الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 يعتبر نصب الجندي السوفييتي الواقع في شوارزنبرغ بلاتز، والذي كشف الستار عنه في اغسطس من عام 1945، بع داربعة اشهر فقط من «تحرير فيينا» ـ أو احتلالها حسب رؤيتك ـ من قبل الجيش السوفييتي، يعتبر احدى العلامات العديدة الدالة على الوجود الروسي في هذه العاصمة الاوروبية الوادعة. وإلى يسار النصب، الذي لقبه احد سليطي اللسان من ابناء فيينا بـ «السارق المجهول»، تنتصب بناية رمادية اللون تحمل احرفاً نحاسية صفراء تؤلف كلمة «لوك أويل»، وهو المكتب التمثيلي لشركة النفط الروسية العملاقة في النمسا. وعلى بعد بنايات عديدة إلى الشرق، يعتبر مبنى السفارة الروسية الفخم والكنيسة الارثوذكسية المجاورة شواهد تذكر بالوجود الدبلوماسي الروسي الذي امتد عبر قرون في هذه المدينة التي شهدت اباطرة هابسبيرغ وشتراوس، وتذكر كذلك بالدور الخاص الذي لعبته النمسا المحايدة في علاقات الشرق بالغرب خلال الحرب الباردة. فقد التقى نيكيتا خروتشوف بالرئيس الاميركي جون كنيدي في السفارة في عام 1961. وعلى بعد صف بنايات واحد إلى الغرب، كانت هناك ملصقات خارج قاعة ميوزيكفرين للموسيقى السيمفونية الشهيرة عالمياً تعلن عن مواعيد عروض في اكتوبر الماضي لقائد الفرقة الموسيقية فلاديمير فيدوسيف وعازفة البيانو اليزابيث ليونسكاجا وعازف الكمان مكسيم فنغروف. ويمكن للمرء ان يسمع اللغة الروسية في كل زاوية بين شارعين وفي المحلات والمطاعم والفنادق الغالية. وليس السياح هم فقط الذي يتحدثونها. وبينما يتباحث السياسيون والنقاد بحماس حول ما اذا كانت روسيا ستصبح جزءاً من اوروبا، اصبح مئات الالوف من الروس بالفعل جزءاً من القارة العجوزة بالانتقال غرباً. فقد استقر الكثير من رجال الاعمال الروس الراسخين في اعمالهم في فيينا، حيث يعيشون في ضواح راقية مكسوة بالغابات ويستخدمون مصارف النمسا الموثوقة والسرية لادارة اعمالهم. ربما يعد اشهر روسي يعيش في النمسا هو الكسندر سمولنسكي، مؤسس مصرف أس بي أس ـ أغرو الذي كان واحداً من اكبر البنوك الخاصة في روسيا حتى الانهيار الاقتصادي في عام 1998. وبينما يقوم بادارة البنك، فإن سمولنسكي يسافر إلى النمسا في عطلات نهاية الاسبوع لرؤية أفراد عائلته، الذين نادراً ما يأتون إلى موسكو. وتضم فيينا ايضاً لاجئين ومغامرين معدمين، بالاضافة إلى نساء روسيات تزوجن من رجال نمساويين بدرجات متفاوتة من النجاح. وهناك يهود سوفييت مروا عبر فيينا في السبعينيات من القرن الماضي في طريقهم إلى اسرائيل او الولايات المتحدة وعادوا فيما بعد. لكن معظم الروس يبدون من رجال الاعمال الذين ينتمون للطبقة العليا والطبقة المتوسطة العليا وعائلاتهم. لا توجد احصائيات دقيقة لعدد الروس الذين يعيشون في فيينا او النمسا. وقال الملحق الصحافي في السفارة الروسية، اندريه سيريوجين، ان هناك حوالي 2000 شخص مع عائلاتهم معينين لدى البعثات الروسية الاربع في فيينا ـ في منظمات الامم المتحدة التي تتخذ من فيينا مقراً لها والمحادثات حول الاسلحة التقليدية في اوروبا ومنظمة الامن والتعاون الاوروبية والسفارة الروسية. ولكنه قال ان السفارة لا تحتفظ بسجلات تقتفي اثر الافراد من القطاع الخاص. ويقدر بيترو اوليانوف، المدير العام