الاربعاء 15 رمضان 1423 هـ الموافق 20 نوفمبر 2002 من المفارقات الغريبة والعجيبة في آن واحد في الصراع العربي ـ الاسرائيلي ان الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عندما بدأ التفكير في انشاء هيئة نووية في مصر عام 1955 كان ديفيد بن جوريون رئيس وزراء «اسرائيل» يفكر في الوقت نفسه وتحديداً في عام 1955 أي بعد توليه الحكم مباشرة في انشاء مفاعل نووي عسكري.. والغريب انه بدأ بالتزامن مع قيام مصر بانشاء مصنع للطاقة النووية بأبي زعبل بانشاص على النيل بينما بدأت «اسرائيل» بانشاء مفاعل ديمونة في صحراء النقب في باطن الصحراء تحت الأرض!! ولكن السؤال المطروح هنا: هل كل دولة من الدولتين إذا اعتبرتا «اسرائيل» دولة كما يطلق عليها البعض كانت لديها معلومات عن تفكير الدولة الأخرى في هذا الاتجاه.. أم هو محض صدفة استراتيجية أو محاولة من كل جانب التفوق على عدوه بامتلاك سلاح غير تقليدي لا تستطيع الأخرى ان تمتلكه؟وإذا كانت كل دولة قد علمت بنية الأخرى، فهل كان هذا مصادفة أم جزءاً من عمل المخابرات؟ ففي علم المخابرات الجواسيس.. كل الجواسيس هم أناس مشبوهون مرضى، مشوهون من الداخل، ناقمون على أنفسهم قبل أن يكونوا ناقمين على أوطانهم، لذا فإنه في عالم المخابرات والجاسوسية يتم اختيار الجواسيس من هؤلاء المرضى أو المشبوهين. والجاسوس حين يبيع نفسه لعدوه يكون موهوماً بوفرة المال أو ان يصبح مرغوباً من النساء أو حب الشهرة، ولكن هناك نوعا من الجواسيس وهو أرقى أنواعهم يكون مدفوعاً للتجسس لايمانه بنظرية تخالف الواقع الذي يعيشه في مجتمعه، كما حدث مثلاً مع الجاسوس كيم فيلبي الذي خدم المخابرات السوفييتية حوالي 30 سنة بينما كان في الوقت نفسه رئيساً لأحد أقسام المخابرات البريطانية. ولما كانت «اسرائيل» قد بدأت تفكر في تطوير سلاحها النووي وقررت ان تنشيء مفاعل في صحراء النقب أطلقت عليه فيما بعد اسم مفاعل ديمونة كانت المخابرات المصرية على علم بنية «اسرائيل» انشاء هذا المفاعل وفعلاً في عام 1955 بدأت «اسرائيل» التحضير لانشاء وكالة للطاقة النووية بل وانشاء مفاعل نووي ينتج الماء الثقيل وهو احد مكونات صناعة القنبلة النووية.. كان أمام المخابرات المصرية تحد حقيقي في هذا الوقت المبكر من الصراع المباشر او صراع المواجهة مع «اسرائيل» وهو الحصول على اكبر قدر ممكن من اسرار الصناعة النووية الاسرائيلية ولكن كما قلنا فإن كل الجواسيس اهدافهم معروفة وطريقة سقوطهم في بئر الخيانة محدد سلفاً.. وهو المال والشهرة وكما قلنا هناك نوع آخر لا يحتاج كل هذا ولكنه ايضاً يصبح جاسوساً. اذن كان أمام المخابرات المصرية هدف محدد وهو تجنيد جاسوس برتبة عالم ذرة.. مسألة مستحيلة ووجه الاستحالة انه لابد ان يكون ضمن طاقم العلماء الاسرائيليين! لا مستحيل كانت مصر ولا تزال تضم مجموعة من اعظم رجال المخابرات في العالم وهم الذين جعلوا ترتيب المخابرات المصرية في ادائها الرابع على مستوى العالم وفي تقرير آخر انها الخامس على مستوى العالم يفوق الكثير من الدول الكبرى وبعضها يصنف من الدول العظمى. من هذا المنطلق لم يكن مستحيلاً طرح فكرة ضرورة تجنيد عالم ذرة اسرائيلي رغم صعوبة المهمة الا ان رجالاً لا يعرفون المستحيل لحماية أمن وطنهم وامتهم العربية لم ينظروا اليه كما ننظر نحن اليه.. ولكن كيف سيتم هذا..؟ صداقة كان المطر ينهمر بغزارة خارج مقهى شهير بأحد شوارع لندن الرئيسية وقد اختفى المارة تقريباً في الشوارع وامتلأت بهم الملاهي بالفنادق الفخمة وبطبيعة الحال المقاهي ايضاً لمن يحبون البعد عن شغب الملاهي وكانت الاضواء خافتة نوعاً ما فأضفت على المقهى مع صوت المطر والبرودة في الخارج جوا هادئاً وان كان كئيباً بعض الشيء ولكن هذا هو المناخ الذي يفضله ويبحث عنه دائماً البروفيسور جان بيير خاصة عندما يزور اوروبا في الشتاء وان كان هذا الشتاء شديد البرودة نوعاً ما عن السنة التي سبقته ولذا فإن البروفيسور جان بيير فرنسي الاصل يهودي الديانة واسرائيلي الجنسية التف وتكور على نفسه داخل معطفه وجعل فنجان القهوة في متناول حركته يطوله للحظات ثم يعود مرة اخرى ليخفي يده بين دفتي معطفه الصوفي الداكن كأنه يخشى من ثعبان وليس من البرد، وكان له عذره فقد كان عمره قد جاوز الخامسة والخمسين تقريباً والبرد اصبح يؤذيه بعد ان اعتاد على شمس ارض فلسطين المحتلة التي اختارها ككل اليهود ارضا للميعاد ورحل اليها قبل عشرين سنة تاركاً اوروبا ومعاهدها التي كان يعمل بها استاذا للتقنية ولكنه في كل عام وخاصة في الشتاء يفضل ان يقضي بعض الاسابيع متنقلاً بين عواصم اوروبا. بدأت عازفة بيانو يبدو من شكلها وقسمات وجهها شديد الاحمرار انها اسكتلندية في عزف مقطوعة موسيقية هادئة جعلت البروفيسور هادئ الطباع يسبح بخياله مع موسيقاها ولم ينس بعد ان انهت مقطوعتها الاولى ان يحييها بابتسامة وقورة هادئة وكأنه يشكرها على عزفها الراقي وعندما بدأت الاسكتلندية في عزف مقطوعة اخرى كانت من احدى السيمفونيات الشهيرة عالمياً كان قد دخل المقهى في هذه اللحظة شخص تبدو هيئته وكأنه احد الاثرياء العرب فملامحه كانت عربية او على الاقل من شعوب منطقة الشرق الاوسط ولفت دخوله انتباه العازفة التي حيته بابتسامة جميلة رد عليها بأن رفع قبعته تحية لها ثم اتخذ مقعداً له مجاوراً تماماً للبروفيسور ثم طلب فنجان قهوة واخرج علبة سجائره الفخمة واخرج منها سيجارة وشرع يشعلها من قداحته الا ان القداحة ذهبية اللون لم تعمل فظل يطرقها عدة مرات ولكن هيهات.. في هذه اللحظة نظر هذا الرجل الشرقي الملامح نحو جاره الهادئ المتدثر في معطفه وتحدث كما لو كان يخاطبه.. واين اجد الآن نارا لاشعال هذه السيجارة اللعينة؟ التفت نحوه البروفيسور جان بهدوء وقال له: ان عود ثقاب في هذه اللحظة اهم من هذه الولاعة الذهبية! رد الرجل: مستعد لاهدائها لأي شخص يشعل لي سيجارة الآن فرأسي يكاد ينفجر والبرد حطم عظامي واتوق لتدخين سيجارة. رد البروفيسور اليهودي ضاحكاً: اذن ضمنت ان احصل على ولاعة من الذهب.. ودفع نحو الرجل الشرقي بعلبة الثقاب وقال له: لك كل العلبة.. ـ هذا كرم منك يا سيدي.. وانا عند وعدي اليك بالقداحة فعود ثقاب اغلى منها الآن! ـ اشكرك.. هي لك وكذلك علبة الثقاب ثم ضحك وقال له: تتصرف بكرم واغلب ظني انك عربي.. ـ وهل في ذلك ما يجعلك تسحب عرضك باشعال سيجارتي؟ ـ لا ولكن فقط ارجو الا يزعجك ان صاحب علبة الثقاب اسرائيلي! ضحك الرجل وكان بطبيعة الحال يسعى للتعرف على جان قائلاً: بالعكس انها فرصة لكي يعرف العربي كيف يفكر الاسرائيلي! ـ نفكر مثلكم تماماً.. نحن جميعاً بشر.. ـ وهل قال احد غير ذلك؟ ـ كان عبدالناصر يقول ذلك.. ـ فليرحمه الله. ـ اذن انت مصري.. ـ وافخر بذلك كما تفخر انت بكونك اسرائيلياً.. رد البروفيسور قائلاً: ارى انه لا فارق كبير بين العرب واليهود من أية ناحية.. من ناحية الجد الاكبر فهما مشتركان في اصل واحد.. ـ هذا حقيقي.. ـ اذن ما هو سبب خلافكم معنا.. ـ انه نفس سبب خلافكم معنا.. ـ نحن لا نختلف معكم.. نحن نريد العيش بسلام قرب مقدساتنا ولكن انتم تريدون القاءنا في البحر. التفت المصري نحو الرجل الاسرائيلي وقال له اراك تتحدث بلهجة تخلو من تعصب الاسرائيليين وانا كذلك هذا رأيي فيك.. كم من مرة قابلت عربا ومصريين وما ان يعرفوا انني اسرائيلي حتى يهربوا فزعين وكأن عقرباً لدغهم! اقترب المصري.. من الاسرائيلي وجلس على المقعد الملاصق له تماما.. وقال له بهدوء ينم عن رقي وارتفاع مستوى محدثه: يشرفني ان اقدم لك نفسي انا محمود خالد رجل اعمال مصري أدير شركة للإستيراد والتصدير ويلزمني عملي هذا بزيارة عواصم أوروبا كلها. رد عليه الاسرائيلي: وانا جان بيير استاذ الطاقة الذرية بمعهد تكنولوجي باسرائيل.. ـ هذا شرفي لي يا سيدي ان التقي بعالم بارز من «اسرائيل» استغرب العالم لاسرائيلي من الطريقة التي يحدثه بها رجل اعمال مصري يفترض ان بلاده خسرت منذ بضع سنوات حرباً من اخطر الحروب التي خاضتها وفقدت بعدها جزءاً من ارضها الا ان محمود خالد هذا لم يكن سوى ضابط رفيع المستوى بجهاز المخابرات المصرية تحرك من مصر وفق خط معلوم للإلتقاء بهذا العالم وطبعا الاسم مستعار وكذلك المهنة ايضا وهذا امر طبيعي وكان من الممكن ان يقول له ان اسمه حسن أو صابر او بدر أو خليفة وان يخترع أية مهنة ويدعى أي بلد آخر لا فرق فالمهمة كانت محددة وهي تجنيد عالم ذره اسرائيلي ومن هنا تم اختيار هذا الضابط الذي كان من الذكاء والبراعة بدرجة جعلته يكمل حواراً حضارياً مع واحد من نخبة المجتمع الاسرائيلي، فالرجل الجالس امامه ويخضع لعملية تجنيد معقدة ان لم تكن مستحيلة لاينقص شيء فهو استاذ وعالم بارز هاجر من وطنه الاصلي الى ارض الميعاد ليساهم في صناعة وتثبيت اركان هذه الدولة.. مرت لحظات صمت عاد بعدها الحديث الذي اداره ببراعة ضابط المخابرات المصري عندما قال لجليسه: انها عازفة ماهره.. ـ وجميلة هذا مما لاشك فيه.. ولكن لم يكن في «اسرائيل» جميلات كثيرات. وانتم ايضا فجمال البنت العربية وانوثتها مشهود له.. ثم تنهد وقال.. آه لو لم يكن بيننا وبينكم هذا العداء المستحكم.. العداء يأتي من جانب «اسرائيل» دائما. ومن جانبكم ايضا.. ـ انا لا انكر هذا، ولكن من الذي هاجم في 5 يونيو 1967؟! تريدني ان اتحدث معك بصراحة؟ ـ اعتقد اننا من الممكن ان نكون اصدقاء واول اساس سليم لبناء هذه الصداقة هو التحدث بصراحة.. ـ الصراحة انكم انتم الذين بدأتم الحرب.. ـ كيف؟ اقول لك امرا لعله اصبح الآن معروفا، وهو انه في يوم 20 مايو 1967 ارسل السفير ليفر اشكول رئيس الوزراء رسالة الى الرئيس عبدالناصر يقول له فيها، نحن لا نريد الحرب وسنقوم بسحب جميع وحداتنا المتمركزة على الحدود اذا قمتم بسحب جيوشكم من سيناء إلى مواقعها السابقة، ولم يرد عبدالناصر على رسالة اشكول وبدلا من ذلك قام باغلاق مضائق تيران وكان معنى ذلك انه يريد اغلاق الممر الملاحي الوحيد «لاسرائيل» عبر البحر الاحمر الى افريقيا واسيا.. فكان لابد «لاسرائيل» الاصغر حجما واقل جيشا ان تبدأ بالضربة حتى لا يقضي عليها عبدالناصر.. رد ضابط المخابرات المصري أو رجل الاعمال محمود خالد بهدوء: هذا صحيح ولكنكم في المقابل كنتم تحشدون قواتكم وتجهزون جيشكم وقد بدأتم بالفعل في تصنيع رؤوس نووية.. رد البرفيسور: لعن الله الذرة ومن اخترعها ولعن الله الحروب لا اعرف لماذا يحارب الناس بعضهم؟! ـ هذا هو تماما السؤال الذي اسأله لنفسي دائما ولا أجد عليه اجابه مقنعه.. ولذا فانا على اتم الاستعداد لان افعل اي شيء لكي يعم السلام المنطقة. ـ وانا كذلك.. ـ هل تعاهدني؟ ـ اعاهدك واقسم بشرفي العلمي ان اساعدك.. ـ اذن نلتقي غداً وتكون السهرة على حسابي.. كان البروفيسور جان في قرارة نفسه كرجل مثقف وعالم شاهد عن قرب العنجهية الاسرائيلية في تعاملها مع العرب سواء من الدول المجاورة لها او حتى اصحاب الارض في الداخل كان مستاء جدا من العنصرية التي تمارسها الصهيونية تجاه اليهود انفسهم واقصد بها السفارديم رغم انه هو شخصيا كيهودي لم يكن يعاني من اية مشاكل لكنه بعقليته العلمية المتحررة كان يرفض من داخله كل المتناقضات التي لم يكن في ارض الحلم الموعود، وعاش بتركيبته النفسية منعزلاً عن المجتمع اليهودي بكل تفاصيله واقتصر في حياته على التدريس في معاهد العلوم التكنولوجية في الكيان الحديث وكان بطبيعته رجلاً رحب الصدر يحيا في صمت، لا يغضب احدا ولا يغضب منه احد وعاش عازباً لم يتزوج ولم يكن متطرفا بأية حال من الاحوال وكان كثيرا ما يقرأ عن تاريخ العرب وتاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي واسبابه وكان يخشى ما يخشاه ان تقع حرب نووية في المنطقة حيث ستكون «اسرائيل» نفسها اول من سيتضرر بهذه الحرب وعلى هذا الاساس كانت مناقشاته طيلة فترة لقائه بالضابط المحترف براعة في حوارته الحضارية مع الاستاذ الجامعي المثقف انتهت بالاتفاق معه على معرفة القدرة النووية الاسرائيلية كما انتهت الى ان اصبح البروفيسور جان بيير عميلا بكل معني الكلمة للمخابرات المصرية وهو لم يكن بطبيعة الحال عميلاً عادياً فهو استاذ اكاديمي متخصص في اهم فروع العلم الطبيعي والكيميائي ومدرس محاضر في اكبر معاهد وجامعات العالم وكانت مهمته مع المخابرات المصرية التي كان مقتنعا