الجمعة 17 رمضان 1423 هـ الموافق 22 نوفمبر 2002 هناك عاملان اساسيان ساهما بشكل اساسي في قيام الدولة العبرية ويمكن اعتبارهما العمود الفقري للفلسفة التي قامت عليها فكرة هذه الدولة العامل الاول هو انه لا اصدقاء لهم عندما تتعارض مصالحهم مع هذه الصداقة! والعامل الثاني هو ان كل شيء مباح وشرعي في نظر اليهود اذا ما كان يخدم مبدأ قيام وتثبيت الدولة. من هذا المنطلق فان المجتمع اليهودي كله يتعامل مع المجتمعات الاخرى وكأنه كتلة واحدة متفقة على هدف واحد هو بقاء «اسرائيل» او استمرارها في الوجود كدولة واضعين في اعتبارهم ان القوة والمكر والخديعة هي التي خلقت لهم هذا الكيان وسط جيران مختلفين عنها سياسيا وايديولوجيا وعقائديا. وهذا الكلام يؤكده ما قامت به عصابات الهاجاناة وشتيرت وما قام به الموساد من عمليات لتصفية الحسابات مع النازيين ولم تتردد «اسرائيل» في تكليف الموساد باختطاف النازيين من بلدان تعتبر صديقة بالنسبة لهم كما حدث في حالة اختطاف النازى القديم ادولف ايخمان من الارجنتين ونقله من بيونس ايرس الى تل أبيب ومحاكمته ومن ثم اعدامه وهو ما اعطى للموساد بعدها شهرة واسما جعلا من الموساد اسطورة مخابراتية على مستوى العالم ولكن بعد هذه الواقعة بحوالي 26 سنة كان على الموساد ان يقوم بمهمة تساوي مهمة اختطاف ايخمان في قذراتها ولكن هذهن المرة ليس من اجل الانتقام ولكن من اجل اثبات ان من يخون «اسرائيل» حتى ولو كان يهوديا او من ابنائها فمصيره لن يقل عن مصير ايخمان.. وكان بطل هذه الواقعة جاسوسا ولكن من «اسرائيل» وعلى «اسرائيل» وخطورته انه تبرع بمحض ارادته لكشف واحد من اهم اسرار «اسرائيل» العسكرية واقصد به طبعا مفاعل ديمونه الذي كانت كل المعلومات المتوافرة عنه قبل ان يكشفها موردخاى فانونو على صفحات كبرى الصحف البريطانية وبالصور ايضا.. مجرد تكهنات. في صباح 5 اكتوبر من عام 1986 فوجيء قراء الصنداي تايمز اللندنية بمقال او موضوع طويل بعنوان «اسرار الترسانة النووية الاسرائيلية» وضم الموضوع معلومات لم يكن العالم كله يعرفها بهذه الدقة والوضوح عن القدرة النووية لاسرائيل وفي تفاصيل الموضوع ان الجريدة قبل ان تنشر الموضوع عرضته على خبراء نوويين لكي تتأكد الصحيفة من دقة المعلومات الخطيرة التي تبرع بها موردخاي فانونو لمحرر الجريدة وقد دهش الخبراء النوويون من الادلة الأكيدة التي قدمها فانونو. والذي اكد في معلوماته ان اسرائيل لا تملك القنبلة الذرية فقط حيث كان العالم كله يشك بطبيعة الحال في امتلاكها لهذه القنبلة ولكن ما قاله فانونو يؤكد ان اسرائيل اصبحت القوة النووية السادسة في العالم، وأكد التقرير الذي هز العالم ان مفاعل ديمونا انتج حتى عام 1986 ما بين 100 و200 سلاح نووي وبقوى تدميرية مختلفة واخطر ما جاء في المعلومات التي ادلى بها فانونو للجريدة الشهيرة في بريطانيا