الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 أصبح قائد أقوى قوة معارضة مسلحة في العراق أقرب في موقفه إلى دعم الخطط الأميركية للاطاحة بالرئيس العراقي. وسيصبح هذا الدعم من جانب محمد الصدر باقر الحكيم، زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، سيصبح بالتأكيد عنصراً جديداً مرحباً به في هذه المخططات الأميركية. وهذا الترحيب المتزايد من جانب الحكيم، بعد رفضه لأي تدخل عسكري أميركي في خطاب له كان قد ألقاه الربيع الماضي، يعكس موقفاً متغيرا في البلاد التي يعيش فيها الآن مع انصاره، وهي إيران. والمجلس الأعلى عنصراً واحداً ضمن آلية العلاقة الأميركية ـ الايرانية المركبة، وعلى الرغم من ان الرئيس الأميركي جورج بوش أدان إيران باعتبارها حسب وصفه لها جزءاً من «محور الشر» وأن هذه الادانة لاتزال تطن في الآذان في طهران، إلا ان واشنطن وطهران تتشاركان بأهداف استراتيجية أكبر. ويتكهن المراقبون بأن من شأن تبادل محتمل لتحقيق المصالح بين العاصمتين ان يسفر عن استخدام محتمل من قبل القوات الخاصة الأميركية للقواعد العسكرية الإيرانية وتدمير قواعد الميليشيات المعادية للحكومة الايرانية الموجودة في العراق على يد القوات الأميركية ومساهمة إيران في القضاء على الميليشيات المرابطة في العراق المرتبطة بتنظيم القاعدة.ويقول دبلوماسي أوروبي في طهران: «الافتراض الأساسي السائد هو أن الايرانيين مهتمون بالتعاون لان لهم موقفاً معروفاً من الرئيس العراقي كما أنهم لا يريدون ان يتخلفوا عن الآخرين وحدهم. وبالتأكيد فإن لديهم شيئاً ليعرضوه:إ ن لديهم نفوذاً بين أبناء الجنوب العراقي، ولهذا فإن من الأفضل أن يكون نفوذهم إيجابيا وليس سلبيا. وقد يكون مفتاح هذا الدور هو كيف سيتصرف الحكيم رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق. فثمانية من اخوة الحكيم، معظمهم رجال دين، لقوا مصرعهم في ظل نظام الرئيس العراقي. كما أنه هو نفس كان قد تعرض للتعذيب في السبعينيات، وهو ما أجبره على الهرب منفياً، والحلم منذ ذاك أن ينهار النظام العراق الحالي. غير ان للحكيم تحفظاته على هجوم أميركي على العراق، حيث يقول: «نحن نتفق مع الأميركيين في الهدف، غير اننا نختلف حول الطريقة. ونحن لا نريد ان يتعرض الأبرياء للقتل، كما نريد الحفاظ على وحدة البلاد واستقلالها وبناها التحتية. وتابع: «إذا اتسقت الخطة الأميركية مع هذه الضوابط فستعاون معهم. لكن إن كانت القضية غزواً للعراق أو تنصيب حاكم أميركي له، فاننا لن تستطيع التعاون معهم. ويوضح انه ارسل هذه التحفظات الى واشنطن في اغسطس الماضي مع ابنه الوحيد الباقي على قيد الحياة، حينما اجتمع مع المسئولين الأميركيين وباقي زعامات المعارضة العراقية.غير ان هذا الحوار اصبح مرتبطاً الآن باحساس متنام سائد في إيران ـ التي تستضيف لواء بدر، وهو القوة المقاتلة للمجلس وقوامهم ما بين 8000 إلى 10000 رجل ـ بأن الهجوم الأميركي على العراق أمر محتوم. والمحتمل بالنسبة لدور المجلس الاعلى ان يعتمد على سياسة ايران المعلنة تجاه القضية وهي «الحياد الفاعل» ويوضح الدبلوماسي الأوروبي: «ان المجلس هو بالقطع كيان مرتبط على نحو وثيق مع طهران. وكان الحياد الفاعل في افغانستان يعني دعم التحالف الشمالي المدعوم أميركيا. وليس هناك اي مبرر ينفي كونه غير ذلك في العراق. لقد كانت ايران مفيدة جدا بالنسبة للقوات الأميركية في حرب افغانستان، حيث قدمت لهم سرا بيانات مهمة لتوجيه النيران على أهداف طالبان، فيما وافقت علنا على هبوط الطيارين الأميركيين اضطراريا في ايران. غير ان المكافأة الأميركية لايران وهي تصنيفها ضمن «محور الشر»، كانت ايماءة سلبية لاتزال تؤلم الايرانيين. ويقول محلل ايراني، طلب عدم ذكر اسمه، إنه على الرغم من «الفقدان العميق للثقة بين الجانبين، فإن الحرب المقبلة