الاربعاء 22 رمضان 1423 هـ الموافق 27 نوفمبر 2002 برغم هطول الامطار في منتصف يناير عام 1952 وبرودة الطقس التي خففت من اعداد المارة في الشارع وقف ساعي البريد بحلته الصفراء التقليدية ينادي من اسفل بناية قديمة مكونة من ثلاثة ادوار. بهجت يوسف حمدان.. بهجت يوسف.. وقبل ان يكمل كان والده ووالدته قد اطلا من الشرفة يستطلعان الامر.. وعندما لمحهما ساعي البريد صاح.. بريد.. هناك رسالة للطالب بهجت يوسف حمدان من كليته. اللهم استرها يا رب.. تمتم الاب في جزع بهذه العبارة وهبط الدرج مسرعاً لمقابلة ساعي البريد الذي سلمه الرسالة وطلب منه التوقيع بصفته والد صاحب الرسالة. فض الاب الرسالة بسرعة ولهفة ليقرأ بصوت مرتعش قرار كلية الفنون الجميلة بفصل الطالب بهجت يوسف حمدان لتكرار رسوبه وغيابه عن الدراسة. صرخت الام وانتحب الاب واخذا يندبان حظهما في ابنهما الذي توسما فيه خيراً فإذا به يفشل من اول الطريق عندما عاد بهجت من الخارج سأله والده.. اين كنت؟ رد الابن بوقاحة: في الكلية طبعاً. أية كلية؟ اذا كانت الكلية فصلتك .. هل تكذب علي؟ انا لا احب هذه الكلية ولا احب مصر كلها. صرخ اباه في وجهه اخرس: انت لا تستحق ان تعيش على تراب الارض التي تكرهها. اذن ارسلني لأتعلم في الخارج. حتى تكمل الخسارة اعدك ان انجح واحقق ما تتمناه.. ولكن ليس في مصر.. واين اذن تريد ان تدرس بعد خيبتك هنا في مصر اريد ان ادرس في المانيا.. اريد ان اكون مهندساً من خريجي جامعات المانيا. ضرب الاب كفاً بكف وتمتم: حسبي الله ونعم الوكيل، عليه العوض ومنه العوض.. بعد هذا النقاش العاصف بعدة اسابيع لم يجد الاب الموظف متوسط الحال بدا من ارسال ابنه لكي يستكمل دراسته في المانيا كما طلب منه والتحق الطالب الفاشل باحدى الجامعات ليدرس الهندسة ومنذ اليوم الاول لوصوله بدأ يبحث عن اللهو بكل انواعه وكان اخطر ما يفعله منذ اللحظة الاولى لوصوله الى المانيا هو مطاردة النساء وشهدت اماكن تجمع الطلاب والطالبات في الجامعة كل انواع الاستهتار من الطالب الشرقي القادم من مصر ليدرس في المانيا الغربية. كان بهجت منبهراً بكل ما يحيط به من حياة غريبة لم يعتدها، كل شيء فيها مباح وسهل المنال، فانغمس مع زملائه الالمان وغيرهم في الكلية وفتن بالفتيات اليهوديات بصفة خاصة حتى انه اصبح لا يتعامل سوى معهن فقط، دون غيرهن، ووصلت سمعته القذرة كطالب منحل وغير منضبط الى ادارة البعثات في مصر فطلبت من المشرفين على البعثات الطلابية في المانيا رفعه من قوائم الاشراف بعد ان اصبحت سيرته وسمعته ملوثة وتنسب لبقية المصريين والعرب معه في الجامعة. وذات يوم رن الهاتف في منزل والده حيث استمع الوالد الى تفاصيل مخزية عن سلوكيات ابنه في المانيا فقرر مقاطعته وعدم ارسال اية اموال اليه. ظل بهجت يلح على والده كي يرسل له اموالاً الا ان ابيه كان قد قرر بالفعل قطع علاقته به واقسم له على الهاتف انه لن يرسل له اموالاً الا اذا شعر انه استقام واصبح رجلاً يعتمد عليه. وظيفة وعروسة لم يكن بهجت ذلك الشخص الذي يتأثر بمشاعر الابوة او الحرمان من اتصال الاب او امواله.. كان عابثاً