بمحض ارادته للتعامل معها من ادق المهام، وهي مهمة توازي حجمه كعالم بل كانت اكبر مهمة للمخابرات المصرية وهي اختراق الستار الحديدي للمنشآت النووية الاسرائيلية ومجالها السري الذري، وكان بحكم كونه عالما واستاذا متعدد الصلات والصداقات بالعاملين في المجال النووي في «اسرائيل» وخاصة مفاعلها النووي «ديمونة» وكانت «اسرائيل» تهتم بهذا المفاعل الذي انشأته لهم فرنسا وكانت قوته وقتها 26 ميجاوات بينما كان مفاعل انشاص المصري لايتعدى 2 ميجاوات وهو المفاعل السلمي الذي ساهم الاتحاد السوفييتي السابق في انشائه بطلب من جمال عبدالناصر ولكن مفاعل ديمونة الذي طورته «اسرائيل» حتى بلغت قوته الآن 150 ميجاوات اصبح ينتج رؤوسا نووية للاغراض العسكرية وليس السلمية. وبلغ من اهتمام «اسرائيل» بهذا المفاعل درجة جعلته تقوم باختطاف العالم الالماني «كروج» تماما بالطريقة نفسها التي تم بها اختطاف ادولف ايخمان من بيونس ايرس بالارجنتين ونقله الى «اسرائيل» حيث جرت محاكمته واعدامه شنقا فقد كانت «اسرائيل» على علاقة طيبة بفرنسا قبل ديجول فارسلت في ذلك الوقت طائرة عسكرية اسرائيلية خاصة تحت بند الصداقة حيث نزل طاقم الطائرة الى باريس للسياحة ومشاهدة معالمها وعندما عادوا ليلا الى الطائرة كان معهم زميل لهم يستند على اثنين منهم بعد ان فقد وعيه من شدة الترنح.. وفي الحقيقة ان هذا الزميل لم يكن ايضا هذه المرة سوى الدكتور كروج عالم الذرة الالماني المعروف الذي اختطفوه بعد حقنه بحقنة مشابهة تماما لتلك التي حقن بها ايخمان ثم البسوه زي طيار وعادوا به الى «اسرائيل» وحين وصل لم يكن امامه سوى ان يعمل معهم في تطوير مفاعل ديمونة النووي. عميل ممتاز جدا بعد ان كشفت المخابرات المصرية عن هدفها للعالم الاسرائيلي ابدى العالم هاديء الطباع تعاونا ممتازا وأمد المخابرات المصرية بكمية كبيرة من المعلومات المهمة والدقيقة جدا عن النشاط النووي الاسرائيلي واستطاعت المخابرات المصرية عند طريقه فك رموز النشاط النووي الاسرائيلي ومعرفة ادق اسرار مفاعل ديمونة النووي، وخضع العالم النووي الاسرائيلي لدورة تدريبية على يد رجال المخابرات المصرية حيث تم تدريبه على كتابة الرسائل السرية باستخدام الجسر السري وارسالها على عدة عناوين مختلفة في عواصم أوروبا.. في روما ولندن وباريس وبون وغيرها وكان جان بيير يقوم أحيانا بتسليمها باليد لمندوبي المخابرات المصرية في هذه العواصم يدا بيد في بعض الظروف التي تستدعي ذلك. وتميز البروفيسور جان بيير في كتابه الابحاث الهندسية وخاصة المعادن وكان دقيقا جدا كعالم في معلوماته ووظف براعته العلمية في خدمة المهمة التي كان يقوم بها بحماس منقطع النظير حيث كان يجمع المعلومات ويصنفها ويحللها ويرسلها كلها في موضوعات متكاملة حول النشاط الذري والتعديني بل وكذلك تلك المختصة بالعمليات الجيولوجية سواء داخل «اسرائيل» أو في الاراضي التي احتلتها بعد عام 1967 في سيناء وغزة والجولان.. كل هذا جعل المخابرات المصرية تصنفه تحت بند عميل ممتاز جدا وتمكنت المخابرات