قد تكون فرصة لتوحيد المواقف». وللمجلس الاعلى في العراق علاقات وصلات أوسع نطاقاً من أي مجموعة عراقية معارضة أخرى. ويقول المحلل الايراني: «النقطة المهمة هي كيف سيكون دور المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق فيما بعد الرئيس العراقي الحالي، وايران قد تكون عاملا مهما بهذا الخصوص، أي في الاستقرار». وكانت إيران قد نفت صحة التقارير التي ترددت الشهر الماضي ومفادها أنها عرضت على الولايات المتحدة استخدام القواعد العسكرية الايرانية بمحاذاة الحدود مع العراق. إلا ان معهد دراسات هو سترانفور الأميركي قد علق على هذا النفي بالقول إن «فكرة نشر قوات أميركية على الحدود العراقية الغربية فكرة جذابة. والنفي الايراني لهذا الاحتمال قد يكون مؤشراً الى قرار إيراني بالحصول على تنازلات مستقبلية من واشنطن». مثل هذا الرأي ينبع من الاجماع السائد بين المتشددين والاصلاحيين في ايران على السواء، وعلى الرغم من الخلاف المتأزم بينهم، بأن ايران يجب ان «تكون لاعبا فاعلاً في هذه الحملة على العراق» كما يقول شاهرام تشوبين الخبير في الشئون الايرانية ورئيس مركز البحوث في مركز جنيف للسياسة الأمنية في سويسرا. يقول تشوبين: «السؤال الكبير في ايران هو: بيد من سيكون الايقاع الزمني لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة؟ من الواضح ان العناصر المحافظة تريد ان تمسك هي بضبط هذا الايقاع، لانها ستكسب شعبية في إيران، وستحصل بهذا على طريقة لتجريد الاصلاحيين من شعبيتهم». من الناحية الرسمية، تعارض ايران اي حرب على العراق، فيما تصر على القول إن بغداد يجب ان تلتزم بمطالبة الأمم المتحدة بنزع السلاح. وقد اسهمت عقود من الخطابة العنيفة المعادية لأميركا في جعل أكثر الخطوات التصالحية معها اعتدالا شيئا صعباً. وقبل اسبوعين طالب آية الله أحمد جنتي في خطبة الجمعة أولئك الذين يدعون لعلاقات أفضل مع أميركا بأن «يتوبوا». على الرغم من ذلك، فإن المصالح الاستراتيجية لاميركا وإيران تتفق في ما يتعلق بالعراق. ومن الفوائد التي ستجنيها إيران قطعاً تدمير القواعد العسكرية الخمس في العراق التابعة لجماعة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة، والتي نفذت مجموعة من الهجمات في ايران، وصنفتها وزارة الخارجية الأميركية ضمن خانة المنظمات الارهابية. ويقول دبلوماسي غربي: اذا اراد وزير الخارجية الأميركي كولن باول ان يترك انطباعاً جيدا في ايران، فعليه ان يأمر القوات الأميريكة الخاصة المحمولة جواً بأن تدمر قواعد مجاهدي خلق. ومن الفوائد الممكنة لاميركا بالمقابل ان يقدم الايرانيون المساعدة في القضاء على وجود حدود للقاعدة في الجيب الكردي شمال العراق. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت عن جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني وهو احد التنظيمين الكرديين الرئيسيين في العراق قوله في دمشق، مؤخراً، إن ايران «وعدت بمساعدتنا في هذه الخطة».ويقول الدبلوماسيون الغربيون إن طموحات المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق في تأسيس جمهورية إسلامية في العراق قد تم التخلي عنها منذ زمن طويل. وتعهده الحالي يتمثل في ارساء «حكومة ديمقراطية لكل» العراقيين بمن فيهم الاقلية الكردية والسنة العراقيين. آما ترجمة هذه المصالح المتقاطعة الى دفء في العلاقات الايرانية ـ الأميركية فيعتمد على خطط الحرب الأميركية. غير ان استخدام قواعد ايرانية عسكرية في هذه الحرب قد يكون مؤشراً مبكراً. ويقول الدبلوماسي الغربي: «يبدو الايرانيون مستعدين لأي شيء مع الأميركيين في اللحظة الراهنة. ومادام هذا التعاون يجري على مستوى محدود فسيكون بمقدورهم مواصلة التمسك بالمواقف المعلنة». ترجمة: جلال الخليل _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»