في حين تصادف هاريت في سوريا «عوالم متقدمة»، بحسب تعبير صديقها العربي. وفي احدى حفلات السمر، تلاحظ هاريت بعناية مدى سرور مضيفها بأن المسلمين واليهود والمسيحيين يختلطون فيما بينهم بخجل لكن بكبرياء، وهم يناقشون المستقبل سوياً. ويتبدد سكون كل ليلة بدوي نيران البنادق والمسدسات، مع خروج المتظاهرين ضد الفرنسيين إلى الشوارع.التعاطف المتردد وغياب الفهم المتبادل بميزان علاقة هاريت الحذرة بالشاب العربي المسيحي الذي يصطحبها في جولات لتعريفها على العاصمة السورية. لقد امتلكت المؤلفة ما يننغ فكراً تاريخياً ثاقباً جداً جعلها تبتعد عن الاشارة الى ان حياة الاوروبيين العالقة في دوامة الحرب في الشرق الأوسط قاربت بطريقة اكثر من سطحية حياة العرب المثقفين. فالعلاقات الغامضة المتقلبة بين الافراد عكست أهدافهم الوطنية المتضاربة. كانت للأوروبيين غاياتهم الخاصة، وللعرب غاياتهم المختلفة في كثير من الاحيان، وفي نهاية الحرب التي شنها الاوروبيون، حل «سلام متقلقل محفوف بالمخاطر على العالم، واصبح بوسع الناجين العودة إلى الوطن». لكن بالنسبة للعرب، بقي الصراع متواصلاً، واستمرت بعد الحرب مهمتهم الدائمة الضرورية والمألوفة المتمثلة في النظر ملياً في السياسات الغربية لرؤية توليفة المخاطر والفرص التي قد تتمخض عنها، تماماً كما كانت تلك المهمة قائمة خلال الحرب وقبلها. ثمة ترابط منطقي بين الوضع قبل 60 عاماً ابان معركة العلمين، والوضع اليوم، حيث يبدو ان آلة حرب غربية توشك على العودة إلى المنطقة. فالحرب العالمية الثانية كانت ايضاً، الى حد ما، حرباً ضد العرب والمسلمين، وبصفة خاصة ضد العراقيين والايرانيين قبل كل شيء لا يزال حاضراً ذلك الارث النفسي للتدخل الغربي في الشرق الأوسط، والاحساس بأن الاهداف الغربية الحقيقية لا يعلن عنها ابداً، والوعود الغربية يندر ان تتحقق، واهتمام الغرب في تقدم العرب او تطورهم الديمقراطي هو عادة تظاهر زائف. ولذلك فحتى العرب العلمانيين تنتابهم شكوك عميقة حول بروز محاولة اخرى من جانب العرب لاعادة تنظيم منطقتهم.أول تسوية من هذا النوع ـ والتي كانت كل التسويات اللاحقة مجرد تعديلات عليها ـ كانت في اعقاب الحرب العالمية الاولى. وكما هو معروف جيداً، فقد كانت تلك تسوية غاية في الاحباط بالنسبة لمعظم شعوب الشرق الاوسط، والبوتقة الكبيرة الثانية في القرارات الغربية في السنوات التي تلت 1945، انطوت ايضاً على عيوب واخطاء شنيعة من وجهة نظر العرب. والآن باستعادة ذكرى الاحداث الماضية وتأملها من الممكن النظر إلى الحرب ضد العراق في عام 1991 على انها بداية تنقيح ثالث كبير لـ «التسوية» في الشرق الأوسط. في البداية كان الاتجاه السائد في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون يقوم على احتواء العراق وايران ومواصلة عملية اوسلو السلمية لكن الآن في عهد بوش تصلب الاتجاه وتغير وقد يصبح اكثر طموحاً، اذا نجحت حرب العراق التي تقرع طبولها الآن، واذا نال بعض اعضاء إدارة بوش مرادهم. بدأت إدارة بوش مؤخراً بالتأكيد على الحاجة لحدوث تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط وراحت تجادل بأن تخليص العراق من رئيسه الحالي سيكون عاملاً محفزاً لمثل هذا التغير. قد يبدو من الخداع ان العرب انفسهم الذين طالما اشتكوا من دعم الغرب لانظمة الحكم غير الديمقراطية في بلدانهم، ينظرون الآن بازدراء لمثل هذا المشروع. لكن يمكن بسهولة تفهم موقفهم.فالعرب يجرون إلى هذه الطريق أو تلك تحت تأثير الاندفاعات المتضاربة التي تنشأ عندما يتوالى التدخل الخارجي في بلدانهم لفترة طويلة اكثر مما ينبغي. فمن ناحية هم يخشون دوام التدخل، ومن الناحية الاخرى يخشون عدم دوامه. لكن اولئك العرب الاكثر تحمساً لرؤية تحول ديمقراطي في الشرق الأوسط يدركون مدى صعوبة ايجاد الشروط المسبقة الضرورية لتكريس الديمقراطية في المجتمعات التي تقع تحت وطأة الضغوط الديمقراطية والاقتصادية والبيئية. ومعظم الخبراء الغربيين يتفقون مع ذلك التصور، ويفيد تقرير حديث صدر، مؤخراً، عن مؤسسة كارينجي الوقفية ان «الفكرة الرائجة القائلة بأن الولايات المتحدة من خلال الاطاحة بالرئيس العراقي تستطيع ان تحدث تحولاً ديمقراطياً سريعاً في العراق وان تطلق العنان لموجة ديمقراطية عارمة في المنطقة، هي فكرة خيالية خطرة. ويذهب واضعو التقرير إلى انه سيكون على الولايات المتحدة البقاء في العراق لعقود لاحداث التغيرات العميقة اللازمة لتحويل العراق الى بلد ديمقراطي. ويخلصون إلى ان مسلسل التحول الديمقراطي المتعاقب على نمط تعاقب وقوع احجار لعبة الدومينو على نسق الموجة الديمقراطية التي اجتاحت أميركا اللاتينية واوروبا الشرقية في الثمانينيات والتسعينيات، لا يرجح حدوثه في الشرق الأوسط، في اعقاب الحرب المرتقبة في العراق، مهما كانت هذه الحرب ناجحة وخسائرها محدودة. وأفضل شيء يمكن ان يفعله الغرباء الدخلاء الذين يحاولون المساعدة على بزوغ الديمقراطية في المنطقة هو تقييد انفسهم في اطار اهداف متواضعة وبعيدة الامد، بحسب التقرير ذاته. الدكتور يوسف شويري من معهد الدراسات العربية الاسلامية بجامعة اكستر يقول: «المشكلة تكمن في ان التغيير في الشرق الأوسط، بما في ذلك التغيير نحو الديمقراطية يأتي نتيجة تفاعل عوامل عديدة، بما فيها حالة التنمية الاقتصادية والنفط وفلسطين والمصالح الأميركية في المنطقة. لا يمكنك عزل نقطة واحدة، والتركيز عليها من دون تناول بقية العوامل». ان نزوع إدارة بوش لتخيل انه بالامكان التعامل مع الشرق الاوسط بالاجزاء ـ العراق بالوسائل العسكرية، الديمقراطية بالدبلوماسية القسرية، معاداة اميركا بالبروباجندا المحسنة ـ يبدو له مثل ضرب مثال واحد على المشكلة. عن «جارديان»