لدرجة تجعله لا يكترث كثيراً بغضب ابيه او رضائه.. ولذا فعندما اجتمع مع الشلة الالمانية اليهودية التي كون معهم صداقة عميقة كان الحوار منصباً على كيفية ايجاد عمل له في ظل الظروف الجديدة التي وضعه والده فيها قالت صديقته المقربة منه «انجرد شوالم» ان والدها يعمل بشركة تطلب هذه الايام مندوبي مبيعات وانه يمكن ان يحصل له على وظيفة كهذه. هلل الاصدقاء جميعاً واخذوا يهنئون صديقهم المصري الذي سيحصل على وظيفة تمكنه من استكمال دراسته. لم ينس بهجت هذه الخدمة لصديقته انجرد ولا اصدقائه اليهود الاخرين الذين كانوا لا يفارقونه الا سويعات من اليوم بطوله وبالفعل التحق بالعمل الذي وفره له والد صديقته وازداد التصاقاً بانجريد ووالدها وبقية اصدقائه اليهود الى ان حصل على دبلوم الهندسة عام 1958 وعندما امسك بشهادة الدبلوم في يده ذهب الى والد صديقته انجريد وطلب منه ان يتزوجها، ووافق الاب وتزوجت انجريد ببهجت الذي قرر بعد شهرين من زواجه من اليهودية الالمانية العودة الى القاهرة للبحث عن عمل بشهادته واسترضاء والده والاقامة مع زوجته الالمانية في مصر. سفر جديد كان بهجت المنحرف نفسياً ارضا خصبة للخيانة بأية صورة ولعل اول صور هذه الخيانة كانت لوظيفته التي استطاع الحصول عليها فور وصوله مصر حيث عمل في احدى الهيئات الحكومية الكبرى وكان ذلك عام 1959 وجاء عمله في مكان يسمح له بمعرفة اسرار المشروعات التي تتولاها هذه الهيئة او تشرف عليها، وكان مسئولاً عن دراسة المشاريع وتقييم العطاءات او طرح المناقصات وهي وظيفة تحتاج لأمانة واخلاص لم يكونا بطبيعة الحال ضمن التركيبة النفسية لهذا الشاب الذي شرب الضياع والانفلات طيلة فترة وجوده بألمانيا حتى الثمالة.. لذا فبعد شهور قليلة من عمله هذا بدأ في كشف اسرار العطاءات والصفقات السرية للمتنافسين لقاء رشاوى ضئيلة للغاية لكنها كانت تشبع الجانب المنحرف في نفسه وتجعله يبحث عن المزيد والمزيد ولكن سرعان ما اكتشف رؤساؤه انه فاسد ومنحرف ومرتش لذا تم فصله من عمله ليعود من جديد الى الشارع ولكن هذه المرة ليس وحده بل هو وزوجته الالمانية. ظلت زوجته تلح عليه ان يترك مصر التي رفضته وان يعودا من جديد الى المانيا لكنه كان يفكر بطريقة اخرى لذا حمل معه بعض المستندات المهمة للمشروعات التي كانت تنفذها الهيئة او تشرف عليها لربما احتاج اليها واخذ زوجته وسافرا الى لبنان ولكنه لم يجد من يهتم، في لبنان حيث بقى هناك شهراً فحزم حقائبه من جديد وقرر التوجه هذه المرة الى فرنسا. في فندق ستار بباريس خطا اول خطوة نحو الانحراف عندما اخبره موظف الاستقبال بالفندق انه يهودي استغرب بهجت فقد كان اليهودي يتحدث العربية بلهجة مصر، قال الموظف: ربما لأني لم اقل لك اني ولدت في مصر وغادرتها عام 1956 وعشت طيلة فترة حياتي في مصر في مدينة بورسعيد قال له بهجت: هذا من حسن حظي. لماذا؟ ان اعثر على مصري مثلي في باريس.. لقد بلغ بي اليأس مبلغه. لماذا؟ بدأ بهجت يروي له قصة حياته منذ ان غادر مصر اول مرة الى المانيا الى ان عاد مرة اخرى الى فرنسا ولكن بدون هدف قال له اليهودي: لا تقلق يا بهجت سوف لن اتركك ابداً ولكن علينا اولاً ان نرسل زوجتك الى اهلها في المانيا حتى نجد لك عملاً تستطيع معه ان تعيدها الى فرنسا مرة اخرى سافرت الزوجة وبقي بهجت في فرنسا واليهودي لا يفارقه لحظة وصحبه في كل جولاته وسهراته الى ان سأله بهجت من اين يأتي بكل هذه الاموال التي ينفقها.. رد عليه اليهودي ببساطة شديدة فأنا اعمل مع المخابرات الاسرائيلية. استقبل بهجت الخبر بهدوء ودون دهشة وكأنه كان يبحث عن رجل من هذا النوع ولذا سأله اليهودي بمكر. الم تحضر لنا شيئاً معك من مصر؟ بلى.. وما هو يا ترى؟ معي مستندات لمشروعات مهمة جداً في مصر يجري حالياً تنفيذها. معقول؟ اتريد ان تراها؟ لا ولكن هناك من يريد ان يراها فعلاً. غاب اليهودي لحظات ثم عاد ليقول له.. سيأتي شخص يهمه جداً ان يرى هذه المستندات. بعد نصف ساعة كان رجلاً ضخم الجسم قد وصل الى المكان الذي يجلس فيه بهجت وصديقه اليهودي وتولى اليهودي موظف الاستقبال تعريف الاثنين ببعضهما بعضاً. السيد جورج سمبسون.. ضابط مخابرات اسرائيلي..! وهذا صديقي بهجت يوسف حمدان ـ الماني ـ من اصل مصري صرخ الضابط في نبرة تمثيلية: ألماني؟ نعم فأنا متزوج من المانيا وحصلت بزواجي منها على الجنسية الالمانية لكني مصري من منطقة القناة ولكن ظروف الحرب جعلتنا ننتقل الى القاهرة وحاصل على شهادة في الهندسة من جامعات المانيا. عظيم وما المستندات التي بحوزتك؟ لقد قال لي صديقنا رافي ان لديك مستندات مهمة. نعم.. انها خاصة ببعض المشروعات الحيوية في مصر.. ها هي. اخذ الضابط المستندات وقال لبهجت اتركها لي بضعة ايام كي اطلع عليها واستمتع انت بوقتك وها هي مصروفاتك لتسهر وتمرح في باريس كما تشاء.. ثم دفع له مبلغ عشرة آلاف فرنك فرنسي، وقبل ان ينصرف قال له، تأكد اني سأجد لك عملاً مربحاً. انا اكيد من ذلك. الا ان جورج وبالطبع لم يكن هذا هو اسمه الحقيقي لم ينجح في ايجاد عمل للخائن السهل وعندما عاد له بعد اربعة ايام قال له. اعذرني يا صديقي لم استطع توفير عمل لك. لماذا؟ لأنك لا تتحدث الفرنسية، وليس لك اي معارف هنا كما ان زوجتك المانية، وما رأيك لو استغلينا ذلك بذهابك الى المانيا؟ رائع.. ولكن على اي اساس؟ ستغادر الى فرانكفورت وهناك سيلتقي بك ضابط اسمه صموئيل سيفهمك على كل شيء. ثم سلمه تذكرة سفر الى فرانكفورت وعنوان الفندق الذي سينزل به وودعه. السمسار كان بهجت قد استلم حتى الان عشرة آلاف فرنك فرنسي ولم يقدم خدمة حقيقية للموساد الا ان هذا الجهاز عندما يعثر على عميل من هذا النوع فانه يتصرف معه بذكاء شديد حتى يضمن السيطرة التامة عليه ولذا فإنه عندما وصل فرانكفورت التقى فعلاً في الفندق المحدد بالضابط صموئيل الذي اخذ يوجه اليه اسئلة متعددة وفي اكثر من جانب من جوانب الحياة في مصر سواء أكانت اقتصادية ام سياسية او عسكرية والخائن يجيب بصدق على كل سؤال بل وكان يتبرع بمعلومات اضافية لم يسأله عنها ضابط المخابرات الى ان وصل الى الاسئلة الشخصية عن حياته واهله ومنطقته وعمله وزوجته وابسط الامور والخائن يجيب بسرعة ودون تفكير، وبعد ان دوّن صموئيل هذه الاجابات اعطاه عشرة آلاف مارك الماني ثم طلب منه التوقيع على ايصال باستلامه المبلغ ووقع الخائن على صك خيانته بسهولة وكأنه يعرف مقدماً انه يجب ان يفعل ذلك! وبعد عدة ايام وبعد ان تأكد ضابط المخابرات الاسرائيلي ان الجاسوس الجديد اصبح جاهزاً للعمل الرسمي الصريح قال له: اريد ان اخبرك امراً مهماً يا بهجت. وما هو؟ انت تعرف ان فرصة عملك هنا في المانيا ضعيفة ولن تفيدنا بوجودك في المانيا بقدر فائدتك عندما تكون في مصر.. ومع ذلك فسوف اعرفك على احد كبار رجال البورصة في بريمن وربما يستطيع ان يساعدك على ايجاد عمل مشترك لك بين المانيا ومصر. ومتى سأقابل هذا الرجل؟ غداً في المساء هنا بالفندق. في المساء اجتمع الثلاثة.. بهجت وصموئيل والشخص الثالث الذي قدمه صموئيل لبهجت باسم بوتا..! اهلا يا سيد بوتا يسعدني ان اتعامل معك.. سوف اعرفك بكل رجال الاعمال هنا في بريمن وسوف تأخذ فكرة وافية عن سوق العمل التجاري هنا وبعدها سنقرر ماذا تعمل بالضبط. بالفعل صحب بوتا بهجت الى البورصة وعرفه على الكثير من رجال الاعمال والتجار الذين اخذوا يشرحون له عمل البورصة وحال السوق التجارية واستطاع بوتا خلال هذه المدة في بريمن ان يؤمن للجاسوس بعض الصفقات الصغيرة كنوع من التدريب على عمل او اعمال سيقوم بها مستقبلا عندما يتم توظيفه التوظيف الصحيح وفي المكان الصحيح.. مر عامان وبهجت يعمل وفق خطة محكمة من الموساد في المانيا حيث يتم تدريبه على فرع معين يخدم المخابرات في الجانب الاقتصادي حين الحاجة اليه وهو ما سيتضح فيما بعد. اصبح لبهجت اسما في عالم التجارة ورجال الاعمال بعد سنوات من التدريب في هذا المجال الى ان بدأ عام 1967 وهو لا يزال في المانيا ولكنه اصبح الآن فضلا عن كونه المانيا بحتا بعد ان تنازل عن جنسيته المصرية، خبيرا في اعمال السمسرة والبورصة وسوف تخدمه الجنسية الالمانية التي حصل عليها في التحرك بحرية في البلدان العربية وبلدان الشرق الاوسط كله. مصر لم يترك بوتا صديقه وعميله هكذا دون ان يستفيد منه بعد ان جهزه وجعله خبيرا في مجال التجارة والسمسرة حيث كان الهدف من هذا الاعداد الطويل لهذا العميل هو ارساله الى مصر وتحديدا للعمل في جمع المعلومات الاقتصادية ولكن كيف؟ طلب منه ان يكتب رسائل لشركات البترول في مصر يعرض فيها شراء بعض المنتجات البترولية بصفته مندوبا للشركات الالمانية وانتظر ان يأتيه الرد.. وجاء الرد بعد حرب يونيو 1967 حيث طلبت منه الشركات المصرية التعرف بشكل تفصيلي على عروضه التي تقدم بها. سافر بهجت الى مصر وقابل المسئولين عن شركات البترول التي خاطبها في مصر وناقش معهم تفاصيل كثيرة وبعدها عاد الى ألمانيا حيث بقي فيها شهر قبل ان يعود مرة اخرى الى القاهرة ومعه وفد الماني من رجال الاعمال لدراسة المشروعات والصفقات البترولية المناسبة. وهكذا كثرت زيارات بهجت لمصر وكان في هذه الزيارات يظهر كرما مبالغاً فيه مع كل من يتعامل معهم ويعيش في فنادق الخمس نجوم والغريب انه لم يفكر مرة واحدة في زيارة عائلته في الاسماعيلية التي كانت قد عادت من هجرتها للقاهرة الى الاسماعيلية مرة اخرى، كما شرع من خلال هذه الزيارات في تكوين