الثلاثاء 21 رمضان 1423 هـ الموافق 26 نوفمبر 2002 حتى الآن لم يجد الباحثون والعلماء والكتاب والمفكرون تفسيراً دقيقاَ لذلك الولاء الشديد من اليهود في كافة اصقاع الارض لهذا الكيان الغاصب الجاثم على انفاس اصحاب الارض الاصليين وكأن ما بينهم اتفاق او عقد وقع كل يهودي على ظهر الارض عليه والتزم به. وولاء اليهودي «لاسرائيل» لا يختلف في شدته من يهودي في العراق او يهودي في الشام ومصر أو المغرب ولا يهودي في اميركا أو اسبانيا أو البرازيل وأثيوبيا. فما الذي يدفع اميركي ان يتطوع لخدمة اسرائيل إلا كونه يهودياً؟ وما الذي يدفع بألماني ان يسرب تصميمات احدث طائرات العالم الى اسرائيل بعد ان يسرقها من شركته التي يعمل بها معرضا نفسه لخطر لا يعلم إلا الله مداه..؟ لدينا نماذج كثيرة لهؤلاء اليهود الذين لا يحملون الجنسية الاسرائيلية ومع ذلك فإن ولاءهم لاسرائيل يفوق ولاءهم لاوطانهم من هؤلاء اليهود الجواسيس على اوطانهم، الجاسوس الفرد فراونكشت الالماني الذي سرق تصميمات الميراج وسلمها للموساد والاميركي جوناثان بولارد الذي سرق اسرار المخابرات الاميركية ووثائقها السرية عن اشياء تتجاوز اختصاصاته كموظف في ادارة مكافحة التجسس حيث قدم وثائق اميركية تتعلق بتطوير سوريا لترسانتها من السلاح الكيماوي ومحاولات العراق لاحياء مشروعه النووي الذي لم تكن اسرائيل تعرفه او ابلغته بهم اميركا رسميا ووثائق تضم معلومات دقيقة عن الاسلحة التي حصلت عليها مصر والاردن مؤخراً وكذلك المملكة العربية السعودية وكلها دول صديقة لاميركا لذا فإن اميركا حجبت هذه المعلومات عن «اسرائيل» العدو اللدود لهذه الدول. لجوء ربما كان 21 نوفمبر من عام 1985 قد سجل نقطة مهمة لوقف الاندفاع الاميركي نحو حليفتها في منطقتنا «اسرائيل» أو هكذا كان يفترض ان يحدث ونشعر بنتائجه فيما بعد إلا ان ذلك لم يحدث ولكن لماذا يوم 21 نوفمبر من عام 1985؟ في صباح هذا اليوم كان هناك شخص يجلس خلف مقود سيارته «فورد» القديمة والعرق يكاد يغرقه من شدة الرعب على الخطوة التي قرر ان يخطوها في هذه اللحظة وبجواره على المقعد المجاور له جلست زوجته «آن هندرسون بولارد» تحاول ان تتأكد من الاوراق التي جمعتها من بيتها وتخصها هي وزوجها، كعقد الزواج وشهادات ميلادهما وبعض الصور العائلية وأوراق اخرى خاصة، كما لو كان قد قررا مغادرة الولايات المتحدة الاميركية ولكن الى أين؟ لم يكن احد يعلم ما يفكر فيه جوناثان بولارد سوى زوجته آن، ظل جوناثان يقود سيارته حتى توقف قرب مبنى السفارة الاسرائيلية بين تقاطعي شارع كتبكوت وفان نيس شمال غرب العاصمة الاميركية واشنطن. انتهز جوناثان فرصة ان ابواب السفارة الجديدة «لاسرائيل» الحديدية الضخمة تفتح لدخول سيارة تابعة للسفارة حتى تبعها فوراً ليدخل في نفس اللحظة التي فتحت فيها ابواب السفارة حتى توقف في مواجهة المبنى المشيد من حجارة على شكل قوس، وعندما وصل الى هده النقطة كان حارس السفارة الاسرائيلي قد سحب بندقيته الآلية من فوق كتفه وأشهرها في وجه قائد السيارة. ـ ارجوك ان تتنحى عن الطريق.. ـ من أنت..؟ ـ انا يهودي.. انظر هذه هويتي التي تقول اني يهودي.. كان جوناثان قد اخرج من صدره بطاقة ليريها للحارس الذي ظل واقفا في مواجهته ولكن جوناثان الذي كان قد غرق بالفعل في عرقه من شدة الخوف قال للحارس: ارجوك تنح عن الطريق ان مكتب التحقيقات الفيدرالي يحاول القبض عليّ وانا اطلب منكم المساعدة فأنا يهودي مثلكم ولكن جنسيتي اميركية. دخل جوناثان فعلاً بسيارته الفورد الى مبنى السفارة الجديد لاسرائيل في واشنطن، في هذه اللحظات وصل ضباط مكتب التحقيقات الاتحادي الاميركي الى السفارة وامسك احدهم بمكبر صوت وقال مخاطباً حرس السفارة ان الرجل الذي ادخلتموه السفارة منذ دقائق مطلوب للتحقيقات الادارية باعتباره اميركيا.. رد احد الحراس: ولكنه الآن يتمتع بحصانة دبلوماسية! رد رجال التحقيقات و.. ولكنه مطلوب للتحقيق وحمايته سوف تضر بالعلاقات الاسرائيلية الاميركية. دخل احد رجال الامن الى غرفته على بوابة السفارة واتصل بمسئول الموساد في السفارة بمكتبه بالطابق الثاني وقال له.. ياسيدي هناك من يلاحق الرجل الذي دخل السفارة الآن.. كان ضابط الموساد بالسفارة الاسرائيلية قد سمع قبل مجيئه واحتمائه في هذا اليوم بالسفارة الاسرائيلية انه على علاقة بمدير الموساد واشخاص آخرين تابعين لهذا الجهاز وانه سوف يطلب منهم حمايته.. ومع ذلك فقد طلب من حارس امن السفارة ان يقول لجوناثان انهم مستعدون لحمايته اذا استطاع التخلص من رجال التحقيقات الفيدراليين الواقفين امام مبنى السفارة. بالطبع كان هذا الطلب بالنسبة لجوناثان اليهودي الديانة أميركي الجنسية معناه ان السفارة الاسرائيلية لن تحميه في نفس اللحظة التي التف فيها رجال امن السفارة حوله بملابسهم المدنية وقال له احدهم نأسف يا سيد جوناثان.. لابد ان تخرج الان من السفارة غطى جوناثان بولارد وجهه بيديه وهو يكاد يبكي فقد كان هذا الاسف الاسرائيلي معناه نهايته في سجون الولايات المتحدة الاميركية.. ومن بين اصابعه التي غطت وجهه شاهد زوجته وهي تخرج من السيارة في حراسة الامن الاسرائيلي بعد ان جاءت التعليمات بتوصيلها الى بيتها وتسليم جوناثان بولارد لرجال مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي. شريط الذكريات كانت الساعة قد بلغت تمام العاشرة واربعين دقيقة صباحاً عندما تحركت السيارة التي اقلت جوناثان الى حيث سيتم التحقيق معه غاب جوناثان طيلة الطريق عمن حوله وبدأ يتذكر الخطوات التي خطاها نحو الاسرائيليين وانتهت الى سيارة التحقيقات الاميركية وهو يندب حظه فقد كانت هذه السيارة هي اخر سيارة سيركبها في عمره الذي ضاع في خدمة «اسرائيل» التي لم تسع اليه بل سعى هو اليها. تداعت ايام عمر جوناثان كلها امامه وهو لايزال داخل السيارة التي شقت به الطرق نحو نهاية لم يكن يتخيلها وهو يحاول ان يخدم الدولة التي ينتمي اليها عقائدياً ودينياً على حساب الدولة التي ينتمي الى ارضها وشعبها وساستها، فلم يكن بيده ان يجد نفسه عندما ولد في اغسطس عام 1954 ابناً لعائلة يهودية تقيم في ولاية تكساس الاميركية وتربطه بدينه اكثر مما تربطه ببلدته التي شهدت مولده، ولذا فإنه قضى كل ايام شبابه وصباه في انديانا وكانت هذه المدينة تفتقر الى وجود جالية يهودية او مراكز نشاط صهيونية ولذا فإنه اعتقد ان من واجبه ان يقوم بهذا الدور ووجد نفسه غيوراً جداً على يهوديته، وعندما الحق بجامعة ستانفورد الاميركية لفت انظار اساتذة العلاقات الدولية الذين درسوا له قدرته العالية