الاحد 19 رمضان 1423 هـ الموافق 24 نوفمبر 2002 اجرت صحيفة «لوس انجلوس تايمز» حوارا مؤخرا مع اورهان باموك، احد ابرز الكتاب والمفكرين الاتراك ودار الحديث حول مجموعة من القضاء ابرزها تأثير نتيجة فوز الاسلاميين الاخير في الانتخابات التركية على الحياة السياسية في البلاد. وما اذا كان فوز حزب العدالة والتنمية سوف يزيد من تعثر جهود انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، وكذلك موقف رئيس حزب العدالة رجب الطيب اردوغان من الحرب الاميركية المحتملة على العراق ورد الفعل الاميركي على نتائج الانتخابات الاخيرة. وفي مايلي نص الحوار: ـ تم اختيار حزب العدالة والتنمية الجديد ليقود مسيرة تركيا في القرن الجديد كيف ترى ذلك الفوز الذي حققه الحزب؟ وهل يمثل هذا الفوز تحديا للعلمانية، ام انه تأكيد على الديمقراطية العلمانية؟ ـ انني لا اريد للامر ان يكون تحديا للعلمانية فزعيم الحزب رجب الطيب اردوغان يؤكد دوما على حقيقة انه لايريد من احد ان يطلق عليه صفة «اسلامي» وانه يفضل صفة «ديمقراطي مسلم» وهو المسمى الذي يعد بطريقة او باخرى المقابل الجديد لـ «الديمقراطي المسيحي» في تركيا. فهو يصف نفسه بـ «المحافظ» ومن زاوية ووجهة نظر اخلاقية يتعين علينا ان نوافق على ذلك ونقبل هذا التوصيف، على الاقل في الوقت الحالي وعلى الجانب الآخر، فان الامر لايعد سرا فالرجل له خلفية اسلامية قوية ومن واقع منصبه كمحافظ لاسطنبول في الفترة من 1994 الى 1998 لم يخف اردوغان قط حقيقة انه سياسي اسلامي طوال تلك المدة، ووصل به الامر الى انه قضى عدة سنوات خلف القضبان مسجونا بسبب عدم اخفائه تلك الحقيقة وبالتالي علينا ان نضع في اعتبارنا تلك الامور ونرى ماذا سيفعل في الفترة المقبلة. وبالطبع، عندما يتولى اصولى سابق مقاليد السلطة فان المرء ينتابه بعض القلق حتى اذا كان هذا الشخص يحاول طوال حملته الانتخابية ان يطمئن الشعب الى ان الفترة التي شهدت نشاطه الاسلامي الاصولي انتهت وولت وانه الآن مستعد للمضي قدما نحو تنفيذ الاصلاحات. اردوغان ليس السلطان محمد او كمال اتاتورك! فحتى وقت قريب كان يعارض بشدة الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، ولكن عشية انتخابه قال: نحن (الاتراك) تأخرنا عن الانضمام الى عضوية الاتحاد الاوروبي. هذا يعد نموذجا للاسلوب التركي في العمل فالطريقة التي يستخدمها اردوغان في محاولة تهدئة رجال الاعمال والمجتمع الدولي يذكرني بالجنود الذين بعد قيامهم بانقلاب عسكري ناجح يستخدمونه الطريقة نفسها في مخاطبة شعبهم ولكن، بالطبع، اردوغان تم انتخابه بشكل ديمقراطي، وبعد ان حقق حزبه الاغلبية فانة يملك الآن مرونة اكثر للتحرك نحو المركز ليصبح اكثر شعبية. ولكن لاتزال هناك تلك الحقيقة الغريبة المتمثلة في وجود شخص قضى 25 عاما من حياته السياسية في زرع بذور المشاعر المعادية للغرب، ويأتى لنا بعد ذلك ليقول انه سوف يدفع تركيا في اتجاه اوروبا! فعن الواقع سينطوى الامر على قدر كبير من المفارقة اذا صدق في توجهه هذا ولكن اذا اردت الصراحة فانني على المستوى الشخصي لست متفائلا بشكل كبير. ـ احد المحللين السياسيين من اسطنبول قال مؤخرا ان فوز اردوغان يستشرف «موت السياسة في تركيا كما نحن نعرفها فهذا الانتخاب يمثل دعوة حقيقية لبدء نوع جديد من السياسة في تركيا» هل هذا يعد مبالغة؟ ـ لا. فهذا يعني ان الفترة الطويلة التي شهدت الحكومات الائتلافية قد ولت فاردوغان سيتمتع بقدر كبير من السلطة وسنرى ماذا سيفعل بهذه السلطة فحقيقة الامر هي انه كان محافظا ناجحا جدا في اسطنبول وهذا هو الامر الذي اكسبه سمعة طيبة ولكن على الرغم من ذلك فأنا لا اعتقد ان مثل تلك الحقيقة ستغير الكثير وانا على يقين من انه عند مرحلة معينة سوف يحاول العلمانيون زج الجيش في الصورة على الرغم من انني لا اتمنى ان يتدخل الجيش في مجريات الامور فالمشكلات الاقتصادية التي تعانيها تركيا مستفحلة ولايبدو ان هناك احدا يستطيع حلها حاليا فنحن في حاجة الى وقت وديمقراطية كي يمكننا حلها ولكننا اخشى ان يداهمنا الوقت بسرعة فمن المستحيل ان نرضى طموحات شعب في دولة تملك هذا القدر الكبير من المشكلات التي تقف على رأسها الازمة الاقتصادية الطاحنة. ـ في الوقت نفسه لا يمكن لاردوغان قانونيا ان يكون رئيس حكومته المنتخبة وهي حقيقة غريبة تزيد من تعقيد الموقف. ـ هذا الامر يعد وصمة عار في جبين الديمقراطية في تركيا ففي غمار الانتخابات لم يشر احد الى حقيقة انه من المرجح ان الفائز لن يسمح له بالاشتراك في البرلمان لانه انشد بصوت عال منذ سنوات قليلة قصيدة اسلامية، وان مثل ذلك الامر يعد مخالفا للقانون والامر يسبب كذلك احراجا للاتحاد الاوروبي فخلال السنوات الماضية كان الاوروبيون يولون اهتماما بسجل حقوق الانسان لدينا وتدخل الجيش في السياسة وعملية احراق الكتب واخضاع الهوية التركية لمنهج معين. فأوروبا والغرب كانا يوليان اهتماما لكل تلك الاشياء ولكنهما لم يوليا انتباها الى حقيقة ان محافظ اسطنبول اعفاؤه من منصبه وجرى اعتقاله لانه كان اسلاميا. وفي حقيقة الامر فقد ادى اعتقاله هذا الى تزايد شعبيته، فالشعب هنا كان قد ضاق ذرعا من الموقف السياسي السابق لاسيما في ظل وجود حكومة فاسدة شريرة قامت باعتقال اردوغان وبفعلتها تلك صنعت منه بطلا وقام الشعب نتيجة ذلك بانتخابه. ـ ان الابيات التي انشدها اردوغان عام 1997 كانت كالتالي: «المساجد هي ثكناتنا والمآذن حرابنا» فما هي حقيقة تلك القصيدة الشهيرة التي سببت ابعاد القائد الجديد عن البرلمان؟ ـ ان الامر يمثل قمة المفارقة فتلك القصيدة كتبها شخص كردي يعد من اعظم الباحثين في اسس القومية التركية وكان هذا الشخص شاعرا ايضا وكتب تلك القصيدة التي اعجب بها بعد ذلك الاسلاميون واضافوا اليها بيتين فهذه القصيدة يتم من خلالها تشبيه المساجد بالثكنات وحدث ان قرأها اردوغان اثناء لقاء له مع بعض السياسيين القدامى ولم يكن يتوقع ان يحدث نتيجتها شيء وقام ايضا بانشادها في احدى المدن التي تسكنها غالبية كردية انها ليست قصيدة جيدة. ـ لقد قلت ان سر نجاح رواياتك في تركيا هو انها تبحث عن توازن بين الشرق والغرب. وقلت انه بدون هذا التوازن يمكن ان تتدهور الاحوال في تركيا، ولقد استشهدت