المصرية بوساطته من معرفة الطريقة التي تفكر بها «اسرائيل» نوويا وحصلت على ادق المعلومات الذرية عن المفاعل الذي ظل سرا لفترة طويلة ولم يكشف النقاب عنه رسميا الا بعد عملية فرار فانونو التي سنخصص لها حلقة منفردة. وحدد جان بيير في المعلومات التي أمد بها المخابرات المصرية كميات اليورانيوم المتوفرة لدى «اسرائيل» وبالتالي استطاعت المخابرات المصرية تحديد قدرة «اسرائيل» أو عدم قدرتها على تصنيع قنبلة نووية في ذلك الوقت ومدى قدرتها على تهديد الدول العربية في هذه الحالة كما كشف أشياء سربتها «اسرائيل» بعد حرب 1967 كان هدفها التخويف فقط عندما أشاعت ان لديها 13 قنبلة ذرية وان على العرب الا يفكروا في دخول حرب مع «اسرائيل» التي يمكنها ان تستخدم سلاحها النووي الذي يمكن ان يطول السودان كما يمكن ان يصل الى المغرب في اقصى الشمال الغربي للعرب.. كشف جان بيير للمخابرات المصرية ان «اسرائيل» لا تملك سوى مفاعل ديمونة فقط وأنه لا قنابل نووية وربما يكون لديها بعض الرؤوس النووية فقط وأن ما تشيعه حول قدراتها هو نوع من المبالغة للتهديد فقط وان هناك بضع مئات من الكيلو وات من اليورانيوم الذي استولت عليه من عملية قرصنة بحرية من بلجيكا والبعض الآخر حصلت عليه من جنوب افريقيا العنصرية وقتها وأن كل ما تقوم به الآن من اعمال لا يخرج عن التحضير لصنع قنبلة ذرية وأن كل ما لديها نموذج لهذه القنابل. الخطأ القاتل كان البروفيسور لايزال على علاقة برجل الأعمال محمود خالد الذي كان حلقة الوصل بينه وبين بقية رجال المخابرات المصرية وكان البروفيسور مثالا للعميل المنضبط في مواعيده ومعلوماته والتزامه بالتعليمات كما لم يكن رجلا مستهترا أو له نزوات نسائية ولذا كان من الصعب كشفه ابدا للمخابرات الاسرائيلية الا ان القدر يتدخل احيانا لحكمة لا يعلمها إلا الله ويكشف العميل مهما بلغ حذره او خبرته او التزامه بالتعليمات وهو ما حدث للأسف مع البروفيسور الذي خدم مصر لمدة زادت على السنة استطاع خلالها كشف الكثير من رموز النشاط النووي الاسرائيلي ووضع نقاطا كثيرة على حروف كانت تفتقر لهذه النقاط لتصل المخابرات المصرية الى جملة مفيدة عن مفاعل ديمونة ونشاط «اسرائيل» النووي.. ففي نهاية عام 1970 وصلت الى الموساد رسائل مكتوبة بخط جان بيير مرسلة لعنوان في اوروبا لكن صندوق البريد الذي كان من المفترض ان توضع فيه لم يكن اشتراكه الجديد قد سدد فعادت الرسائل الى بريد «اسرائيل» الذي كان عليه بدوره اعادتها الى مرسلها البروفيسور جان بيير إلا ان عامل البريد تعجب فقد كانت الرسائل كثيرة ومتلاحقة والى نفس العنوان فشك في الامر وفتح احدى الرسائل ولم يفهم المكتوب فيها فابلغ الموساد الذي حلل الرسائل وكشف الكتابة السرية حيث اتضح انها مليئة بالمعلومات السرية عن النشاط النووي الاسرائيلي والتي كانت موجهة الى المخابرات المصرية! على الفور أمر رئيس الموساد بنفسه القاء القبض عليه حيث توجهت مجموعة من عناصر الموساد اليه وكان وقتها في مركز الابحاث الذرية والقت القبض عليه ولم يعترض ولم