على تحليل الامور من تخيل عجيب وكان يدافع دائماً عن اسرائيل وما تقوم به في الاراضي المحتلة حتى ان زملاءه اعتقدوا ان الموساد هو الذي يقوم بالصرف عليه في دراسته، وكان خياله الواسع يصل به عندما يجلس مع اصدقائه ان يروي لهم ما فعله في احد العرب الذين هاجموا مستعمرة كان يقوم بحراستها حيث ارداه قتيلاً! وبعد ان حصل على درجة البكالوريوس من جامعة استانفورد التحق بجامعة «تفت» القريبة من بوسطن ليدرس القانون والدبلوماسية الا انه لم يحصل على هذه الدرجة حيث التحق بالبحرية الاميركية عام 1979 ليعمل كمحلل مخابراتي بالقوات البحرية وهو وظيفة مدنية لكنها كانت تتيح له التعرف على معظم اخبار القوات الاميركية وحتى الاشاعات التي كانت تصلها عن احتمال قيام بعض المنظمات او الافراد بمهاجمة المصالح الاميركية في اية منطقة في العالم. وجد بولارد نفسه وهو المحب «لاسرائيل» واليهود من ابناء عقيدته نفسه قادراً في هذا المكان على الوصول الى اية اسرار او اخبار سرية تتعلق بدبلوماسية اميركا او حتى نشاطها العسكري في العالم كله وكانت البطاقة الاتحادية التي منحت له تمكنه كذلك من الدخول الى الاماكن المحظورة على غيره كالارشيف السري وخزائن الوثائق البالغة الاهمية بل والحصول على نسخ منها ونقلها معه الى مكتبه للبحث والتحليل. خطأ اميركي كان بولارد من الذكاء وحسن الحظ في آن واحد لأن احداً من الاجهزة الامنية الاميركية الخاصة بالامن والمخابرات لم يكتشفوا شيئاً من ماضيه وشخصيته القريبة المهزوزة حيث كان ذلك واضحاً خاصة خلال فترة دراسته الجامعية حيث كان معروفاً بكذبه وخيالاته الواسعة وحبه للمغامرة وذلك عندما تقدم هذا الجاسوس الاميركي الى وكالة المخابرات الاميركية المركزية ءة يطلب الالتحاق بها وكان ذلك عام 1977 الا ان الادارة رفضت طلبه على الفور ولكنهم لم يبيلغوا وكالة المخابرات البحرية الاميركية بمعلوماتهم عن ماضي وحياة بولارد التي كانت قد توصلت الى انه رجل خيالي وكاذب ويهودي متطرف كما انه مدمن مخدرات ايضاً، وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه ءة فمكنت بولارد من الالتحاق بالمخابرات البحرية ليصبح الطريق ممهداً امام اليهودي الاميركي كي يشق طريقه نحو خدمة «اسرائيل» الذي كان ولاؤه لها اكبر من ولائه لوطنه الاصلي وهذا مسألة يحار الفهم فيها فقد تكررت هذه الوقائع من قبل من يهود مصر الذين أجروا تفجيرات في الاماكن والمراكز الخاصة بالولايات المتحدة الاميركية في مصر عام 1954 والتي اشتهرت بفضيحة لافون وحدثت كذلك في سوريا والعراق واليمن وغيرها من البلاد العربية التي كانت تضم يهودا.. وربما كان هذا هو السر الكبير الذي لم يتوصل اليه الباحثون والمفكرون كما قلت في شدة ولاء اليهودي مهما كانت جنسيته لاسرائيل ولو كان هذا الولاء على حساب ومصلحة البلد الذي انجبه!! الحلم كان بولارد يحلم باليوم الذي يستطيع فيه ان يخدم «اسرائيل» حتى ولو لم يطلب منه الاسرائيليون هذه الخدمات وكانت قناعته الخاصة ان الاميركيين لا يقدمون لاسرائيل كل المعلومات والاحصائيات المتوفرة لديهم والتي يمكن ان تخدم اسرائيل في مواجهة اربع دول على الاقل تهددها تهديداً مباشراً ابرزها مصر وسوريا ولما كانت معظم هذه المعلومات والاحصائيات متوفرة لديه بعد وصوله الى غرف الوثائق السرية لوكالة المخابرات البحرية وغيرها فإنه قد وصل الى قناعة بضرورة توصيل هذه المعلومات الى «اسرائيل» ولكن كيف؟ جاءت الفرصة السانحة لبولارد ليقدم خدماته الى «اسرائيل» وطنه التاريخي عندما اخبره صديقه رجل الاعمال انه سيذهب في نهاية ابريل 1984 لاستقبال صديق له «اسرائيلي» يعمل عقيداً طيار بالجيش الاميركي بالمطار حيث اوفدته «اسرائيل» لدراسة علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك. وصل «افرايم سيلا» عقيد الطيران الاسرائيلي الى المطار ليجد صديقه رجل الاعمال الاميركي في انتظاره ومعه شخص اخر بدين نسبياً خارج المطار. قدم الصديق بولارد الى افرايم قائلاً.. هذا جوناثان بولارد يهودي مثلك بل ويحب اسرائيل اكثر مما تحبها انت. ـ رد سيلا.. رائع جداً.. اذن وجدنا اهلاً لنا هنا في اميركا ثم التفت الى بولارد وقال له: لك ان تتذكر اللحظة التي قابلت فيها اعظم طياري «اسرائيل» العقيد افرايم سيلا واضيف اليك معلومة اخرى.. العقيد افرايم هو الذي قاد هجوم الطيران الاسرائيلي على المفاعل النووي العراقي العام 1981. لم يصدق الرجل المهووس باسرائيل انه يقف امام احد مقاتلي «اسرائيل» والذي استطاع ان يساهم في تدمير المفاعل النووي العراقي فاحتضنه بشدة حتى كاد يبكي وهو يشيد به ويثني عليه. في اليوم التالي لم يكن الصديق المشترك بينهما موجوداً ولذا عندما التقى بولارد مع سيلا قال له: لديّ معلومات مهمة وسرية للغاية حصلت عليها الولايات المتحدة الاميركية من عملائها عن مصر وسوريا والعراق والاردن والسعودية اريد توصيلها الى «اسرائيل» ولكن لا اعرف الطريقة المثلى لذلك، لذا فقد سعيت للتعرف عليك فأنا احب اسرائيل ومستعد لخدمتها حتى اقصى مدى. اندهش سيلا من جرأة بولارد وتطوعه وهو الأميركي الذي يعمل في مكان حساس جدا بالنسبة للأمن القومي الأميركي واعتقد في البداية انه ربما يكون مخبولا ولكنه وهو الطيار المقاتل الذي استطاع ان يقوم مع زملائه بمهمة غاية في الخطورة من تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981 وقبلها استطاع كما يزعم قادته ان يسقط ايضا طائرة ميج 21 فوق قناة السويس عام 1970 خلال حرب الاستنزاف قرر ان يستمر مع هذا الرجل الذي يريد ان يصبح جاسوسا لاسرائيل بمحض ارادته ليقف على حقيقته ولكنه بالطبع لن يمكن ان يستمر في هذه العملية دون ان يخطر الموساد.. فوجيد سيلا الذي اتصل بقادة الموساد ان الموساد يعرف جوناثان بولارد ولكن علاقة معه من هذه النوع قد تسبب حرجا لاسرائيل اذا ما اكتشفت الولايات المتحدة الأمر وسيكون موقفا دبلوماسيا صعبا لذا لم تهتم كثيرا بالرد عليه إلا انه ظل يلح حتي وصلت هذه المعلومة الى «رافي ايتان» رئيس وكالة «لاكام» وهي وكالة تعتبر فرعا من المخابرات العسكرية وكلمة «لاكام» هي كلمة عربية ومسماها باللغة العربية مكتب الارتباط العلمي ومهمتها جمع المعلومات التقنية والسرية وتختص بالتجسس العلمي وكانت تتبع وزارة الدفاع وترأسها في بداياتها عضو الشين بيت السابق بنيامين بلومبيرج وكانت اشهر عملياتها سرقة مخططات المقاتلة فرنسية الصنع عام 1968 وهو ما سنعرضه في حلقة خاصة عن هذه العملية ودور هذه الوكالة فيه. أما «رافي ايتان» مديرها الحالي في ذلك الوقت