بقول احد المؤرخين الفرنسيين الذين عاشوا في القرن التاسع عشر ومفادة انه: «من اجل ان يتم خلق وايجاد دولة جديدة فإن المرء بحاجة الى نسيان اشياء كثيرة، وان الدولة عبارة عن اتحاد مكون مما نتذكره وليس مما ننساه.. وفي ضوء نتائج الانتخابات الاخيرة هل يمكن القول ان تركيا تحاول مجدداً، كما كانت الحال ايام كمال اتاتورك او السلطان محمد، ان تقلل من ارتفاع صوت الاسلام حيث يتسنى قبولها من المجتمع الغربي الاوسع نطاقاً، او في اوروبا على وجه التحديد؟ ـ هذه المرة الامور مختلفة لأن اردوغان يحاول ان يخفض من صوت الاسلام، على الرغم من تاريخه الاسلامي. ولكن عند هذه النقطة فإن اسباب التغيير تتعدى حدود الدين والتراث. فالذي يحدث هو اننا نعاني ازمة اقتصادية كبيرة. فالحكومة السابقة كانت تدار بشكل سيء، وكان الشعب يستشيط غضباً بالفعل. وكان البديل الايديولوجي الذي جمع بين الوعد والحقيقة، هو توجه اسلامي معتدل، فقادة الحزب الذي مثل هذا الاسلام المعتدل كانا اكثر اقناعاً، واستخدموا نبرة وشعارات عملية للغاية فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، والعلاقة مع الاتحاد الاوروبي والعلاقة بعالم التجارة والاعمال، ولكن اذا رفض الغرب والاتحاد الاوروبي هذا التوجه، واذا فشل الاسلاميون في تحسين الاقتصاد واخراج البلد من الازمة، فسوف نكون في مأزق كبير. وبالطبع كما قلت، فإن من الصعب ارضاء طموحات شعب في بلد يعاني الجميع فيه من الفقر وتتزايد معدلات البطالة يوماً بعد يوم. ولذلك فإنه اذا فشل اردوغان في المحافظة على وعوده العصرية فإنه ربما يتحول الى النمط الاسلامي السياسي مرة اخرى، الذي بدوره يعد نوعاً اخر من القومية يؤدي الى الاتجاهات المعادية للغرب، وكره الاجانب، وحينذاك يمكن ان يتدخل الجيش، ولا يريد احد منا ان يحدث هذا. ـ ماذا سيكون تأثير الامر على تركيا اذا شنت الولايات المتحدة الاميركية حرباً على العراق في ظل وجود اردوغان على رأس السلطة؟ ـ حسناً، لا اعتقد ان اردوغان سوف يمثل عائقاً امام الحل الاميركي للمشكلة، فقد قال بالفعل انه لا يريد جاراً ينتج غازات سامة، وبذلك يقول ضمنياً لأميركا «انني سوف اتعاون معكم في مجال السلام تماماً كما كانت الحال مع الحكومة السابقة». فاردوغان يريد ان يطمئن الجميع ولسان حاله يقول: «من فضلكم انسوا ماضيي الاصولي انسو الدين، انسوا الماضي! فالدبلوماسية العصرية هي هدفه. ولذلك فان اميركا في الوقت الحالي ستكون اخر من يقلق من فوز اردوغان. ـ هل تعارض الحرب على العراق؟ ـ نعم، انني اعارض حقيقة ان اميركا تتجاهل المجتمع الدولي في هذه القضية، فالمجتمع الدولي يقوم بالضغط على صدام بشكل اكثر فعالية. ربما يعتبر تفكيري ساذجاً في هذا الشأن، ولكنني اعتقد ان الحرب ليست ضرورية. فالولايات المتحدة تستأسد على العالم، ولكن على الرغم من ذلك فإن الرئيس العراقي صدام حسين بالطبع يعد اكثر سوءاً. ـ بعد مأساة سبتمبر ينظر معظم الاميركيين للاسلام على انه اخطر قوة في العالم اليوم، بينما يرى الاوروبيون ان هذا الخوف الاميركي مبالغ فيه. وعلى الرغم من ذلك فإن احد الاسرار المعروفة في اوروبا هو ان احد الاسباب الرئيسية وراء تعثر انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي هو ليس ملف حقوق الانسان ولكن التهديد الذي يمثله 60 مليون مسلم في تركيا سوف يأتون بإرث من المشكلات الدينية الى الاراضي الاوروبية؟ ـ هناك قضيتان هنا. دعني اوضح بعض الامور الخاصة بأميركا. فمن الطبيعي ان يكون الاميركيون غاضبين وقلقين بعد احداث سبتمبر. ولكن المفكرين الاميركيين يجب ان يكونوا قادرين على التمييز بين الاسلام السياسي والاسلام المتشدد من ناحية والاسلام شأن اي دين سماوي اخر. اعلن ان هذا الامر قد ذكر من قبل، لكن للأسف لا يتم تسجيل ان الاسلام تتم مهاجمته على انه قوة شريرة من قبل معظم الاميركيين، وحتى من قبل وسائل الاعلام الاميركية، ويؤدي هذا الامر الى تزايد امد المشكلة، بدلاً من حلها. فتصوير الاسلام بشكل خاطئ على انه دين متشدد يدعو الى التسلح والحرب من قبل الاميركيين يغذي مشاعر كره الغرب، وبغض الاميركيين هنا ايضاً في تركيا. فكلما زادت اهانة الاعلام الغربي للاسلام، زاد كره الناس للغرب والاجانب. ولا يمثل الامر اي مفاجأة لي عندما ارى انه في بعض الدول، بصرف النظر عن العراق، يتم تصوير الرئيس العراقي ليس كطاغية ينتج اسلحة خطرة ولكن كقائد وزعيم اسلامي لا يألو جهداً في سبيل خدمة وطنه. اما بالنسبة لأوروبا، فإن الامر اقل تعقيداً، فالدين يمثل جزءاً كبيراً من الخوف الاوروبي. فليس الاسلام او سجل حقوق الانسان في تركيا ـ الذي ينطوي على قدر كبير من الفظائع ـ يمثلان الاسباب الرئيسية وراء تعثر انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي، وانما السبب الحقيقي وراء ذلك هو اننا لدينا 20 مليون شخص عاطل لا يملكون فرصة عمل ولا تبدو عملية علاج الاقتصاد التركي الا حلماً بعيد المنال. فلو كان اقتصادنا قوياً، مثل اقتصاد اليابان، ما جرؤ احد حتى اوروبا ان يتكلم عن الاسلام، ولكانوا قبلوا انضمامنا على الفور. فحقوق الانسان والاسلام هما افضل عذران تستخدمها اوروبا لتجنب متاهة الفقر التي نعيش فيها. ـ لطالما كنت متفائلاً، ولكن في هذه المرة استشعر وجود قدر من الغضب والشك لديك. ـ انني دائماً متفائل، ولكنني ايضاً شخص يخبئ مخاوف سرية. لماذا؟ لأن هذه المخاوف في تركيا هذه الايام تعتبر شديدة العدوى وتنتشر بسرعة. لذلك يتملك الخوف الكثيرين. فهناك الخوف من الاسلام، ومن العلمانية، ومن مستقبل اردوغان ومن ماضيه. فإذا انتشرت هذه المخاوف في الدولة كلها، وبين العلمانيين، وبين نسبة الـ 65% من الشعب الذين لم ينتخبوا اردوغان، فنحن سنكون على موعدمع انقلاب عسكري اخر، وكما قلت سابقاً، فإني لا اريد ان يحدث هذا. انني اريد ان ينجح اردوغان، واريد من الجيش ان يبتعد عن السياسة. واردوغان يقوم حالياً بفتح طريق ضيقة، فإذا نجح في مساعيه، فإن تركيا يمكنها ان تكون مجتمعاً اكثر ليبرالية وأكثر انفتاحاً. لذلك كل ما استطيع ان اقوله لك ولأصدقائي ولمخاوفي هو: الرجاء الانتظار ورؤية ماذا سيحدث! ترجمة: حاتم حسين _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»