شبكة هائلة من الاصدقاء والمعارف الجدد من ذوي المراكز الحساسة وكان في كل زيارة يغدق عليهم الهدايا التي يجلبها معه من المانيا تحت بند الصداقة! تغيير النشاط رغم الحركة الدائبة للجاسوس بين القاهرة وألمانيا الا انه لم ينجح في عقد صفقة واحدة ربما بسبب طمعه في رفع نسبة العمولة عندما بدأ يغالي في الاسعار التي يعرضها مما جعل بوتا يطلب منه التحول الى نشاط يمكن ان يدر عليه دخلا اكبر وهو تجارة السلاح، وبالفعل قام بتعريفه على عدد من تجار السلاح في المانيا حيث اكتشف ان معظم اذا لم يكن كل التجار الذين يتعاملون في السلاح في المانيا يهود. وبسرعة بدأ يتحول وكانت خطوته الاولى بعد حرب يونيو حيث المنطقة كلها في حالة حرب وتجارة السلاح مزدهرة بسبب هذه الظروف وقرر ان تكون الخطوة الاولى في الاردن.. الا انها لم تنجح ولم يقتنع الاردنيون به كوسيط سلاح فقرر ان يذهب لمصر وان يلتقي بالمسئولين العسكريين وأن يتحدث معهم عن صفقات لتوريد بعض المهمات العسكرية والمعدات التي يحتاجها الجيش وبذلك يستطيع ان يخترق القوات المسلحة المصرية وهو الهدف الاكبر الذي كانت اسرائيل تسعى اليه. المخابرات المصرية عندما وصل بهجت الى هذه النقطة كان من الطبيعي ان ترصده المخابرات المصرية حيث وصلت معلومات وافية عنه وعن رغبته في التعامل في تجارة الاسلحة مع مصر وبدأت المخابرات عملها، وفي غضون اسابيع قليلة كانت قد وصلت الى ادق تفاصيل حركته من مصر الى المانيا الى فرنسا ولبنان والاردن وعودته اكثر من مرة الى القاهرة قادما من المانيا وعلاقته باليهود في المانيا وصلاته بضباط الموساد الا انها قررت ان تمضي معه الى النهاية ولذا فقد طلبت المخابرات من مسئولي الجيش الذين التقاهم ان يبدوا موافقتهم المبدئية على ما يتقدم به من عروض وان يطلبوا منه ان يثبت جدارته في الالتزام بما يعرض عاد الجاسوس الى صديقه بوتا.. واحتضنه مهللا. لقد نجحت. في ماذا؟ التقيت مسئولين بالجيش المصري ووافقوا على عقد صفقات معي. عظيم.. اذن دعني اعرفك على شخصين مهمين جدا.. من هما؟ رجلان يمكنك ان تؤسس معهما شركة عقارية بها فرع للتعهدات العسكرية ويمكن من خلالها ان تعمل بشكل آمن مع الجيش المصري. التقى بوتا وبهجت مع الالمانيين البرت فيزر ورولف دراير وتم تأسيس الشركة فعلا تحت اسم شركة نوردباو وتم تحديد النصيب الاكبر من الارباح لبهجت على اساس انه سيقوم بمعظم العمل في منطقة الشرق الاوسط وتم الاتفاق على التفاصيل الصغيرة وتعرف بهجت من خلال هذه الشركة الى تجار آخرين حصل منهم على بيانات ورسومات تؤيد موقفه في مصر وفر الى مصر فورا حيث التقى المسئولين الذين وافقوا على ما عرضه وتم توقيع اتفاقية واشترط الجانب المصرى الذي كان يعمل وفقا لتعليمات المخابرات المصرية ان يدفع بهجت وشركاؤه مبلغ عشرين الف جنيه بما يعادلها بالدولار الاميركي كتأمين وضمان الجدية في تنفيذ العرض. غادر بهجت وشركاؤه الى المانيا لجمع المبلغ وهو يرقص فرحا بما سيخرج به من عمولة بينما كان بوتا يرقص فرحا اعتقادا منه انه استطاع اختراق القوات المسلحة المصرية عن طريق هذا الخائن والخائب..! الموساد يظهر نحن الآن في نهاية عام 1968. في هذا الوقت وصل بوتا الى نهاية دوره مع هذا الجاسوس الذي اصبح مستعدا لتنفيذ ما يطلب منه ولذا اختفى بوتا تماما من حياة بهجت وظهر بدلا منه شخصان وقفا يطرقان باب بيت بهجت في بريمن.. سألهما. من انتما؟ وأشار الى احدهما ألست انت الضابط جورج سيمون؟ نعم وهذا زميلي الكولونيل ديفيد سابي من الموساد في تل ابيب. ان ذاكرتك قوية.. وهل انساك وأنسى باريس وفرانكاتك الفرنسية.. تفضلا، دخل سيمون وديفيد وبدأ ديفيد الكلام قائلا: جئنا لنناقش معك ما حدث في القاهرة.. علمنا انهم طلبوا منك عشرين الف جنيه بما يعادله دولارات. نعم. سنوفر لك المبلغ وسنساعدك في اتمام هذه الصفقات ولكن كيف هي الاحوال في مصر؟ كالعادة اسهب الجاسوس في شرح الاوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية وأضاف اليها احتياجات القوات المسلحة المصرية من السلاح. عظيم.. ولكن سيكون اعظم لو استطعت انتقاء بعض العناصر التي يمكن ان تخدمنا في عملنا في مصر.. سأحاول.. والآن ما الخطوة التالية؟ اليك ربع مليون مارك الماني يمكنك ان تقدمها للمسئولين المصريين حتى يثقوا في جديتك وان توطد مركزك وتحاول ان تجند لنا كما قلت لك اكثر من شخص للمساعدة. عاد الجاسوس الى القاهرة وقدم للمسئولين المصريين المبلغ الضخم الذي زود به من ديفيد وسيمون وعندها تأكدت المخابرات المصرية من سقوط الجاسوس الى قاع بئر الخيانة ولكنها قررت مواصلة اللعب معه حتى النهاية لتعرف الى اي مدى خان وطنه ومن معه. جاسوس جديد لم يضع بهجت وقتا فبعد وصوله للقاهرة ببضعة ايام اتصل بزوج شقيقته المهندس محمد مندور وهو مهندس بشركة مقاولات شهيرة جدا (...) كانت تعمل بعض المقاولات في منطقة القناة عقب عدوان 67 وسأله.. هل تريد تحسين وضعك المادي..؟ بالتأكيد. لدي عمل لك بالخارج. ادركني به. ولكن اولا لابد ان انهي بعض الاعمال الهندسية هنا في مصر وان نجحت ونجحت انت في مساعدتهم سوف اجعلهم يتعاقدون معك للعمل في المانيا. وبالفعل قام في اليوم التالي بتعريف صهره الى شريكية فيزر وداريو حيث احتفل الجميع بالتعاون بينهم وتكررت اللقاءات التي حاول خلالها المهندس مندور كسب ثقة الشريكين الوهميين حتى يضمن ان يعمل معهما في المانيا وخلال هذه اللقاءات استطاع الشريكان اليهوديان الحصول من المهندس مندور على الكثير من المعلومات العسكرية الحساسة مما جعلهم يطلبون من بهجت العمل على تجنيده للعمل مع الموساد وبعدها ظل بهجت يتلاعب بزوج شقيقته كلما سأله عن رأي الشركاء فيه بحجة انهم لم يطمئنوا بعد اليه ثم تركه وسافر الى المانيا.. وظل هناك حتى عاد في 22 مايو 1969 وكان يوم جمعة حيث ادى الصلاة معه ولما سأله مندور عن الاخبار قال له انها اخبار سارة لقد وافقا على ان تعمل معنا براتب 200 جنيه! طار المهندس مندور فرحا فقد كان راتبه في مصر في ذلك الوقت 50 جنيها فقط.. لذا سأله وما المطلوب الآن؟ بعض الرسومات الهندسية الخاصة بالدفاعات العسكرية في خط القناة والتي تنفذها شركتكم وذلك حتى يطلع عليها الخبراء الالمان ليعرفوا حجم وكفاءة قدراتك.. وافق المهندس فورا وسلمه بالفعل مجموعة من الرسومات التي طلبها وبعض الخرائط التي تعتبر من الاسرار العسكرية الخطيرة وظل بهجت مع ذلك يحاصره بالاسئلة عن الوضع العسكري على الجبهة ومندور يجيب على كل سؤال الى ان انتهى بهجت فقام بجمع الخرائط والرسوم واخفاها بحقيبة واودعها شقة شقيقته الثانية وهي غير زوجة المهندس مندور لحين سفره الى المانيا حيث سيسلمها هناك للمخابرات الاسرائيلية. في الوقت نفسه قام بهجت بزيارة محام كان يعرفه عن طريق والده وطلب منه مساعدته في تكييف الشكل القانوني لشركته والعمل مستشارا قانونيا له في فرع الشركة بالقاهرة مقابل عمولة كبيرة جدا ووعده بتسهيل الحاق ابنه بكلية الهندسة في بون ودعوته لزيارة المانيا. لبى المحامي ج. خ الدعوة وزار المانيا وعندما عاد الى القاهرة طلب منه الجاسوس بهجت البحث عن اشخاص في مراكز سياسية مهمة للقيام بمباحثات مع مسئولين اميركيين سيعرفه عليهم بمناقشة كيفية العمل من اجل احلال السلام في المنطقة..!! الغريب ان المحامي وافق فعلا بل واستعان ببعض قدامى كبار العسكريين للعمل معه في مكتبه كمستشارين فنيين وبذلك اكتملت الحلقة التي ارادتها المخابرات الاسرائيلية لها في القاهرة عن طريق الجاسوس الذي كان يؤدي عمله باتقان شديد. وهنا بدأ بهجت يستعد للخطوة الاخيرة الخاصة بمشاريع السلاح وغيرها من الصفقات التي كان يحلم بها ودفع تأمينا لها ربع مليون مارك وشاركه فيزر في الترتيبات النهائية ولكنه اخذ ما جمعه من معلومات ووثائق وسافر فجأة الى ألمانيا وترك بهجت وحده في القاهرة.. في مساء 2 يونيو من عام 1969 كانت المخابرات المصرية قد وصلت الى قرار مفاده ان تحركات وكمية المعلومات المتوافرة لدى الجاسوس من الخطورة بمكان لذا قررت التحرك فورا قبل ان يهرب اي منهم الى الخارج. وبالفعل تحركت قوة من جهاز المخابرات العامة المصرية الى بهجت يوسف حمدان وألقت القبض عليه ومن ثم قبضت على المهندس محمد مندور والمحامي جمعة خليفة وواجهت الثلاثة بما لديها من ادلة ضدهم فاعترف ثلاثتهم بالاتهام الموجه اليهم كما واجهتهم بمعرفتها بحركة وتحركات بهجت الى فرنسا وألمانيا ولبنان والاردن ونشاطه في كل بلد ثم سألت بهجت عن الجاسوس الالماني البرت فايزر فأخبرهم انه غادر الى المانيا فطلبت منه ان يتصل به كي يوقع على الاتفاق النهائي على العروض والعقود التي اتفقوا عليها ولم يكذب الالماني خبرا حيث عاد على الفور لتكتمل الشبكة اللعينة في قبضة المخابرات المصرية التي وجهت صفعة قوية للموساد الذي لم يكتشف ان عملاءه سقطوا في قبضة المخابرات المصرية كما فاتهم سرعة دعوة فايزر الذي كان قد غادر القاهرة قبل ايام قليلة الى ألمانيا وهو الدليل العملي على الغباء الاسرائيلي وموساده. استغرق التحقيق مع المتهمين الاربعة سنة بعدها اصدرت المحكمة العسكرية حكمها على المتهم الجاسوس الرئيسي بهجت يوسف حمدان الالماني الجنسية بالاشغال الشاقة المؤبدة ومصادرة ما لديه من اموال وعلى البرت فايزر الالماني الجنسية بالسجن خمس سنوات ومثلها للمهندس مندور ومثلها للمحامي جمعة خليفة وذلك تخفيفا للأسباب التي وجدتها المحكمة مخففة.