والذي اشتهر باسم «رافي النتن» عندما هرب من خلال ماسورة مجاري تحت الارض قبل عام 1948 عندما طارده البريطانيون بعد ان اشترك في عملية ضدهم فلم يجب غير ماسوره المجاري لكي تنفذه فدخلها وهرب عبرها ومنذ هذا التاريخ وهو يسمى «برافي النتن». اتفاقية بعد ان شرح العقيد افرايم سيلا لرافي النتن وجهة نظره فيما يعرضه عليه الجاسوس الأميركي طلب النتن من سيلا ان يتصل بشخص اسمه يا جور او يوسي يا جور وكان هذا الأخير يعمل كملحق علمي في القنصلية الاسرائيلية في نيويورك، اصبح سيلا الآن مفوضا من احد قيادات أجهزة المخابرات الاسرائيلية بالتعاون مع جوناثان بولارد وان لم يكن تعاون الاخير مباشراً مع الموساد إلا ان جهاز لاكام يمكن ان يفي بالغرض ولكن اللقاء بين الثلاثة في نيويورك سيكون خطر جدا لذا طلب من بولارد وخطيبته آن هندرسون ان يستعدا للسفر معه الى باريس.. واعطاهما تذاكر السفر وتعهد بدفع تكاليف اقامتهما في باريس وتنقلاتهما.. وفي باريس التقى الاربعة.. جوناثان بولارد وخطيبته آن هندرسون والعقيد أفرايم سيلا ومدير وكالة «لاكام» في نيويورك يوسي يا جور وتم التعارف بينهم جميعا وفي اليوم التالي انضم لهم رافي النتن وقدمه سيلا له بأنه أحد ابطال اسرائيل وكان رافي هذا صغير الحجم ضخم الصدر ولا يسمع من احدى اذنيه نتيجة اصابة في حرب 1948 وكان ايفان رجل المخابرات السابق ذو الخبرة الطويلة في المخابرات يعرف كيف يتعامل مع الجاسوس المحترف والجاسوس المتطوع لذا قبل ان يتحدث مع بولارد في أي شيء اصطحب بولارد خطيبته بجولة تسويقية زارا فيها معظم محلات باريس وخاصة محلات الازياء والمجوهرات وتعمد ان يطلب من آن ان تنتقي ما يعجبها من خواتم ذهبية او الماسية وبالفعل عندما اختارت واحدا اعجبها قال لها انه لكي هدية مني.. ولكن بشرط.. أي شرط.. ان يكون هذا الخاتم هوخاتم زواجك من بولارد.. سألت هندرسون البائع.. كما ثمن الخاتم؟ 10 آلاف دولار.. اخرج الجنرال المخابراتي من حقيبته المبلغ ودفعه على الفور وهو ينظر للخطيبين نظرة لها معنى واحد.. وهي انكما اصبحتما ملكاً لاسرائيل الآن.. ولكن بولارد قال.. هذا كثير يا سيدي! ليس كثيرا ولكن متى ستتزوجان؟ في اغسطس المقبل ان شاء الله. اذن شهر العسل سيكون على حسابنا وليكن بين فينسيا واسرائيل. في اليوم التالي جلس ايتان وبولارد ومعهما سيلا ويوسي في كازينو هاديء.. وقبل ان يتكلم بولارد قال له رافي النتن ـ لقد فتحنا لك حسابا سريا في سويسرا وهاك رقمه، كما خصصنا لك مكافأة قدرها 1500 دولار شهريا اضافة الى دفع كل تكاليف زواجك من الحسناء هندرسون وسوف نضع لك كل شهر راتبك في حسابك في سويسرا حتى ينفعك حين تتقاعد.. ـ سيدي.. هذا كرم كبير، وهو ما توقعته من وطني الأم وأبنائه.. ليتني استطيع الذهاب وزوجتي الى اسرائيل فجأة دس ايتان يده في جيبه واخرج جواز سفر اسرائيلي عليه صورة بولارد باسم داني كوهين وقال له.. ـ خذ هذا الجواز معك.. ونحن نرحب بك كبطل مجهول خدم اسرائيل في اي وقت.. الجاسوس يعمل عاد بولارد وخطيبته من اوروبا الى الولايات المتحدة الأميركية وبدأ العمل بجدية في جمع الوثائق والصور الفوتوغرافية الجوية التي تتعلق بمنطقة الشرق الاوسط والتقى بياجور في احد منازل مقاطعة الميريلاند وفي هذا اللقاء اتفق