لشركة «آر تي آي روسترادهلندلز جي ام بي اتش» ان هناك عشرات الالوف من مواطني الاتحاد السوفييتي السابق يعيشون في فيينا. ويعيش اوليانوف، الذي اسس والده شركة الاستيراد والتصدير في عام 1992 عندما تقاعد من وظيفته في مكتب تجاري سوفييتي في النمسا، في احدى ضواحي فيينا. ويتركز الروس الآخرون الاثرياء في المنطقة المركزية الاولى وفي مناطق الضواحي السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة الضخمة. وقال اوليانوف في مقابلة هاتفية معه: «اليوم، لا يمكنك ان ترسم حداً فاصلاً ونقول هنا روسيا وهنا الخارج. فالناس يأتون ويذهبون، والعولمة اصبحت واقعاً معاشاً. ولكن النمسا تعتبر بلداً مريحاً لدرجة ان القليلين فقط ممن يأتون إلى هنا يرغبون بالمغادرة». ومضى أوليانوف مشيراً إلى انه حتى منتصف التسعينيات، كان من السهل نسبياً على الاجانب الموسرين ان يستقروا في النمسا. وكان يكفي تأسيس شركة. واستثمار رأسمال مرخص بحد ادنى يعادل 37 الف يورو للحصول على تصريح اقامة يسمح بالسفر بدون تأشيرة إلى الدول الاوروبية الاخرى. وقال اوليانوف ان ذلك قد «جذب الناس». ولكن مع تحول الهجرة إلى مسألة سياسية متنامية، اصبح من الصعب بشكل متزايد الاستقرار في النمسا. وعلاوة على ذلك، فإن الحملة على غسيل الاموال قد الغت الحسابات المصرفية المجهولة واساسيات اخرى للسرية المصرفية. وكانت الحكومة الائتلافية للجناح اليميني، التي انهارت مؤخراً، قد تبنت قانوناً من شأنه ان يعقد بشكل بارز تصاريح الاقامة والعمل للاجانب بدءاً من الاول من يناير المقبل. ومع اقتراب الانتخابات هذا الشهر، وعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي المعارض بالغاء القانون اذا نجح في الوصول إلى السلطة. ومن جهة اخرى قال جيرهارد هوفر وهو مراسل صحفي يعمل مع داي بريس، وهي صحيفة محافظة، انه قد حاول وفشل في العثور على المافيا الروسية في النمسا. واضاف هوفر انه بعد عشرات المقابلات مع الشرطة ومسئولي الضرائب وحتى مع الحراس الشخصيين الذين يعملون لحسابهم، فقد خلص إلى نتيجة مفادها انه حتى لو كان هناك بعض الروس المشبوهين الذين يعيشون في فيينا، فإنهم يعيشون هنا مع عائلاتهم ولا يقومون بأية اعمال اجرامية. وقال هوفر: «بعد سقوط الستار الحديدي،. كان هناك رهاب من الهجرة الروسية وكان الخوف مسيطراً على الكثير من النمساويين. اما اليوم فليست هناك مشكلة مع الروس. واعتقد ان من الالطف ان تكون غنياً في فيينا من فلاديفوستوك. انهم يحبون ان يعيشوا برخاء وترف. ولكنهم لا يقودون سياراتهم بسرعة كبيرة ولا يقتلون بعضهم البعض هنا». غير ان اوليانوف قال انه يضطر إلى ابعاد صورة المافيا عنه. واضاف قائلاً: «حالما تقع جريمة ما يكون اوروبيون شرقيون متورطين فيها، فانهم يلومون المافيا الروسية على الفور. وبالطبع، هذا امر غير سار لنا، خاصة وان بيانات النفي تظهر ببنط صغير في منتصف الصحيفة او لا تظهر في اي مكان ابداً». وقال هوفر مستشهداً بأقوال الشرطة، ان حوالي 5000 شركة نمساوية يتم تأسيسها سنوياً مع وجود سوفييتي سابق على الاقل في مجلس ادارتها. ومعظم هذه الشركات يتم تشكيلها لاعطاء اعضاء مجلس الادارة تصاريح اقامة في النمسا. بقلم: أندريه زولوتوف _ ترجمة: ضرار عمير عن «موسكو تايمز»