الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 يمثل المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي شهدت بكين فعالياته نقطة انعطاف في التاريخ الصيني فلأول مرة منذ ان انتصر الشيوعيون في الحرب الاهلية في عام 1949، تنتقل السلطة الآن دون اراقة دماء او اضطرابات سياسية. ان تسليم السلطة طوعياً من جانب الرئيس جيانغ زيمين واعضاء آخرين من جيله إلى قيادة جديدة اكثر شباباً يجسد خطوة مهمة في الطريق إلى ايجاد نظام سياسي مؤسساتي في الصين. وجاءت هذه الخطوة تتويجاً لخطط وضعها الزعيم الراحل دينغ شياوبينغ قبل عشرة اعوام، عندما اختار هيو جينتاو الذي كان حينها في الـ 49 من عمره، لعضوية اقوى كيان في الحزب، لجنة بوليتبورو الدائمة لصقله وتهيئته للقيادة. لكن الى الآن لا توجد مؤسسة معدة لتقديم الزعيم التالي، في حال تلعثم هيو ومن المرجح عندها ان يتقدم كبار الحزب المتقاعدون الذي يفترض انهم لا يملكون اي نفوذ الى الساحة مرة اخرى بمرشح جديد. هذا ما حدث في عام 1986 عندما ازيح هيو ياوبانغ عن زعامة الحزب، ومرة اخرى في عام 1989 عندما اطيح بزاو زيانغ من الأمانة العامة للحزب ليحل مكانه جيانغ. لا يزال العامل الأهم في السياسة الصينية هو قوة الشخصية وخلال عهد ماو تسي تونج ودينغ، لم تكن السلطة بالضرورة في ايدي اصحاب المناصب الرفيعة مثل زعيم الحزب، بل كانت في احيان كثيرة في ايدي افراد لا يملكون ألقاباً سياسية هامة وعلى سبيل المثال فإن دينغ كان القائد الاعلى المعترف به جماهيرياً للبلاد وقت لم يكن يشغل فيه رسمياً سوى منصب رئيس جمعية الجسور الصينية. ان المرجح ان جيانغ، حتى بعد تنحيه عن منصب زعيم الحزب في المؤتمر وعن منصب رئيس الدولة في شهر مارس المقبل، سوف يستمر في ممارسة نفوذ معتبر من وراء الكواليس، ربما من خلال الاحتفاظ بمنصبه كرئيس للجنة العسكرية المركزية، من خلال المسئولين الذين وضعهم هو في السلطة لكن جيانغ بخلاف دينغ لن يكون قادراً على استخدام نفوذه بدون قاعدة سلطة ومن هذا المنطلق فإن الصين آخذة بالتحول الى بلد اكثر طبيعية، يمتلك اصحاب المناصب فيه النفوذ المقترن مع ألقابهم. وحقيقة ان جيانغ سيكون حاضراً لمساعدة جيل الزعماء الاكثر شباباً خلال مرحلة انتقالية تستمر لعامين او ثلاثة لا تنذر بحد ذاتها بالخطر لكن اذا سعى جيانغ، بعد تقاعده، الى ادارة البلد من وراء الكواليس، فسيكون ذلك امراً مختلفاً تماماً. لقد تنحى في مؤتمر الحزب الشيوعي جيانغ ومعه جميع اعضاء لجنة بولتيبور الآخرين ممن هم فوق سن السبعين وهذا هو ثاني مؤتمر حزبي يفرض فيه مثل هذا القانون الشفهي، حيث كان الاول قبل خمس سنوات عندما اقترح جيانغ اتباع مثل العرف لاجبار منافسه كياو شي على التقاعد ومع ان جيانغ كان في حينها في الـ 71 من عمره، الا انه تدبر اعتبار نفسه حالة استثنائية ووعد بالتنحي عن السلطة خلال خمسة اعوام. ان بزوغ عرف تقاعد على هذا النسق يعتبر خطوة مهمة لكن لا يوجد الى الآن نظام معين لاختيار زعيم الحزب وهذا يعني انه بعد خمسة اعوام من الآن عندما تنتهي فترة هيو جينتاو من المرجح انه لن يكون هناك قوانين واضحة بخصوص الخلافة السياسية ومن المرجح ايضاً ان تستمر الشقاقات الحزبية والشجارات السياسية بوصفها السمة المميزة للمشهد السياسي الصيني. بالطبع فإن حقيقة ان الزعيم الجديد هيو جينتاو لم يتجاوز الـ 59 من عمره تشير الى ان أزمة الخلافة ربما لن تكون وشيكة لكن لا يمكننا ان نضمن ذلك، لأن هيو ياوبانغ وزاو كلاهما ازيحا عن السلطة في منتصف فترتهما الرئاسية لكن من اجل صالح الحزب والبلد ربما لا يكون من الحكمة الغاء نظام سيطرة الزعيم مدى الحياة على المنصب ليحل مكانه نظام آخر ينتقل فيه صاحب المنصب تلقائياً من فترة رئاسية الى آخر حتى سن التقاعد. كيف سيتم اختيار الزعيم التالي الذي سيخلف هيو جينتاو؟ هل سيكون هيو قادراً على اتخاذ القرار؟ ام هل سيبادر احد زعماء الحزب السابقين الى اختيار مرشح اكثر شباباً ليحل مكان هيو؟ يتعين على الحزب ان يطور نظاماً يقوم فيه كيان جماعي مثل اللجنة المركزية بانتخاب الزعيم. صحيح ان هيو سيتم انتخابه في جلسة مكتملة الاعضاء للجنة المركزية الجديدة بعد انفضاض المؤتمر الحزبي، لكن ذلك سيكون مجرد اجراء شكلي فالجميع يعرفون انهم لا يدينون في مناصبهم للجنة المركزية او للمؤتمر الحزبي، بل لرجل مات قبل اكثر من خمسة اعوام هو دينغ. الآن وبعد مضي 81 عاماً على تأسيس الحزب الشيوعي و53 عاماً على تأسيس جمهورية الصين الشعبية، لم تتم بعد «مأسسة» النظام السياسي الصيني والى ان يأتي ذلك اليوم سوف يظل الحزب غير ناضج وستبقى الصين مفتقرة للمؤسسات السياسية التي تحتاجها للعمل بشكل فعال في القرن الواحد والعشرين. ترجمة: علي محمد عن: «جابان تايمز»