الاثنان على كلمات السر التي سيتعاملان بها والمصطلحات التي سيتم استخدامها في حالات الضرورة وانتهى هذا اللقاء باتفاق يقضي بأن يلتقيا كل يوم جمعة في احدى الشقق ببوسطن، وكانت هذه الشقة بالذات مزودة ومجهزة بمعدات للتصوير وتديرها فتاة اسرائيلية تابعة للسفارة الاسرائيلية، كما كانت بها اجهزة دقيقة وحساسة لتصوير المستندات وقبل ان يغادره قال له يا جور: اسمع يا بولارد المعلومات والوثائق التي ستزودنا بها ستخدم جميع اجهزة المخابرات وأنت كمحلل معلوماتي تستطيع ان تتعامل مع كل الوثائق بالطريقة الصحيحة. بدأ بولارد بعد هذا اللقاء بزرع ادوات تجسس دقيقة في المؤسسات الصناعية والعسكرية الأميركية بجرأة يحسد عليها وكان من كل لقاء له مع ياجور يأتي بأكداس من الوثائق والملفات في كل مرة ويقوم بنفسه بانتقاء المعلومات ذات الاهمية الخاصة عندما بدأت المعلومات تتدفق على «اسرائيل» تأكدت من اهمية جاسوسها الجديد الذي كانت معه بطاقات تسمح له بدخول حتى الاماكن الصعبة حتى المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ووكالة الأمن القومي ووزارة الخارجية وكان يقول للاسرائيليين ان وزير الدفاع الاميركي واينبرجر ووكالة المخابرات المركزية الاميركية لا يريدون اطلاعكم على المعلومات المهمة التي تتعلق بمنطقة الشرق الاوسط ادرك الاسرائيليون ان عميلهم يهودي متعصب مولع بالاثارة ومحب للمال والسفر والرحلات وكذلك محب لاسرائيل بدرجة جنونية، ولذا بدأت «اسرائيل» تشكر عميلها النشط الذي حصلت بواسطته على تحليلات ونسخ برقيات المخابرات المركزية المتبادلة بين الرئاسة وممثليها في المنطقة والتي تحدد بشكل دقيق شحنات الاسلحة السوفييتية الى سوريا وبقية حلفائها وكانت اميركا تزود اسرائيل ببعض هذه المعلومات ولكنها لم تكن تزودها بالصور الفوتوغرافية التي تلتقطها اقمارها الصناعية وقد مكنت الصور والمعلومات التي كان يبعث بها بولارد إلى إسرائيل من مراقبة انشطة البواخر في البحر المتوسط وبعض المناطق الاخرى واستمر في ذلك لمدة سنة كاملة استطاع خلالها كشف ملف كامل اعدته باكستان عن مشروع ذري وكانت «إسرائيل» تعتبره تهديدا لها كما شمل معلومات دقيقة عن مخزون السلاح الكيماوي في كل من سوريا والعراق وصور فوتوغرافية جوية لمقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس ودفاعات بعض الدول العربية التي تقع في المسافة ما بين «اسرائيل» وتونس وأهمها ليبيا وعندما هاجم الاسرائيليون مقر المنظمة سالكين اقصر طريق من تل ابيب إلى تونس وعرف بولارد بأن المقر تم تدميره تماماً كان اسعد الناس على ظهر الارض كما سمع منه اصدقاؤه الاسرائيليون. كشف الجاسوس هل يصدق القاريء الكريم ان هذا الجاسوس الوقح انغمس وأجهد نفسه في العمل لصالح «اسرائيل» لدرجة ان أجهزة مكافحة الجاسوسية التي كان يعمل بها والتابعة للبحرية الأميركية لاحظت ان انجازه للعمل قد قل كثيراً حيث كان يقسم وقته بين تحليل المعلومات والتقارير المخابراتية الاميركية لصالح اميركا وفي الوقت نفسه يقوم بتحليل وتصوير الوثائق لصالح إسرائيل واصبحت الوثائق التي يبلغ بها اسرائيل بالالاف حتى لاحظ المسئولون عنه انه مرهق دائماً وبدأ رئيسه جيري افري يشك في عمله حيث تأكد ان بولارد كذب اكثر من مرة فيما