هي استخلاص البلوتونيوم لفترة طويلة وبشكل سري في مكان مجهول تحت الارض بعيدا عن اية رقابة حتى ولو كانت الاقمار الصناعية المتقدمة او حتى تلك التي تستخدمها الولايات المتحدة الاميركية في التجسس على سكان الارض!! الفضيحة كان شيمون بيريز رئيس وزراء اسرائيل في هذه الفترة على وشك تسليم السلطة الى اسحاق شامير زعيم حزب الليكود عندما وضع سكرتيره الخاص ذات صباح تقريرا امامه يلخص ما حدث من الفني النووي موردخاي فانونو وما نشرته الصنداي تايمز واختتم السكرتير الصحفي تقريره بأن كل اسرار مفاعل ديمونه والسلاح النووي الاسرائيلي اصبح معروفا على مستوى العالم كله. امسك بيريز بسماعة التلفون وادار رقم اسحاق شامير وزير خارجيته وزعيم حزب الليكود في ائتلاف الحكم كما طلب كذلك اسحاق رابين وزير الدفاع وطلب من مدير مكتبه عدم ازعاجهم بأي شيء مهما كان..! جلس الثلاثة الى منضدة ملحقة بمكتب رئيس الوزراء وتساءل شامير في لهفة ما الذي جرى سيادة الرئيس...؟ فضيحة يا سيد شامير.. بل قل انها فضيحة نووية.. انزعج رابين واستعجل بيريز في لهجة حازمة.. ما الذي جرى هل حدث شيء لمفاعل ديمونة..؟ نعم.. استطاع فني من العاملين في المفاعل من الهروب الى الخارج وتحديدا الى استراليا والتقى بشخص عرض عليه اذاعة اسرار المفاعل كلها، ومن ثم اخذه وذهب الى بريطانيا بصحبة صحفي بريطاني حيث ادلى بكل ما لديه من معلومات وأصبحت فضيحة على مستوى العالم كله. والآن؟ لابد من احضاره وبأي ثمن!! كيف؟ لابد من خطفه وتلك مهمة الموساد بعد ان فشل الشين بيت في معرفة دوافعه وميوله وفشل في كشفه قبل ان يهرب للخارج ومعه صور للمفاعل وما يتم بداخله... ورد رابين: اذن وما الذي تنتظره؟ لابد ان يعلم كل اسرائيلي ان من يخون امن اسرائيل لا مكان له لدينا.. ولكن هناك مشكلة؟ ما هي؟ انه الآن في بريطانيا.. ونحن لا نريد ان نخسر حليفا من اهم حلفائنا اذا قمنا بخطفه من بريطانيا. قال شامير: اتصل بالسيدة مارجريت تاتشر واعلمها بالموضوع وأخبرها ان المطلوب فقط مساعدتها والمخابرات البريطانية وأن بقية المهمة ستكون علينا.. ولكن لا تلمح لها عن فكرة خطف فانونو..عقب هذا الاجتماع طلب بيريز من مدير مكتبه جمع رؤساء تحرير الصحف الاسرائيلية على وجه السرعة وعندما اكتمل عددهم دخل عليهم بيريز ودون ان يجلس على مقعده قال بصوت يغلب عليه الاسى والغيظ في الوقت نفسه: ارجو منكم الا تعطوا لهروب فانونو ونشره اسرار ديمونة الاهمية الزائدة وان توقفوا النشر حول هذا الموضوع ما أمكن. رد رؤساء التحرير جميعا بصوت واحد.. مفهوم يا سيدي!!! في بريطانيا.. في اليوم التالي مباشرة كانت الصحف البريطانية تنشر خبرا في صدر صفحاتها يقول ان بيريز يطلب من صحفييه عدم الاهتمام بما نشرته الصنداي تايمز وهذا يعني ان كل ما قاله فانوني صحيح.. وألحقت الصحف تعليقا على هذا قالت فيه