الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 طائرة هيليكوبتر يتم إسقاطها، تبادل قصير ومكثف لإطلاق النار، لغم يفجر عن بعد ينسف عربة نقل مسلحة، قرية تسد مداخلها ثم يبدأ تفتيشها، منزلاً منزلاً: هكذا يسير سيناريو حرب الشيشان في مخططها الوحشي المعتاد، لتحصد في كل يوم أرواح أربعة أو خمسة من المقاتلين بالإضافة إلى أعداد لايمكن تحديدها من المدنيين. وحده الحصار الذي تم فرضه على مسرح موسكو كان قد نجح في تسريب اخبار هذه الحرب، التي ظلت قيد التعتيم الروسي بسبب الرقابة القوية المفروضة من قبل الكرملين على وسائل الإعلام كما نجح في تقديم صورة جديدة مروعة للرأي العام الذي ظل يشعر بالرضا تجاه مجريات الأحداث فهؤلاء الفتية الشيشانيون يسعون إلى الشهادة. وللرد على ذلك، قطعت الحكومة الروسية على نفسها عهداً بالقضاء نهائياً عليهم، ولا يصدق إلا القليلون أنها ستتمكن من الوفاء به. المسئولون الحكوميون الروس من بوتين إلى وزير الدفاع سيرجي إيفانوف إلى أصغر مسئول في الحكومة الروسية يقولون انهم سيشنون حملة من «من الإجراءات المشددة الواسعة النطاق» ضد المقاتلين الشيشانيين. وفيما يتحدث ايفانوف عن خطط لضرب معسكرات التدريب و«من يقفون وراء تقديم الدعم الايديولوجي أو المالي» للإرهاب، يدعي الشيشانيون أن ذلك لا يؤثر فيهم، تقول مصادر المقاتلين الشيشانيين:«لكنهم الآن يشنون حرباً شاملة، فما الذي سيفعلونه أكثر من القضاء على كل من يصادفونه في طريقهم ؟». المراقبون العسكريون أنفسهم يبدون متشككين، يتوقعون اشتداد العمليات العسكرية الروسية عوضاً عن التوصل إلى حل حاسم جديد. يقول إيفان سافرانتشاك من المركز المستقل للمعلومات العسكرية ومقره الرئيسي في موسكو «لا أميل للإعتقاد بحدوث تغير كبير في الإستراتيجية، حيث أن ما يحدث الآن هو مجرد عمليات إنتقامية». ذلك الإنتقام كان قد استفاد من تكتيك جرى تنفيذه على الطريقة الإسرائيلية. ففي ضاحية اشخوي مارتان الواقعة على بعد 35 كيلومتراً إلى الجنوب الغربي من العاصمة الشيشانية غروزني، قام رجال يرتدون الزي العسكري بنسف منزل أسيت غيشموركاييفا، إحدى المهاجمات اللاتي قتلن في اثناء الحصار الذي فرضه المقاتلون الشيشانيون على مسرح موسكو. وكما يتضح من كل ما يجري، فإن بوتين يريد أن يدعي نصراً كاسحاً على نحو سريع. تقول مصادر مقربة من القوات الروسية ان قوات من وحدات الفا وفمبل لمكافحة الإرهاب ـ وهي الوحدات نفسها التي قامت بعملية مسرح دوبروفكا في 26 اكتوبر الماضي ـ ستغادر في وقت قريب إلى إقليم الشيشان لإقتفاء آثار قادة المقاتلين. وعلى الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها إرسال نخبة مختارة من تلك الوحدات إلى الشيشان، فإلى جانب هذه المجموعات هناك مجموعات مشابهة من فرق الإستخبارات ووحدة «جي.آر.يو» كلها تزاول عملها هناك، وبسبب ممارساتها الوحشية يوجه لها نشطاء في منظمات حقوق الإنسان الإنتقادات إلا أن قرار إرسال هذه الوحدات يوحي بأن الكرملين يبحث عن ضربة دعائية كبرى. ومما لاشك فيه أن شخصية مثل شامل باساييف ستكون مرشحة على رأس أي قائمة مستهدفة للتصفية من قبل القوات الروسية. لاسيما وأن باساييف (37 عاماً)، كان قد أعطى الضوء الأخضر لعملية الهجوم على المسرح، وحسب مصادر المقاتلين الشيشانيين، كان هو العقل المدبر. وهو القائد الأكثر نفوذاً الذي ما زال على قيد الحياة، وعلى نحو يشكل مفارقة كان قد تلقى تدريباته القتالية الأولى في جورجيا حيث كان يعمل في صفوف المرتزقة قبل عشر سنوات من الآن، وكان يتلقى تدريباته على يد قوات «جي.آر.يو» وفي أعقاب فقده أحد ساقيه خلال معارك الإنسحاب المأساوية من غروزني التي قامت بها القوات الشيشانية في مطلع عام 2000، لجأ إلى مسقط رأسه في ضاحية فيدينو الواقعة على بعد 50 كيلو متراً إلى الجنوب الشرقي من العاصمة الشيشانية حيث القبضة غير المحكمة للقوات الروسية. وعلى الرغم من أنه منذ إصابته لم تتسن له فرصة القيادة الميدانية إلا أنه ظل القائد الأكثر شباباً، الذي يحتاج إلى توجيهات القادة الأكثر تشدداً. وعلى الرغم مما يشكلونه من تهديد إلا أن أعداد المقاتلين الشيشانيين القليلة لاتزيد على ألفي مقاتل على أكثر تقدير وخلال السنوات القليلة الأخيرة ظلت تعاني من إصابة أعداد كبيرة من أفرادها في الوقت الذي تعاني قيادتها الحالية من الإنقسام الحاد بين باساييف وأصلان مسخادوف، الضابط السوفييتي السابق والزعيم الشيشاني الشرفي. وعلى الرغم من أن الشيشانيين من جانب آخر هم قادة بارعون في التكتيك الحربي ولديهم الكثير من الأسلحة التي قاموا بشرائها من الروس اضافة الى المعنويات العالية، وباستمرار ظلوا يحاربون روسيا من اجل الحصول على الإستقلال و من أجل المفقودين من أقربائهم إلا أن روحية الإستشهاد في مرحلة ما بعد حصار مسرح موسكو تبدو كما لو أنها قد أعطت حربهم زخماً جديداً مذهلاً. بقلم: بول كوين جدج _ ترجمة: مريم جمعة فرج عن «تايم»