يتعلق بقضية كانت تتعلق بوثائق غاية في السرية والأهمية. في مساء يوم الجمعة 25 اكتوبر قام احد زملاء بولارد بمقابلة قائد الجهاز الذي يعمل به بولاد جيري افري حيث انه غادر مقر عمله وهو يحمل كمية كبيرة من الوثائق وقد وضعها في مظروف ورق خاص بالحاسب الآلي حيث اكتشف المسئولون انه كان قد اعترض طريق مراسلات سرية بالحاسب الآلي تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط. قام مدير ادارته بمراقبة مراسلات الجمع التالية ليوم الجمعة 25 اكتوبر وهي الجمعة 1 نوفمبر والجمعة 8 نوفمبر ولاحظ انه جمع وثائق مهمة وسرية وأخفاها وظل مؤرقاً طيلة الليل بعد ان اكتشف ان بولارد استطاع ان يستغفل المخابرات الاميركية وركز مدير إدارته على متابعته بدقة حتى انه فاجأ مكتبه في الساعة الواحدة والنصف صباحاً وصدق شكه فيه عندما وجد على مكتبه كمية كبيرة من الوثائق وكلها تتعلق بالشرق الاوسط وخرج من مكتبه ليصرخ في الصباح في مكتب التحقيقات الفيدرالي قائلاً: ياسادة بيننا جاسوس..! لم يقتنع رئيس جهاز التحقيقات الفيدرالي بشكوك مدير بولارد فخرج المدير من مكتبه الى إدارة مكافحة الجاسوسية في البحرية الاميركية وطلب منهم وضع اجهزة مراقبة تلفزيونية في المكان الذي يعمل به بولارد. وفي صباح يوم 18 نوفمبر تم توقيف بولارد وبدأ التحقيق معه الذي استمر لثلاثة أيام وكان بقدرته القديمة على التخيل واختلاق القصص يذهب بعيداً بالمحققين إلى انه يشك في وجود شبكة جاسوسية عالمية استطاع التوصل اليها وهو ما جعلهم يثقون فيه قليلاً لدرجة انه قال لهم ارجو ان اتحدث مع زوجتي لاثبت لكم ذلك، وسمح له بالاتصال بزوجته وعندما اتصل بها طلب منها خلال الكلام الذي كان مراقباً من المخابرات ان تأخذ القطة الى بيت الاصدقاء وكانت هذه شيفرة سرية متفقاً عليها وترجمتها عنه الزوجة انه في مأزق وعليها ان تخفي المستندات الموجودة في البيت. اخذت الزوجة الوثائق والمستندات وذهبت لاحدى جاراتها تطلب منها الاحتفاظ ببعض الاشياء واخفائها لحين طلبها منها وكانت هذه الاشياء تضم حقيبة مليئة بالوثائق وقالت لجارتها ان هذه الحقيبة بها وثائق مهمة خاصة بزوجها فما كان من الصديقة بعد انصراف آن هندرسون وتركها الحقيبة ان اتصلت على الفور بادارة التحقيقات البحرية وابلغتهم بأمر الحقيبة التي تحوي وتائق مهمة عن البحرية الاميركية بينما كانت الزوجة قد توجهت إلى الضابط سيلا لتحتفل معه وزوجته بترقيته وخلال الحفل افضت لسيلا بما حدث مع زوجها فطلب منها عندما يخرج بولارد من التحقيقات هذه الليلة الا يتحدث إلى احد. في اليوم التالي كان بولارد قد انهى الجولة الاولى من التحقيقات التي جرت معه فاتصل بالعقيد سيلا وقال له انه يرغب في اللجوء للسفارة الاسرائيلية التي يجب ان تتولى نقلهما الى «إسرائيل» هو وزوجته. وعده سيلا خيراً وانه سيساعده قدر الامكان وفي اليوم التالي حجز تذكرة عودة لتل ابيب وعندما لجأ بولارد وزوجته للسفارة كان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد اسرع الى السفارة مطالباً بخروج الجاسوس من السفارة الإسرائيلية فطرده حراس أمن السفارة ليقبض عليه. وعندما افاق بولارد من غيبوبة الذكريات كان القاضي الفيدرالي يحكم عليه بالسجن المؤبد وعلى زوجته بالسجن خمس سنوات.