ان السفارة الاسرائيلية كذبت عندما قالت ان ما نشرته الصنداي تايمز عن قصة فانونو كان ملفقا وأن فانونو ربما لا يكون في بريطانيا اصلا.. وفي هذا الصباح التقط شاب يبدو من هيئته انه من دول منطقة الشرق الاوسط متوسط الطول واسع العينين اصلع الرأس، صحيفة الصنداي من احد باعة الصحف بشارع غير رئيسي بلندن وفوجيء بأن الصحيفة تنشر ما قاله بيريز والسفارة الاسرائيلية فطوى الجريدة بسرعة وهرع الى حيث يقيم وبدأ يلملم اغراضه فلابد ان الموساد سيبدأ منذ هذه اللحظة في البحث عنه.. هبط من الشقة بسرعة واجتاز الطريق الجانبي حتى وصل الى محطة لمترو الانفاق والقى بنفسه على مقعد وأرجع رأسه للخلف حيث اخذته غفوة دار خلالها شريط حياته كلها خلال هذه الرحلة. المأساة.. كان الطفل موردخاي فانونو قد بلغ السنة السادسة في عام 1960 من عمره عندما قالت امه لابيه العامل البسيط بمزارع المغرب ان عليه ان يرتب ارسال موردخاي الى المدرسة هذا العام، ورد عليها زوجها بحدة اية مدارس وأية دراسة؟ نحن يهود والمغرب لن تكون بلدنا ابدا ولن اسمح لابنائي بالعيش فيها لقد رتبت بدلا من ذلك امر رحلتنا جميعاً الى أرض الميعاد، الى فلسطين وكلها أيام وسنكون هنا وهذا ما يجب ان ترتبي أمور حياتك عليه وليس شيئاً آخر. صمتت المرأة وبعد أسابيع قليلة كانوا بالفعل قد وصلوا الى أرض الأحلام، ولكن تحت مسمى اليهود السفارديم أو يهود الشرق واكتشف الأب والأم والأسرة كلها الخديعة، ان في اسرائيل نوعين هما أحد هذين النوعين ولكنهم النوع الأدنى.. ومات الحلم عندما اضطر الأب ان يأخذ زوجته وأطفاله السبعة ويتجه بعد ان تم توزيعه مع بعض اليهود المغاربة واليمنيين الى منطقة بئر السبع ليعيش شهوراً طويلة معزولاً يتلقى المساعدات من الحكومة إلى ان قرر ان ينزل الى سوق بئر السبع ويفترش فرشة رص عليها أكواماً من الكتب القديمة وبدأ في عمل جديد عليه تماماً، ولكنه يجب ان يعيش وسط هذه الصحراء القاحلة من أرباح هذه الكتب القديمة وأن يتبادل الأحاديث يومياً مع زبائن سواء كانوا عرباً أم يهوداً. سنوات قليلة ووجد فانونو نفسه مطالباً بالوقوف الى جوار والده وتوقف عن استكمال دراسته واكتشف والده انه لا يذهب الى المدرسة، فسأله: وماذا تنوي ان تفعل؟ ـ سألتحق بالجيش.. وأدرس بجامعة تل أبيب. لم يعلق الأب بل ربما حمد الله ان خرج من عباءته واحد من الأسرة الكبيرة ولعله يساعده في تربية أشقائه الستة الآخرين. ديمونة ظل موردخاي في الجيش على رتبته التي وصلت الى عريف بسلاح المهندسين والتحق بالفعل بجامعة تل أبيب ودرس بقسم الفيزياء وظل يعمل ويدرس الى ان بلغ الحادية والعشرين من عمره عندما وقع بصره على اعلان بجريدة تطلب شباباً في تخصص للالتحاق بدورة تدريبية للعمل بمصنع لم تحدد هويته بعد. في الصباح كان على باب المصنع في صحراء النقب، منطقة بعيدة جداً عن مسكنه ومريبة ولكنها بالفعل تضم مبنى يبدو لمن يراه لأول وهلة وكأنه مصنع صغير.. واكتشف لحظة وصوله انه مفاعل ديمونة الذري! راجع الضابط الجالس في مكتب الاستقبال اسمه وطابقه على الطلب الخاص به والموافقة التي حصل عليها وبعدها صحبه الى غرفة تضم لجنة مكونة من مجموعة من الضباط حيث تركه لهم. سأله الضابط: هل تشرب الخمور؟ ـ لا يا سيدي. هل تتعاطى المخدرات؟ ـ لا يا سيدي. هل سبق وان حكم عليك بالسجن في أية تهمة؟ ـ لا يا سيدي. بأي حزب أنت؟ ـ لست منتمياً لأي حزب من الأحزاب. مَنْ مِنْ قادة اسرائيل يعجبك أكثر؟ ـ السيد مناحيم بيغن وحزب الليكود. ما رأيك في اسرائيل؟ ـ شعب الله المختار. والعرب؟ لا وجود لهم بيننا ومن الطبيعي ان نأخذ أرضنا منهم.. كتب الضابط بعض العبارات ومرر الأوراق الى زملائه الذين تتكون منهم اللجنة، وفي النهاية علم انه قُبِل كفني بمفاعل ديمونة النووي وكان ذلك في نوفمبر عام 1976، وفي اليوم التالي وقع أوراقاً تفيد بحصوله على منحة دراسية تدريبية مكثفة في الفيزياء والكيمياء والرياضيات واللغة الانجليزية. كانت البعثة تضم 39 شخصاً آخرين تم اختيارهم من 45شخصاً كانوا قد تقدموا للعمل وانتهت البعثة الدراسية في نوفمبر 1977 وأصبح رسمياً موظفاً بالمفاعل الذي يقع في منطقة تحت الأرض في بئر السبع وقبل ان يجتاز بوابة الأمن المؤدية الى قلب المفاعل النووي دخل في غرفة كبيرة بها مكتب فخم وقدم له شخص لا يعرفه ورقة بها تعهد ينص على عقوبة السجن لمدة 15 سنة لمن يفشي سرا لأي انسان مهما كان عن طبيعة عمله في مفاعل ديمونة. التحول ظل موردخاي فانونو يواصل دروس الفيزياء الذرية والكيمياء ودراسة خصائص البولوتونيوم واليورانيوم، ثم خضع لفحص طبي خلال الأسابيع الأولى وأعطي وزملاؤه بطاقات أمنية تخوله الدخول والخروج بحرية من والى المفاعل في أي وقت، وقال له رئيس المنطقة التي يعمل فيها داخل المفاعل ان أمامه عشرة أسابيع كي يتعرف مع زملائه على كافة مجالات العمل والاجهزة الدقيقة بالمفاعل قبل ان يبدأ العمل فعلياً. في هذا اليوم أدرك فانونو أهميته كموظف في مكان حساس، كما أدرك انه رغم أهميته فإنه لن يستطيع اخبار أحد مهما كان بطبيعة عمله أو مكانه، وقبل ان يغادر طلب منه رئيس الوردية التي يعمل من خلالها ان يلتحق بالجيش كأي اسرائيلي، إلا انه رفض عندما امتنع عن الاجابة على سؤال سأله المسئول عن التجنيد عن طبيعة عمله، فقال مكان حساس جداً، ولما أصرت القيادة على معرفة هذا العمل، رفضوا التحاقه بالجيش وأصبح في 7 أغسطس عام 1977 موظفاً رسمياً بالمفاعل حيث عين كرئيس وردية ليلية ليبدأ عملها بين الساعة الحادية عشرة مساء وحتى الثامنة صباحاً. مرت شهور طويلة وفانونو يذهب يومياً الى محطة خارج التكتل العمراني، حيث يترك سيارته في هذا المكان النائي ويستقل باصاً خاصاً يقله هو وزملاءه الى حيث مقر المفاعل النووي ديمونة.. الى ان أصابه الملل من السرية والتكتم والعمل الشاق الذي يقوم به، ودون مقدمات سأل أباه ذات يوم والأسرة كلها مجتمعة على مائدة الطعام.. أبي لماذا نحن يهود؟ قال له أبوه وهو مندهش من السؤال: لأنه دين آبائنا وأجدادنا. ـ إذن آباؤنا وأجدادنا هم الذين اختاروا لنا هذا الدين؟ ـ ماذا تقول؟ ـ أقول انني قررت ان أختار ديني بنفسي، ثم وضع الملعقة على المنضدة ونهض دون ان يتفوه بكلمة وخرج من بيت أبيه ولم يعد اليه ثانية، وكان ذلك عام 1980. ظل فانونو منقطعاً عن زيارة أهله أو الاتصال بهم وتغيرت شخصيته تماماً وأصبح يشعر في داخله باحتقار شديد لليهود واليهودية، شعر انه اكتشف حقيقة اليهود كما هي دون تزوير.. وانقطع عن هذه الديانة كلياً واصبح علمانيا.. لا دين له، فلم تعد تقنعه الديانة اليهودية وفي الوقت نفسه فهو لا يعرف شيئا عن الديانات الأخرى واستمر على هذا الحال حتى عام 1982 عندما سمع وقرأ وشاهد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 فازدادت نقمته أكثر على اليهود جميعا وعلى اسرائيل بشكل خاص، وبدأت جامعة بئر السبع التي كان لايزال يدرس بها الفلسفة هناك تشهد مشاغبات علنية منه لا تتفق وطبيعة عمله بل زاد الطين بلة بعد احداث لبنان ان بدأ يتصادق مع الطلبة العرب واخيرا قرر ان ينضم للحزب الشيوعي الاسرائيلي وعندما يسأله امين الحزب عن طبيعة عمله قال له انه لا يعمل وكان بطبيعة الحال لايزال فنيا بارزا بالمفاعل حتى هذه اللحظة وبانضمامه للحزب الشيوعي تغيرت نظرة فانونو للحياة بشكل كامل الى ان جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير وكشفت توجهات فانونو في وقت مبكر قبيل تداعي الاحداث بشكل مأساوي فيما بعد وذلك عندما علم ان احد اساتذته بالجامعة قد سجن. في هذا اليوم جرى مسرعا الى مكتب مدير الكلية يسأل لماذا سجن الاستاذ.؟ ـ لأنه رفض الخدمة في الجيش الاسرائيلي المحتل للاراضي العربية أو لهذا السبب يسجن؟ ـ نعم.. ومن الممكن ان تسجن أنت ايضا اذا قررت أن تنحو منحاه.. خرج فانونو من مكتب مدير الجامعة ليجمع زملاءه الطلاب ونظم مظاهرة صاخبة اخذت تطالب باطلاق سراح الاستاذ المحبوس.. في الشين بيت كانت كل التطورات التي تحدث داخل الجامعة وما يصاحبها من تغييرات في شخصية فانونو الفني بالمفاعل الذري تسجل يوما بيوم وعندما وضعت هذه التقارير امام مدير الشين بيت طلب رئيس الجهاز القائم على ادارة المفاعل النوي وابلغه بما يحدث من فانونو.. واستدعي فانونو الى مكتب رئيس المفاعل.. وقال له.. اصمت والا تفصل من العمل نهائيا لم يهتم فانونو بما قاله المسئول عن المفاعل واستمر في عمله واستمر في الوقت نفسه في ثرثرته ومشاغباته ولذا فقد وجدت ادارة المفاعل نفسها تقرر فصله من العمل بالمفاعل النووي الاكثر سرية في العالم وكان ذلك في شهر نوفمبر عام 1985 وعندما علم بالفصل دخل على المسئول الأكبر عن المفاعل وسأله لماذا تم فصلي؟.. كان الجواب: بهدف خفض التكاليف.. الى استراليا.. في اليوم التالي كان فانونو ينشر اعلانا في الصحف يعلن فيه عن رغبته في بيع سيارته وشقته وبعد يومين باعهما بالفعل وقرر ان يسافر خارج اسرائيل ولكن الى اين؟ قال لنفسه الى ابعد مكان.. وليكن استراليا التي وصلها في فبراير 1986. كان الحقد والغيظ قد بلغ بفانونو مبلغه على «اسرائيل» وقادتها وعلى الديانة اليهودية كلها.. فقرر ان يقطع علاقته نهائيا بالدولة ودينها عندما وصل الى احدى الكنائس وطلب من القس ان يخبره كيف يصبح مسيحيا، ولم يضع القس وقتا وصحبه الى قادة الكنيسة واعلن مسيحيته بعد وقت قصير.. لقاء عاش فانونو في استراليا وكأنه سيعيش بها بقية عمره كان يصحو في الصباح فيذهب الى مقهى هاديء في الشارع الرئيسي للمدينة التي يعيش بها حيث يشرب القهوة ثم يتناول افطاره ويقضي بقية وقته متسكعا في الطرقات حتى الليل حيث يعود الى مسكنه الى ان جاوره صباح يوم من الايام شخص يبدو من هيئته انه من مواطني اميركا اللاتينية.. حيث حياه جاره بايماءة معتقدا انه لاتيني مثله نظرا للملامح القريبة بين اهل اميركا الجنوبية وابناء منطقة الشرق الاوسط وعندما سأله هذا السؤال قال له: لابل من المغرب. ـ انت عربي اذن؟ ـ كنت كذلك ـ ماذا تعني؟ قص فانونو حكايته كامله على جاره الذي اكتشف خلال حواره معه انه من كولومبيا.. وأنه صحفي.. اندهش فانونو من كونه صحفيا وسأله: وهل تعمل هنا باستراليا؟ ـ لابل في زيارة سياحية.. ـ هل تعلم اني من الممكن ان اجعلك اشهر صحفي في العالم..؟ ضحك اوسكار جيرار الصحفي الكولومبي بطريقة توحي بأنه لم يأخذ الكلام على محمل الجد.. فاعاد فانونو التأكيد على كلامه. سأله اوسكار باهتمام؟ كيف؟ ـ لدي شريطان مصوران عن مفاعل ديمونا من الداخل لقد كنت اعمل كفني بالمفاعل النووي الاسرائيلي لتسع سنوات قبل ان يفصلونني، وقد التقطت هذه الصور اثناء النوبات الليلية التي كنت اعمل فيها بالمفاعل.. ـ ولكن اذا كان كلامك صحيحا فمن الممكن ان نبيع هذه الصور ونصبح من الاثرياء.. ـ صدقني اذا قلت لك ان ذلك لا يهمني.. ـ وماذا يهمك اذن..؟ ـ يهمني ان يعرف العالم كله اي خطر تشكله اسرائيل على العالم وعلى منطقة الشرق الاوسط تحديدا.. انهم يخدعون العالم كله بالحديث عن كونهم مضطهدين وان العرب يريدون الفتك بهم بينما لديهم ما يزيد على مئة قنبلة نووية ومفاعل قوته 150 ميجاوات ينتج كل انواع القنابل الحرارية والهيدروجينية والنيوترونية، وهذا المفاعل به 2700 عامل وكنت انا ضمن 150 عاملا فقط الذين كان مسموحا لهم بدخول كل اقسام هذا المجمع النووي قال له صديقه الكولومبي.. اذا كانت معلوماتك هذه صادقة فسوف تنقلب الدنيا رأسا على عقب اذا نشرت هذه المعلومات.. ـ وكيف ننشرها..؟ ـ اترك هذه المهمة لي.. بدأ اوسكار جيرار وصديقه النووي الاتصال بكل صحف العالم الا ان احدا لم يصدق ما يقوله هذا الرجل وقال له احد محرري صحيفة اميركية هل من المعقول ان تدخل مفاعل نووي ومعك كاميرا وتصور وتخرج دون ان يكتشفك احد؟ انني لا اصدق.. اما انك عميل او مجنون.. ـ لم ييأس جيرار وقرر اخيراً ان يتصل بمواطن استرالي شهير جداً بل انه اشهر رجل في عالم الصحافة وقبل ان يسأل موردخاي قال له جيرار سنتصل بماجنيت روبرت ميردوخ ملك الصحافة بلا منازع ومالك الصنداي تايمز البريطانية.. وهل سيصدقنا؟ ـ نحن في استراليا وهو قريب منا ولن نخدعه.. بالفعل اتصل جيرار بروبرت ميردوخ الذي قرر ان يمضي معهما للنهاية وطلب الجريدة في بريطانيا وامرهم بارسال محرر الى سيدني لاستطلاع الامر. وصل الصحفي البريطاني بيتر هونام الى سيدني وفي الموعد والمكان المحددين كان فانونو وجيرار وهونام يجلسون معاً حيث تأكد هونام من جدية ما يتحدث فيه فانونو وفي نهاية الجلسة قال هونام.. ليس أمامك الا ان تأتي معي الى لندن لكي ننشر هذه التفاصيل وسوف تحصل على 75 ألف دولار اميركي مقابل نشر المعلومات والصور ووافق فانونو وصديقه الكولومبي.. وسافر الثلاثة الى لندن. بلاغات علمت المخابرات الاسترالية بكل ما دار في هذا اللقاء الثلاثي وفي اليوم الذي غادر فيه الاسرائيلي فانونو سيدني كانت المخابرات الاسترالية تبلغ الموساد بالقصة كاملة وابلغتهم انه الآن في طريقه الى لندن.. كما ابلغت المخابرات البريطانية بوصول فانونو الى اراضيها!! اصبحت الآن القصة على كل لسان.. وتساءل الصحفيون البريطانيون بعد كشف اسرار الترسانة النووية لماذا فضح السر النووي الاسرائيلي الآن! وقال الكتاب في مقالاتهم واعمدتهم ان هناك احتمالا ان تكون «اسرائيل» قد عمدت الى كشف هذه القصة عن المفاعل النووي بعد ان ادرك العسكريون الاسرائيليون الخطر الذي يواجههم بعد وصول صواريخ SS-21 السوفييتية الدقيقة الى سوريا وان سوريا يمكن ان تزود هذه الصواريخ برؤوس كيماوية وانها نتيجة هذا الخوف ارادت ان تخيف سوريا بنشر هذه القصة عن مفاعلها النووي لترتدع سوريا وبقية البلاد العربية المجاورة لها، خاصة وان شامير مقبل على مفاوضات سلام مع العرب واذا حدث وقدم تنازلات للعرب فإنه يقدمها بأمان للمستقبل الذي تحميه القنابل النووية.. صحوة.. وغفلة.. استيقظ فانونو فجأة ليجد نفسه لا يزال داخل قطار الانفاق الذي سار به مسافة طويلة قبل ان يعود الى لندن مرة اخرى حيث نزل من القطار واتصل برئيس تحرير الصنداي تايمز الذي اكد عليه الا يظهر في الاماكن العامة وان يكون حريصاً اذ لابد ان اسرائيل قد ارسلت فريقاً من الموساد للبحث عنه.. لم تكن هذه المعلومة جديدة على فانونو الذي كان متأكداً من ذلك تماماً.. وبالفعل كان بيريز قد اصدر اوامره للموساد لاحضار فانونو من بريطانيا ولكنه لم ينس ان يحذر رئيس جهاز الموساد