الاثنين 20 رمضان 1423 هـ الموافق 25 نوفمبر 2002 لم تكن حرب 1967 وليدة الصدفة أو أمر جرى بشكل اضطراري او مفاجئ كما يزعم الساسة والمحللون العسكريون سواء في الكيان الصهيوني أو في الولايات المتحدة الأميركية، بل كان يجري الاعداد لهذه الحرب منذ سنوات طويلة سبقت قيام هذه الحرب وتفوق الاسرائيليون المدعمون بالخبرة والعتاد العسكري الاميركي فضلاً عن الدور الكبير الذي لعبته المخابرات المركزية الأميركية لتهيئة أرض المعركة وتمهيدها لصالح الكيان الصهيوني. كانت وكالة المخابرات الاميركية تهدف الى كسر المد الثوري والقومي العربي الذي يتزعمه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في ذلك الوقت واحداث بلبلة في المنطقة العربية باظهار الزعيم الذي يلتفون حوله بمظهر الضعيف في مواجهة قوة صغيرة نسبياً اذا ما قيست الامكانيات بالمساحة او الحجم السكاني.. وبالتالي لم يكن امامها من وسيلة لتحقيق ذلك سوى «اسرائيل» التي كانت تعدها في الفترة التي سبقت حرب 1967 لتكون بمثابة شرطي للمنطقة حسب رؤيتها اي الولايات المتحدة الأميركية وكان الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون يكن عداء رهيباً لذلك الرجل الذي ظهر في منطقة كانت ولزمن طويل مضى ارضا خصبة لكل قوى الاستعمار المختلفة من المحيط الى الخليج العربي حتى ظهر جمال عبدالناصر وبدا واضحاً لكل القوى الاستعمارية القديمة كبريطانيا وفرنسا وايطاليا وهولندا وغيرهم والجديدة كالولايات المتحدة الاميركية و«اسرائيل» ان اهدافهم لن تتحقق بنفس الدرجة التي كانوا يخططون لها طالما بقي جمال عبدالناصر المؤيد بحب جماهيري ساحق من اقصى الغرب العربي الى اقصى نقطة في الخليج العربي ولذا فقد كان رأي المخابرات الاميركية هو مساعدة اسرائيل على تحطيم اسطورة جمال عبدالناصر والقادة العرب الذين ظهروا بالتوازي معه او بعده كابن بيللا والنميري وحافظ الاسد وعبدالسلام عارف وغيرهم. لذا لعبت المخابرات الاميركية دوراً مهماً كما قلنا في المساهمة في تمهيد الارض امام «اسرائيل» لتحقيق ضربة قوية تؤثر في المنطقة كلها. كان السلاح الجوي العربي في مصر وسوريا والعراق ومعظم البلاد العربية وخاصة تلك الواقعة على خطوط المواجهة مع «اسرائيل» يعتمد على السلاح السوفييتي الجوي وكان اخطر سلاح تخشاه المخابرات المركزية الاميركية وصنيعتها «اسرائيل» هو طائرات الميج 21 سوفييتية الصنع. كانت هذه الطائرة هي هاجس «اسرائيل» وأميركا قبل التفكير في اي حرب مع العرب وخاصة مصر وسوريا اللتين كانتا تعتمدان في سلاحهما الجوي عليها اعتماداً كبيراً.. ولذا كان التنسيق بين جهازي ءة، الموساد قائماً في بداية الستينيات لتأمين الحصول على أسرار هذه الطائرة ولكن كيف؟ كان القدر يرسم خطوات الضابط طيار الملازم شاكر محمود يوسف بدقة نحو نهاية مأساوية لكنها مشرفة عندما وقف قائد كلية الطيران العراقية عام 1956 يعلن اسماء المتفوقين من الطيارين الجدد بالكلية وسط تصفيق وزغاريد الامهات والأهل. كانت لحظة تخرج الملازم طيار شاكر محمود هي اسعد لحظات عمره فقد اصبح طياراً في السلاح الجوي العراقي، تماما كما خطط لنفسه منذ ان كان طفلاً يلهو في شوارع محلة حسن جديد باشا في بغداد حيث ولد عام 1936 الى ان حصل على شهادة الثانوية العامة فكان قراره وقرار اسرته ان يلتحق بكلية الطيران العراقية وها هو اليوم قد تخرج كملازم طيار بالقوات الجوية. بعد لحظات طلب قائد الكلية من الطلبة الاوائل المرور في الغد على مكتبه بالكلية وكان من ضمنهم الملازم الجديد شاكر. دوره أدى الطيار الجديد التحية لقائد الكلية الذي سلمه خطاب الحاقه بدورة تدريبية ببريطانيا لصقل مهاراته وتنميتها لم يصدق الملازم الشاب نفسه لقد اصبحت الدولة تعتمده كطيار مهم في سلاحها الجوي، ولم تسعه الفرحة وهو يخبر أسرته بأنه اصبح من المهمين في وطنه وبعد اسبوع ودع العائلة وسافر الى لندن ومرت الدورة بنجاح ولفت انظار قادته اليه وبعد عودته اصبح الطيار الشاب محط انظار القادة حيث اظهر قدرات خاصة في التعامل مع الطائرات التي تدرب عليها او تلك التي كان يطلع عليها في معارض الطيران المختلفة بالعراق ثم بعد فترة رقي الى رتبة الملازم اول وكانت هذه الترقية دافعاً له لأن يطلب من اسرته الزواج وخطبت له امه فتاة جميلة عاش معها اسعد ايام حياته. الى موسكو ظل الطيار أو الملازم اول شاكر محمود يوسف يتقدم مهنياً الى ان اصبح قائد سرية في القوات الجوية الى ان بدأت القوات العراقية في تطوير طيرانها وسلاحها الجوي وبدأت طائرة الاتحاد السوفييتي الشهيرة تأخذ مكانها المميز في السماوات العربية فقررت العراق ارسال ابرز طياريها للسفر الى موسكو للتدريب على هذه الطائرة قبل عقد صفقة مع الاتحاد السوفييتي لشرائها. سافر شاكر مع مجموعة من زملائه الطيارين الى موسكو للتدريب على اخطر سلاح جوي كان قد ظهر على الارض في ذلك الوقت، وكان من ضمن هؤلاء الطيارين الذين رافقوه الطيار منير روفا الخائن الذي طار بهذه الطائرة الى اسرائيل وسلمهم اسرارها. كان تدريب الطيارين العراقيين شاقاً فالطائرة كانت طائرة قتالية اعتراضية تحتاج الى طيار متميز وجريء يستطيع في حال اتقانه الطيران بها ان يحلق بها خلال نصف دقيقة وهي جاهزة تماماً للاشتباك مع العدو بمجرد ارتفاعها عن ارض المطار او القاعدة التي ستنطلق منها وكان من اهم مميزاتها انها تحلق بعد 150 متراً فقط من انطلاقها لقوة محركاتها الجبارة وكانت المخابرات الاميركية قد توصلت الى نتيجة تؤكد تفوق هذه الطائرة على طائراتها «الفانتوم» و«سكاي هوك» وهاتان الطائرتان كانتا ضمن السلاح الجوي «الاسرائيلي» لذا فإن وصول طيارين عرب الى الاتحاد السوفييتي والتدريب على هذه الطائرة التي من المؤكد انها ستنضم الى القوات العربية على خطوط المواجهة مع «اسرائيل» سيجعل قيام حرب في المنطقة في غير صالح اسرائيل بالمرة. كانت الموساد وءة متفقتان على ان الحرب اذا قامت بين مصر أو سوريا أو العراق واسرائيل فان الطائرة ميج 21 ستحسم الحرب لصالح العرب خاصة وان سوريا والعراق ومصر يخططون لضمها لقواتهم الجوية. لذا لم يكن أمام جهازي المخابرات الاميركي والاسرائيلي سوى اختطاف الطائرة او على الأقل اختطاف طيارها، او في أسوأ الفروض تجنيد احد طياري هذه الطائرة لامدادهم بكافة المعلومات عنها لكي يتلافوا مخاطرها ويطوروا خططهم وطائراتهم على ضوء المعطيات التي يتم التوصل اليها عن طريق جاسوس