الجمعة 10 رمضان 1423 هـ الموافق 15 نوفمبر 2002 اثارت زيارة الرئيس الايراني محمد خاتمي لاسبانيا مؤخرا مجموعة مهمة من القضايا المثيرة، وفتحت المجال امام وزيرة الخارجية الاسبانية آنا بالاسيو لتمزج بين الدفاع عن حقوق الانسان والدبلوماسية، والبلاغة هي احد العيوب التي تعزوها الوزيرة الاسبانية الى السياسة وعلى الرغم من حداثة عهدها بهذا المنصب الحيوي الا انها اصبحت تتمتع بخبرة مرموقة في ادارة الصراعات، مثل النزاع الذي دار بين حكومتها والمغرب حول جزيرة ليلى، والقمم الاوروبية، وزيارات معقدة مثل زيارة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والرئيس الايراني محمد خاتمي لبلادها وتتمتع بالاسيو بعزيمة قوية وقدرة على التعبير الصريح، والسرطان الذي تمكنت من تجاوز مخاطره يوضح الكثير فيما يتعلق بارادتها في معالجة الظروف الطارئة وقدرتها على التمييز بين ما هو مهم وما هو ثانوي. هذه هي «الوصفة» التي طبقتها بمناسبة زيارة خاتمي الاخيرة لبلادها فممارسة السياسة على سبيل المثال لم تمنعها من ابراز مجموعة قضايا خلافية امام الضيف الايراني في الوقت الذي تنقل فيه للمجتمع رسالة تسامح لبلد تمثل فيه المرأة 60% من الجامعيين. اما قضايا جبل طارق والمغرب والمساعدات الزراعية وتوسيع الاتحاد الاوروبي والعلاقات مع «أميركا الاسبانية» فما هي الا بعض المسائل المهمة التي تغص بها اجندتها الحافلة وفيما يلي النص الكامل للحوار الذي اجرته صحيفة «إيه. بي سي» معها: ـ ما هو اكثر ما ادهشك في زيارة خاتمي في مسألة الرسميات؟ ـ الالحاح على قضايا سطحية، بينما توجد في الحقيقة اختلافات لكنها في العمق لم تظهر مما يوحي بتناقض ظاهري. ذلك هو اكثر ما ادهشني. والحوار لا يعني التطابق واذا كان لاوروبا راية فتلك هي راية حقوق الانسان، وذلك لا يقبل تأويلات بما يتفق مع خواص ثقافية معينة. ـ هل يمكن ان يسبب واقع كون وزير خارجية اسبانيا هي امرأة صداما جديا بين الثقافات او بعض المشكلات المراسيمية؟ كيف تقومين زيارة الرئيس الايراني محمد خاتمي لاسبانيا؟ ـ على المجتمع الاسباني المحافظة على مبادئه ونحن ليس لدينا ادنى شك في ذلك، ومن بين المباديء هناك مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ومع ذلك يتعين ملاءمة ذلك مع شيء من التسامح، اذ ان الامر يتعلق بايجاد مفهوم مشترك، وبأن نكون واعين بأنه في اوضاع محددة يجب تقديم المضمون على الشكل. طبعا عندما اسافر الى طهران لن يكون عندي اي مشكلة في التأقلم مع العادات الايرانية، لانه يبدو انه يتعين علي التكيف مع ذلك. ـ ما هي المزايا التي يمكن ان تقدمها لنا زيارة من هذا النوع؟ ـ زيارة كهذه فيها مزايا كبيرة لانها تقرب بلدا وثقافة لهما اهمية قصوى ونجهلهما تماما. انا نفسي عندما اعددت لهذه الزيارة كان علي ان اقرأ كثيرا لان ايران كانت مجهولة الى حد كبير بالنسبة لي. ولقد اكتشفت على سبيل المثال مجتمعا يحترم المرأة التي لم املك حولها اية فكرة، ولم اعلم انها معاصرة للغاية في بعض العناصر، بدءا من مشاركة المرأة في الحقل المهني حتى نسبة النساء في الجامعة التي تصل الى 60%. وذلك يقول الكثير عن مجتمع فتي جدا في الوقت نفسه، اذ ان نسبة السكان الذين لا تتعدى اعمارهم 35 عاما في ايران تصل الى 70% وأعتقد انه من الاهمية بمكان التعرف على كل ذلك. بالاضافة الى انه تم تشكيل فريق عمل لانشاء منتدى للحوار بين الثقافات فإذا كنا نواجه تحديا حقا فذلك التحدي هو الحيلولة دون وجود صدام بين الحضارات. علاوة على اننا نتوقع مبادرات مثل برنامج لتبادل القضاة، بحيث يأتي قضاة ايرانيون الى اسبانيا وأوروبا كي يتعرفوا على ما تعتبره قانونا وفي الوقت ذاته، يتعرف قضاة اسبان على ايران، ويمكنهم المساهمة بتجربتهم. ـ يبدو انك تمضين في طريق التحول الى خبيرة في قضايا البروتوكول المرتبطة ببلدان الشرق الاوسط؟ ـ ان الحالة الايرانية لا تتطابق مع وضع المغاربة والجزائريين الذين لهم سلوك مختلف، وليست لدي مشكلة لا مع هؤلاء ولا مع اولئك. وكان لي مع الايرانيين لقاء اول مع وزير الخارجية في الامم المتحدة وحينها ارسلوا الي مبعوثا يذكرني بأنه ليس بامكاني ان امد يدي للتحية، وقلت انه ما من مشكلة في هذا الصدد ولقد تفهمت ذلك تماما. ـ مع ذلك ألا يجب ان يكون لقاؤك مع وزير الخارجية المغربي محمد بن عيسى اشد وأقسى مع انه في قضية التحيات يتبنى الاسلوب العربي؟ ـ اعتقد انه لا يجب التدقيق كثيرا في هذه الامور لان الوزير محمد بن عيسى فقد دور البطولة في تلك المرحلة التي دخل فيها كولن باول على الخط تحديدا، خلال الازمة الاخيرة المتعلقة بجزيرة ليلى. ـ من نافل القول ان شغلك لمنصب وزير الخارجية الاسبانية تصادف مع مطالبة مغربية قوية بجزيرة ليلى هذا ان لم نقل انها تصادفت مع ازمة حكومية في اسباني. ـ في المقام الاول، لم تكن هناك مطالبة بحق فالمطالبة تعني الحديث. وما فعلته المغرب كان عملا عدوانيا، سافرا وخصوصا في اطار ثقافات تعطي قيمة كبرى للمسائل الرمزية. لكن في نهاية المطاف، فإنه لا يضيرني وجود علاقة وبما انه لا يضيرني ولا يشملني كذلك، فإن الافعال هي الافعال ولا يمكن اعطاؤها اهمية اكبر من واقع انه كان هناك مصادقة. ـ على الرغم من الوقت القصير الذي مضى عليك وأنت في موقع الصدارة في السياسة الخارجية الاسبانية، إلا انك مررت بمناسبات عشت خلالها لحظات حاسمة. ما هي اللحظة الأهم في هذا الصدد؟ ـ عندما قرر رئيس الوزراء التدخل في جزيرة ليلى. فلقد كانت لحظة استثنائية شعرت خلالها وكأن الوقت قد تجمد حيث خيم الصمت وشعرت بالحاجة الى خلوة مع النفس، لانه قرار ذو اهمية قصوى. انها ذكرى احملها معي وستبقى، انها ذكرى لتلك الايام التي زاد احترامي لرئيس الوزراء كثيرا، فلقد كانت تجربة مهمة جدا بالنسبة لي. ـ بمجرد ان تم تجاوز الازمة، كان عليك الذهاب الى الرباط وفجأة تجدين ان الذين يستقبلونك في المطار هم موظفون من الدرجة الثانية. ومن جانب آخر كان لديك اجتماع متوتر جدا مع بن عيسى وكان الحديث دائرا حول اذا ما كنت تضعين قلادة حول الرقبة ام وشاحا. ـ هذه الاشياء لا ترتجل فلقد كنت على علم مسبق بمن كان سيستقبلني وحينها سألت في الوزارة عما اذا ما كان ذلك مناسبا وقالو لي: «نعم انه تعبير عن الفتور لكنه مناسب جدا» وقلت: حسنا اتفقنا لكن ندفع باتجاه التوصل الى اتفاق حول جدول الاعمال، اي انني اريد ان يكون جدول اعمال مغلق وأوافق على الاستقبال واذا كان هذا الاستقبال ضمن المعايير فلا بأس بما هنالك من فتور وهذا ما كان. ـ عندما بدا كل شيء هادئا تقريبا، وجدت نفسك في مواجهة مسألة فالديراما (المسئول عن المفاوضات في سفارة بغداد الذي اعرب امام الملأ عن اختلافاته مع السياسة الخارجية الاسبانية)، هل لديك شيء تضيفنه على ما قيل حول هذه الحالة؟ ـ لا نستطيع الاحتفاظ في هذا الموقع بشخص يختلف بشكل صريح مع سياسة الحكومة كما قال هو. وبصراحة هناك شيء آخر أقلقني واستطاع لسوء الحظ ان يسقطه، ألا وهو ان الخدمات الخارجية الاسبانية مسيسة وذلك ليس حقيقيا بالمطلق. ـ من الذي يتعين عليه ان يحرك الوضع الآن فيما يتعلق بالعلاقات مع المغرب؟ ـ هم. ـ لكن ذلك يبدو انه قصة بلا نهاية فلقد مضى على سحبهم لسفيرهم اكثر من عام؟ ـ المبادرة بين ايديهم على الرغم من ان وزير الخارجية هو وزير سيادي اي على الرغم من انه لا يتأثر بالانتخابات، الا انه يشكل جزءا من السلطة التنفيذية. في هذه الاثناء نحن مستعدون للحوار بشكل مطلق، ومقتنعون بأنه يجب ان يكون لنا علاقة رائعة معهم. ـ استقبلت زيارة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بشكل سييء جدا من جانب وسائل الاعلام المغربية في حين فسر ذلك في مدريد كأسلوب لتوجيه الرباط. ـ الامر ليس على هذا النحو. فلقد اقامت اسبانيا مع الجزائز علاقة تعادل العلاقة مع المغرب بالنسبة للاطار القانوني والذي نريده حقا هو علاقات ممتازة مع المغرب العربي بكامله، مع تونس ومع المغرب ومع الجزائر والذي يروق لنا كذلك هو تعزيز تكامل هذه المنطقة لان مصلحة اسبانيا التي هي مصلحة الاتحاد الاوروبي ايضا، تتمثل في المحافظة على الاستقرار في الجنوب راسخا للغاية ومن ثم تعزيز العلاقات مع جميع تلك البلدان. ـ عندما يقرر رئيس الوزراء الاسباني ازنار تعيينك لهذا المنصب لابد انه كان يفكر في ان الشوط الاسباني يلعب في اوروبا وأنك احد الاشخاص الاكثر تأثيرا في الاتحاد. ألا يبدو لك ممكنا توقع ان تقوم المغرب باثارة ازمة بتلك الطبيعة، مع العلم ان اجندتك تغص بمسائل لا علاقة لها بالبناء الاوروبي. ـ اذكرك بأن تدهور العلاقة مع المغرب سابق جدا لدخولي الى الساحة السياسية، ان ازمة جزيرة ليلى برزت على السطح عند دخولي للساحة، لكن مضى علينا اكثر من عام ونحن بلا سفير مغربي. اما فيما يتعلق بالاسباب التي جعلت رئيس الوزراء يختارني وزيرة للخارجية فأعتقد انه قدر اهمية تجربتي الاوروبية. ولاحظ اني سوف اذهب الى «ايبرو اميركا» التي تتمتع بأهمية خاصة بالنسبة الى اسبانيا وبقراءة اوروبية ايضا حيث يتعين علينا اقناع شركائنا الاوروبيين بأنه في التوازن الاوروبي لا يجب فقدان ذلك البعد ما وراء الاطلسي. ـ من كل تجربتك المهنية في اوروبا، ما هو الشيء الذي افادك في هذه الاشهر الاخيرة في ادارة وزارة الخارجية؟ ـ العلاقات الشخصية. فعلاقة شخصية جيدة تحل مشكلات كثيرة، وأنا اتيقن من ذلك مع كل يوم يمضي. ـ كيف تقيمين قمة بروسيلاس؟ ـ الواقع ان مجلس «بروسيلاس» قد شكل نجاحا بالنسبة الى اسبانيا حيث حافظنا على ما يمثل خطوطا اساسية في موقفنا مدافعين عن مصالحنا على قاعدة العقلانية المشتركة. وأول ما دافعنا عنه هو انه لا يمكن اقرار السياسة الاوروبية اعتبارا من عام 2006 بدون مشاركة الاعضاء المكملين اذ ان المبدأ الذي بنيت عليه اوروبا هو مساواة الدول والمواطنين ولا يمكننا تجريد الدول العشر الجديدة من حق المشاركة في النقاش حول عملية انضمامها. الشيء الثاني الذي دافعنا عنه هو فكرة سياستنا الزراعية القائمة على ان يكون للزراعة اكثر من هدف وان لا تقتصر على الانتاج وحسب، بل يجب ان تشمل التوازن الاقليمي والمحافظة على الوسط البيئي. ـ يبدو ان سلفك خوسيه بيكيه قد ترك اتفاق السيادة المشتركة على جبل طارق في الطريق الصحيح. ما هو وضع هذه المسألة؟ ـ الجميع يعلم ان المفاوضات مثل الحياة نفسها اذ تمر بلحظات متألقة وبلحظات صعبة ايضا. بمعنى انه في لحظة التألق تكون اقرب الى النهاية من اللحظة النقيضة. فالعملية لا تنقسم الى مراحل ويجب الانطلاق من المبدأ بأن لا شيء متفقا عليه حتى يتفق على كل شيء وأنه لا يوجد اتفاق الى ان يوجد اتفاق بالمعنى الحرفي. ترجمة: باسل أبو حمدة عن «إيه بي سي» ـ إسبانيا