من حساسية الاحتكاك بالحكومة البريطانية او سيادتها وقوانينها وبالتالي كانت مهمة الموساد صعبة ولم يعرف الفريق الذي وصل الى بريطانيا من اين يبدأ الى ان جاءتهم التعليمات بمراقبة الصنداي تايمز ليل نهار بكاميرات من كل الانواع. وجد فانونو نفسه يتصل بصديقه اوسكار لكنه لم يجده وعندها قرر ان يزور المحرر الانجليزي بالصنداي تايمز وساقته قدماه الى مقر الجريدة وبعد نصف ساعة خرج منها ليجلس على مقهى وطلب فنجاناً من القهوة في نفس اللحظة التي نظر فيها نحو باب المقهى حيث دخلت شقراء لفتت نظره انها ابتسمت له فدعاها على فنجان قهوة ولم تمانع، وتكررت لقاءاتهما الى ان اختفت فجأة. مضت عدة ايام قبل ان يخرج من مكمنه مرة اخرى ووجد نفسه يسير في اتجاه ميدان ليستر وهناك لم يصدق نفسه فقد كانت ساندي الجميلة في مواجهته تماماً وفي الميدان عابها على اختفائها فتعللت بالمرض وقالت له سأعوض لك غيابي ما رأيك لو سافرنا الى روما عدة ايام؟ بشرط ان تشتري انت التذكرة باسم غير اسمي.. وبعد يومين كانت ساندي وفانونو في مطار هيثرو في طريقهما على الطائرة البريطانية رحلة 504 من لندن الى روما في 30 سبتمبر 1986، وخلال الرحلة اكدت له ان بيتها سيكون اكثر اماناً من القلق والتوتر الذي يعيشه في لندن. واختفى فانونو من لندن ومن بريطانيا كلها وانقطعت اخباره عن كل من يعرفونه الى ان وصل لشقيقه في «اسرائيل» معلومة تقول ان اخاه قد اختفى في ظروف غامضة في بريطانيا فهدد برفع الامر الى المحكمة العليا ان لم تكشف الحكومة الاسرائيلية النقاب عن سر اختفاء شقيقه فاعلنت الحكومة الاسرائيلية بعد 40 يوماً من اختفائه انه موجود باسرائيل ورهن المحاكمة واكتشف فانونو وهو في ايطاليا ان ساندي لم تكن سوى عميلة للموساد ما ان دخل الشقة معها في روما حتى فوجئ بثلاثة اشخاص يقيدونه ثم قامت ساندي بحقنه بحقنة مخدرة ووضع في صندوق ونقل بطائرة صغيرة الى ميناء بحري حيث نقل بحرا الى «اسرائيل» وظل في البحر اسبوعاً قبل ان يصل الى «اسرائيل» حيث ألقي بزنزانة مظلمة ليس بها الا فراش ملقى على الارض حوكم فانونو على اساس ثلاث تهم، الخيانة والتجسس الخطر وجمع معلومات سرية بقصد اضعاف امن الدولة وعقدت المحكمة بشكل سري في محكمة بالقدس حيث غطيت كل نوافذها بلون قاتم وخلال نقله من السجن الى المحكمة كان الجنود يلبسونه خوذة كخوذات قائدي الدراجات البخارية حتى لا يسمع اسئلة الصحفيين ولا يستطيع الكلام ولكنه مع ذلك استطاع اثناء عودته من احدى جلسات المحاكمة الى السجن من اشكلون ان يكتب تفاصيل ما حدث له على راحة يده وذراعه ويضع كف يده على نافذة السيارة حيث عرف العالم كله انه خطف من روما بوساطة الموساد وساندي. في مارس 1988 حكم على فانونو بالسجن 18 سنة واعتبر خائناً عوقب طبقاً لقوانين الدولة التي لديها استعداد ان تخسر حتى اصدقائها لكي تستمر.