طيار!! تعليمات محددة عاد الطيار الشاب شاكر من موسكو بعد ان انهى بتفوق دورته التدريبية على الطائرة ميج 21 وبقية زملائه الذين كان ابرزهم الطيار حامد مناص والطيار الخائن منير روفا. بطريقة أو بأخرى كانت ءة قد عرفت اسماء الطيارين العراقيين الذين تدربوا على الطائرة السوفييتية الرهيبة والسرية ومرت السنوات حتى جاء خريف عام 1964 عندما استدعى النقيب شاكر الى القيادة وابلغ هناك ان عليه ان ينضم لدورة تدريبية حديثة بالولايات المتحدة الاميركية. وداع بكت زوجة النقيب شاكر وهي تودعه للمرة الثالثة خلال اقل من 4 سنوات خاصة وانه سيغادر هذه المرة الى الولايات المتحدة الاميركية البعيدة جداً عن العراق.. وطيب زوجها خاطرها ولما زاد بكاؤها صرخ فيها.. هل تريدينني ان اتخلى عن واجب وطني لكي ابقى بجانبك؟ قالت: لا.. ما قصدت هذا لكني منقبضة النفس هذه المرة ولست ادري لماذا. ضحك شاكر وقال لها مداعباً: ربما لأنني سأتغيب شهوراً طويلة هذه المرة ولكن ثقي اني سأطلبك هاتفياً يومياً، قبل اطفاله وودع زوجته وسافر طيار الميج 21 بنفسه الى الولايات المتحدة الاميركية وكان معه الطياران الوطني حامد ضاحي والخائن منير روفا. لقاء الصدفة كان هذا اللقاء يبدو لمن لا يعرف فيما تفكر المخابرات المركزية الاميركية وكأنه مصادفة لكن لم يكن ابداً بهذه الصورة ولكن ماذا يفعل شاب عربي له شهامة ابناء العرب ورجولتهم حينما تشير له فتاة رائعة الجمال وهي تقف بجوار سيارتها المتعطلة في وسط الطريق لكي يساعدها؟ اقترب شاكر من الفتاة: هل لي ان اساعدك؟ ـ اكون شاكرة لك.. لقد تعطلت سيارتي فجأة والطقس بارد كما ترى في تكساس الآن ولا اعرف ماذا افعل؟ ـ اشرحي لي كيف تعطلت.. ـ ابداً كنت اسير بها وفجأة اهتزت هزات خفيفة قبل ان يتوقف المحرك عن العمل نهائياً. ـ هل تسمحين لي بفتح غطاء السيارة.. ـ أمهندس أنت؟ ـ شيء من هذا القبيل... نظر شاكر في محرك السيارة وبسرعة اكتشف ان هناك ثقباً في الانبوب الموصل الى خزان البنزين وبالتالي حدث تسريب في البترول فتوقفت السيارة.. انزعجت الحسناء الاميركية كروثر هكلر من هذه المعلومة وبدأت في البكاء.. لقد ضاع الموعد.. لن استطيع الوصول.. ـ لن يضيع عليك الموعد يمكنك ان تأتي بسيارتي لأوصلك الى حيث تريدين.. ـ والى اين انت ذاهب؟ ـ لا يهم.. المهم ان تصلي في موعدك.. ـ يا لك من رجل شهم.. ما اسمك؟ ـ اسمي شاكر.. ـ هذا اسم شرقي.. ـ نعم.. ـ هندي أنت.. ضحك شاكر وقال لها: الى هذا الحد اشبه الهنود.. ـ اذن لا تقل لي انك عربي.. ـ بالتأكيد أنا عربي.. أفي ذلك ما يزعجك؟ ـ لم اسمع عن العرب انهم بهذه الرقة.. ـ لأنك لم تريهم ولم تعاشريهم، انها مجرد اشاعات ومعلومات مضللة تبثها وسائل الاعلام الصهيونية بالتأكيد. ـ اذن اريد ان اعرف عنكم كل شيء.. ربما استطعت تغيير فكرتي عنكم، ولكن من اي البلاد العربية؟ ـ انا عراقي.. ـ لم اكن اعرف ان العراقيين بهذه الوسامة.. ـ ولكنني اعرف ان الاميركيات بهذا الجمال.. ـ هذا لطف منك.. كان الطريق قد انتهى وبلغت كروثر المكان المزعوم الذي طلبت من شاكر توصيلها اليه وقبل ان تنزل من السيارة قالت له.. ارجو ان تقبل دعوتي لك على العشاء غدا لكي نكمل حديثنا عن العرب وشهامتهم.. ـ ولكن دعيني ادفع الحساب لكي اقبل دعوتك.. ـ وهو كذلك.. ومضت كروثر في طريقها بعد ان نجحت في التعرف على الطيار الشاب دون ان تثير شكوكه. على العشاء في اليوم التالي سألته.. لماذا جئت الى اميركا؟ ـ دورة تدريبية.. ـ على ماذا؟ ـ على فنون الطيران.. فأنا طيار بالجيش العراقي.. ـ رائع.. ـ وأي نوع من الطائرات تقود؟ ضحك شاكر ونظر لها نظرة ذات مغزى فقالت له: هل ضايقك السؤال؟ فقال لها مازحاً: بل ضايقني ان الموسيقى بدأت ولم ننزل الى حلبة الرقص.. هيا بنا.. ظلت الجاسوسة الاميركية طيلة فترة الدورة التدريبية التي كان يتلقاها الطيار العراقي تحاول ان تحصل منه على اية معلومة عن عمله او انواع الطائرات الموجودة بالعراق الا انها فشلت تماماً في هذه المهمة الى ان هاتفها شاكر ذات مساء وطلب لقاءها في اليوم التالي.. تجملت الجاسوسة الحسناء وذهبت للقاء شاكر وهي تمني نفسها بالحصول على ما بذلت فيه جهدا خارقا لكنها لم تفلح، ربما يكون قد غير رأيه وقرر ان يكون لطيفا في اجاباته عن اسئلتها هذه المرة. ـ في صالة المطعم الذي اعتادا اللقاء فيه بدا شاكرا مترددا في الحديث فسألته ما به؟ ـ لا شيء.. ـ ولكنك تبدو حزينا اليوم.. ـ نوعا ما.. ـ لماذا..؟ لقد انتهت دورتنا التدريبية وسنعود للعراق بعد ثلاثة أيام. صرخت الجاسوسة صرخة بها من التمثيل والادعاء اكثر مما بها من احساس حقيقي.. لا يمكن أبدا. ـ ما هو الذي لا يمكن.. أقول لك اني عائد لبلادي.. وتتركني؟! ـ انا متزوج ولي أطفال وقد كنا مجرد اصدقاء.. ـ ولكني احبك.. ضحك شاكر وقال لها: دعك من هذا لقد جئت لاودعك واشكرك على صداقتنا وكان من الممكن ان اغادر دون ان تدري ولكنني اقدر لك الاوقات اللطيفة التي قضيناها في تكساس سويا.. يمكنك أنا تبقى هنا ونتزوج وتترك الجيش العراقي وتلتحق بالجيش الأميركي!! ـ هل هذا كلام أناس عاقلين؟ ـ أقسم لك.. فأنا اعرف اشخاصاً على مستوى عال جداً في الجيش الاميركي من الممكن ان يؤمنوا لك وظيفة براتب خيالي في الجيش الاميركي!! ـ هذا جنون.. انا عائد لبلادي.. لزوجتي واطفالي ولم افكر يوما ان اتزوجك أو أن أبقى بالولايات المتحدة الاميركية.. أنا رجل عسكري.. هل تفهمين! فشلت كروثر في اقناع النقيب طيار شاكر الذي عاد إلى بغداد مع اعضاء البعثة وترك الجاسوسة تلعق جراحها. تكليف جديد عادت كروثر إلى المسئولين عنها في المخابرات الاميركية بخفى حنين بعد ان خسرت الجولة الحاسمة مع الطيار العراقي الذي لم تفلح معه كل وسائل الاغراء حتى تلك الوعود الكبيرة بالمركز والجنسية الاميركية والعيش في الولايات المتحدة بامتيازات تفوق تلك التي يتحصل عليها في بلاده. قال لها الضابط المسئول عنها.. يبدو أنك لم تكوني مقنعة تماما في عروضك له ولم تستخدمي وسائل مقنعة معه. ـ قالت لقد عرضت نفسي عليه كعشيقة او حتى كزوجة لكنه رفض لقد ادرك العسكري انني ابحث عن معلومات عسكرية فرفض وعاند تماما.. ـ ليس امامك الآن سوى حل واحد. ـ وما هو؟ ـ أن تتوجهي إلى بغداد.. هناك يمكن أن يشعر بشيء من الطمأنينة نحن نريد هذا الضابط بالذات وقد كلفنا زميلة لك لنفس الغرض مع زميله حامد ضاحي.. لابد ان نصل إلى هذه الطائرة مهما كلف الامر. ـ ولكن..؟ ـ قاطعها قبل أن تكمل: اليك تذكرة سفر إلى بغداد جهزي نفسك ولا تعودي الا بما طلبناه منك! اذن كانت المخابرات الاميركية تبذل جهدا محموما للحصول على معلومات عن طائرات الميج 21، تريد ان تعرف اسرارها لتوقف مفعولها وكانت المخابرات الاميركية القلقة على وضع «اسرائيل» في المنطقة التي زرعت فيها زرعا تريد ان تؤمن دفاعات «اسرائيل» بأية طريقة بعد ان بدأت مصر في استقدام خبراء المان لتطوير الصواريخ والشروع في الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي في تزويدها هي وسوريا بطائرات ميج 21 وكان لابد من الحصول على هذه المعلومات عن طريق الطيارين او حتى اختطافهم بطائراتهم. في بغداد وصلت كروثر هلكر إلى بغداد بمهمة محددة وهي اقناع الطيار شاكر بالعمل مع المخابرات الاميركية او على الاقل الحصول منه على بعض اسرار هذه الطائرة. دق الهاتف في غرفة الطيار شاكر بينما كان يستعد للنزول من منزله كان موظف الاستقبال في فندق بغداد الدولي على الهاتف: ـ السيد شاكر محمود موجود. ـ نعم انا هو.. من يريده؟ ـ هنا فندق بغداد الدولي.. سيدة أميركية تريدك.. قبل أن يقاطعه شاكر كانت كروثر قد التقطت السماعة وقالت له.. مفاجأة أليس كذلك؟ ـ اهلا يا كروثر ما الذي جاء بك إلى بغداد؟ ـ كي اراك.. ام ننته من هذا الموضوع.. ـ لم استطع لقد سيطرت على كل حياتي.. ـ يا سيدتي أنا رجل عسكري ومتزوج هل تريدين القضاء علي؟ ـ بل اريد ان اجعلك في اعظم مكانة.. اسمع أنا هنا في فندق بغداد الدولي.. سوف انتظرك الليلة.. ـ لا استطيع لدي ارتباطات. ـ لن اغادر العراق قبل أن اراك.. ـ ولكن لا تتصلي بي.. سوف اتصل بك أنا. ـ اذا لم تأت سوف آتي اليك أنا.. ـ يا لك من امرأة.. جريئة. ـ انا احبك يا شاكر الا تفهم.. ـ حسنا.. سوف اتي اليك.. بعد يومين ذهب شاكر للقاء كروثر في فندق بغداد ولكنه استشعر الحرج الشديد خشية ان يراه احد من زملائه او العاملين معه وحاول ان يتخلص منها بسرعة، الا انها قالت له انها عند رأيها فلن تغادر بغداد الا وهو معها.. ـ اذن لن تريني مرة اخرى.. ـ لماذا انت عنيد.. انني اعرض عليك صفقة العمر. ـ وانا لا اريد هذه الصفقة.. ارجو ان تقدري حساسية موقفي؟ ـ انا لا أريد منك سوى أن تكون بقربي وأقبل بكل شروطك. ـ شرطي الوحيد هو أن تعودي إلى أميركا.. ـ موافقة بشرط أن تأتي معي.. ـ مستحيل.. ـ اذن لن اغادر بغداد.. لم يتمكن شاكر من اثناء المرأة التي كانت تنفذ مهمتها بكل اصرار عن العودة عما صممت عليه لذا طلب منها ان تترك الفندق واستأجر لها شقة مفروشة في منطقة الكرادة الشرقية في بغداد وكانت العمارة تطل على نهر دجلة واصبح كل بضعة ايام يسترق بعضا من الوقت لزيارتها ويحاول اقناعها بالعودة إلى اميركا الا انها لم توافق ابدا.. وفي الوقت نفسه لم تستطع هي الاخرى الحصول منه على اية معلومة جديدة من المعلومات العسكرية المطلوبة فاتصلت برؤسائها في اميركا تستشيرهم في امر هذا الطيار العنيد. قال لها رئيسها.. سأزودك باسم عميل يهودي عراقي موجود في بغداد يمكنك الاستعانة به على هذا الرجل اذا فشلت نهائيا، حيث هناك حل آخر. اتصلت كروثر باليهودي العراقي وابلغته ما قيل لها فاتفق معها على التنسيق