يصرخ بل سار بهدوء شديد كما هي طبيعته مع سجانيه الى غرفة التحقيق.. الحكم كان البروفيسور جان بيير هادئا طيلة فترة المحاكمة التي بدأت بعد حوالي شهر من القبض عليه حيث اجاب على كل الأسئلة التي طرحت عليه وأبدى تعاوناً في التحقيقات واثناء جلسات المحاكمة أرشدهم عن كافة المعلومات التي أوصلها للمخابرات المصرية وبعد انتهاء التحقيقات والمحاكمة قال القاضي: انه نظراً لخدماته «لاسرائيل» وتعاونه وكشفه الكثير من الاسرار التي أذاعها للمصريين واعترافه الصريح بالتهمة مما يعد أسبابا مخففة حكمت المحكمة على المتهم جان بيير استاذ التقنية الذرية بالسجن عشر سنوات مع الاشغال الشاقة وكان ذلك في فبراير عام 1971. رد الجميل في العاشرة من صباح يوم 2 ديسمبر عام 1973 كان السجناء في سجن الرملة خليطا من عرب واسرائيليين وجنسيات أخرى ممن أصدرت «اسرائيل» بحقهم احكاماً مختلفة يستعدون للنزول إلى ساحة السجن لكي يقضوا ساعتين في الهواء المفتوح حيث يسمي الاسرائيليون هذه الفسحة وقت التنفس وهو الوقت الذي يسمح فيه للسجناء وخاصة الخطرين منهم كالجواسيس والقتلة باستنشاق الهواء النقي بعيداً عن الزنازين. خرج السجين جان بيير رقم 114 من زنزانته رقم (5) التي تقع في الطابق الثاني بسجن الرملة إلى ساحة السجن كان هادئاً كعادته وصامتاً يسير في خط مستقيم ذهاباً وعودة يملأ صدره بالهواء النقي وحوله المساجين وكان معظمهم من الجواسيس أو الفدائيين المقبوض عليهم في عمليات تجسسية لصالح العرب أو عمليات فدائية وفجأة اقترب منه اثنان من المساجين وقالا له نحن عملاء للمخابرات المصرية وقد تم ترتيب عملية تهريبك من السجن ولا تخش شيئاً فالعملية مرتبة ومخطط لها على أعلى المستويات، نظر لهما البروفيسور بتشكك وسألهما ولكن كيف انتما في السجن؟ هذا عملنا أخبرنا متى تكون مستعداً للهروب؟ تلعثم البروفيسور وبدأ متردداً، ولم يكن من المفاجأة في حالة تسمح له بالرد عليهما لذا فقد طلب منهما امهاله فترة للتفكير.. ولكنه بعد انتهاء فترة الفسحة في اليوم نفسه شكرهم وقال لهما انه رجل هادئ، ولا يحب المغامرة ويخشى أن يقبض عليه فتتضاعف مدة سجنه والأفضل ان يتقدم بطلب للمخابرات الاسرائيلية لكي تعفو عنه.. وقال لهما اشكرا لي المخابرات المصرية التي لم تنس عميلها حتى وهو داخل سجون «اسرائيل»، انهم رجال من طراز خاص كما عرفتهم عن قرب، وإذا حصلت على العفو سوف أترك «اسرائيل» نهائياً وأعود إلى أوروبا لقد تعبت من هذا البلد ومن سياساته وتناقضاته وعنصريته سأظل صامتاً في زنزانتي حتى يوم خروجي وشكراً لكما وللمخابرات المصرية. في صباح يوم 4 مارس استيقظ جان بيير داخل زنزانته على أصوات وهرج ومرج في سجن الرملة وأبواق الحراس تصرخ وتنبح معها الكلاب البوليسية واعداد غفيرة من الشرطة العسكرية تملأ ساحة السجن، ولا أحد يعرف ما الذي حدث.. وفي اليوم التالي عندما نزل إلى ساحة السجن كانت الحراسة مشددة للغاية وعندما سأل قيل له ان اثنين من جواسيس القاهرة من المحكوم عليهما بالسجن مدى الحياة هربا مساء ليلة أمس.