الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 اعتاد العالم الاعتماد على قاطرات الاقتصاد الكلي لثلاث قوى، حيث دعمت القاطرات الاقتصادية الالمانية واليابانية القاطرة الاقتصادية الاميركية. في التسعينيات تغيرت الاحوال فانفجار فقاعة البورصة اليابانية والسوق العقارية في اليابان دفعاها الى حالة من شبه الكساد دامت طويلا، ومع مجيء اليورو وفي ظل العبء الذي فرضه اندماج شطري المانيا لم تعد قوى النمو الديناميكية قائمة في المانيا ولا في فرنسا ولا ايطاليا كذلك. وبفضل شهرالعسل الذي كان يعيشه الاقتصاد الاميركي في اواخر التسعينيات وعلى وجه التحديد في وول ستريت ومين ستريت اكتفت القاطرة الاقتصادية الاميركية بمعالجة آثار الازمات المالية التي ألمت بالاسواق الناشئة في آسيا بعد عام 1997 وكذلك تعويض التباطؤ الاقتصادي الذي تضاعف بسبب السياسة التقشفية التي اتبعها اتحاد النقد الاوروبي بتعليمات من فرانكفورت، ذلك التباطؤ الذي زادت تأشيراته السلبية بفعل ذلك الاسلوب التقشفي الذي فرضه الميثاق الاوروبي على الحوافز والدوافع الاقتصادية في كل انحاء العالم. كل هذا كان بمثابة خط طيب عظيم ولكن حدث بعد ذلك التضخم الحتمي الذي المّ بوول ستريت في اوائل عام 2000 وما ترتب من تأثيرات سلبية افضت الى الركود الاقتصادي في اميركا عام 2001. فهل ستتوقف القاطرة الاميركية وتفقد سرعتها أم سيحدث العكس؟ ومع اواخر عام 2001 بدأت الاحصاءات تشير الى ان الركود غير المتوقع في الاقتصاد الاميركي بدأ في الانجلاء وبدأت تظهر مؤشرات انتعاش اقتصادي، فمبيعات السيارات والمواد الاستهلاكية الاخرى ظلت قوية بشكل فاجأ الجميع وبدأت تزداد اسعار المنازل وبناء العقارات، وهو الامر الذي عوض خسائر الافراد في وول ستريت. غير ان الاقتصاد لا يمكن ان يعيش بمعزل عن السياسة فقد اصابت هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن الانتعاش الوليد بصدمة قوية، وبعد ذلك بفترة قصيرة بدأت الاخبار في التوالي حول تفشي سوء الادارة في المؤسسات الاميركية، ولا يجب تناسي بينما اقوم بكتابة هذه السطور امكانية ان يقوم فريق الرئيس جورج بوش بقيادة تحالف دولي لغزو العراق ويجب تذكر انه ربما ثلث الناخبين الاميركيين يعارضون بشكل او بآخر هذا العمل العسكري. واذا وضعنا في الاعتبار الاحتمالات كافة فما هي ابعاد تلك الاحتمالية العقلانية المتمثلة في ان حدوث ركود مزدوج للاقتصاد الاميركي من شأنه أن يؤثر تأثيرا سلبيا كبيرا على زخم وقوة القاطرة الاقتصادية الاميركية، في عام 2003؟ ان تخمينات ما سيحدث بناءاً على دراستي ومراجعتي لاحدث الاحصائيات المتاحة، هي كالتالي: 1ـ ان الظروف لا تزال مواتية لان يصبح معدل نمو اجمالي الناتج الاميركي كما في عام 2003 ايجابيا، حيث يمكن ان يكون هذا المعدل متراوحا بين 2 الى 3% سنويا، وهو الامر الذي سوف يساعد دول حوض المحيط الهادي والدول الاوروبية واقتصادات اميركا اللاتينية على تفادي ركود كامل، ولكن ليس بالضرورة ان يؤدي هذا الى تزايد كبير من معدل تشغيل من تم اخراجهم من سوق العمل الاميركية ولس بالضرورة ايضا ان يؤدي هذا الى تلك الموجه من النمو القوي في ارباح الشركات التي يصبوا اليها مضاربو وول ستريت. 2ـ حتى اذا كانت معدلات عدم توقع حدوث ركود جديد عام 2004 هي 8 الى 2 فان علم الاقتصاد الحديث ليس بالعلم الدقيق الذي يجعلنا نعتمد عليه كليا ونتجاهل بسببه امكانية حدوث اسوأ السيناريوهات فاذا ثبت ان اليابان والمانيا لا تقدران على تحقيق النمو، فانه لا يوجد قانون يضمن الا يفقد المجتمع الاميركي المزدهر اقتصاديا قوته وحيويته، حتى ولو بشكل مؤقت. ان القائمين على وضع السياسات الذين لا يفتقرون الى الحكمة والمقترعين لا يجب ابدا عليهم ان يعطوا اولوية للسيناريوهات الاسوأ ولكن في الوقت نفسه لا يجب علينا نحن كذلك ان لا نتصرف بالكنعام وندفن رؤوسسنا في الرمال ونتجاهل بالمرة تلك السيناريوهات فلا يوجد نظام سوق مهما كانت قوته يمكن الاعتماد عليه كي يدير نفسه بشكل متزن وايجابي في جميع الاوقات والى الابد فالدول الديمقراطية في النهاية يجب عليها الاعتماد على المعلومات الدقيقة. ترجمة: حاتم حسين خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»