والنظر في امر هذا الطيار وطلب منها عندما يزورها في المرة المقبلة ان تقول له انها تجمع معلومات لهيئة دولية تهتم بشئون ومصالح الدول العربية. لقاء عاصف بعد هذه المكالمة بساعات جاء شاكر للاميركية العميلة وقال لها: ارجوك لدي عمل يتطلب مني ان اغيب بضعة ايام، واذا كنت تحبيني فعلا غادري العراق ومن المؤكد اني سأحضر اليك يوما في اميركا.. بكت كروثر وقالت له.. سأقولها لك بصراحة.. اريد منك اذا كنت ترغب في مغادرة العراق فعلا ان تعطيني بعض المعلومات التي اجمعها لهيئة دولية تهتم بالشئون العربية. غضب شاكر عند سماع هذه الجملة غضبا شديدا وقال لها اذا لم تكفي عن هذه المحاولات القذرة فسوف ابلغ عنك السلطات واتهمك بالتجسس.. افهمت ام لا.. ثم استطرد.. والآن حاولي ان تجمعي اغراضك وتسافري في الغد وسوف امر عليك غدا لأصطحبك إلى المطار.. نهاية بطل كان شاكر عازما فعلا على اجبارها على السفر في الموعد الذي حدده لها ولكنها كانت قد ابلغت رؤساءها بما حدث منه ووعدها خيرا. في اليوم التالي طلب شاكر من زوجته ان تنتظره على العشاء ليحتفلا سويا بعيد ميلادها، فاليوم هو 6 يوليو من عام 1965 ولكن قبل ذلك عليه ان يقضي مشوارا سريعا.. ولم تسأله زوجته وللمرة الاولى عن وجهته ولكنها ادركت انه مشوار لا يخص عمله فقد غادر بيته بلباس مدني لم يزد عن قميص وبنطلون عادي كما ترك مسدسه العسكري بالبيت فاعتقدت انه ذاهب ربما لشراء هدية لها من السوق وسيعود بسرعة. صعد شاكر إلى شقة كروثر دون ان يراه احد او يلاحظ حتى دخوله البناية وترك سيارته في شارع جانبي شبه مظلم وسار مسافة ليست بالقصيرة قبل ان يصعد إلى الشقة. استقبلته كروثر مهللة وكانت ترتدي كامل ملابسها وتحمل حقيبة يدها وكأنها ستخرج او بانتظاره لتخرج معه. ـ سألها هل ستخرجين..؟ ـ معك.. ـ ولكني ليست قادماً للخروج معك.. ـ لماذا جئت اذن؟ ـ جئت اسألك هل قررت السفر ام لا.. ـ اتريد الجواب؟ ـ لا جواب عندي سوى ان تقولي نعم وننزل من هنا إلى المطار مباشرة.. ـ لكنك لم تسمع جوابي.. لابد ان اقول رأي. ـ وما هو رأيك؟ عند هذه اللحظة دست يدها في حقيبتها واخرجت منها مسدسا صوبته نحو صدره واطلقت طلقتان سقط بعدهما شاكر متخبطا في دمائه.. وعندها قالت للجثة المسجاة امامها.. هذا هو جوابي ا يها الوطني الغيور!! هروب وقتل لم تمض اربع وعشرون ساعة حتى صارت بغداد كلها تبحث عن الطيار المميز الذي اختفى دون سابق انذار إلى ان عثر عليه جثة بالشقة التي كان قد استأجرها للعميلة الاميركية. دارت التحقيقات التي شملت كل المشبوهين إلى ان وصلت المباحث إلى اليهودي الذي كان يعطيها تعليمات خاصة بالتعامل مع شاكر حيث قبض عليه واعترف بأن التي قتلته العميلة الاميركية كروثر هلكر. ـ واين هي الآن.. ـ سافرت إلى بريطانيا..! بلغ المخابرات الاميركية ان السلطات العراقية عثرت على جثة الطيار وانها تحقق الآن مع اليهودي العراقي الذي لعب دور الوسيط داخل العراق مع العميلة وانه اعترف عليها وارشد عن مكانها في لندن.. بعد ثلاثة ايام من القبض على اليهودي العراقي كانت الصحف البريطانية تنشر خبراً في صفحاتها الاولى يقول: العثور على جثة اميركية تدعى كروثر هلكر منتحرة في غرفتها بالفندق.