الاربعاء 8 رمضان 1423 هـ الموافق 13 نوفمبر 2002 روى لي والدي، ذات مرة، مشهدا رآه في احدى مدارس تعليم الكلاب طاعة اصاحبها. قال المدرب مخاطبا احد الزبائن قليلي الحظ مع الكلاب: «ان كلبك تعلم منذ زمن طويل ما الذي عليه فعله، في حين انك انت نفسك لم تتعلم ذلك بعد». وفي اعقاب ازمة الرهائن بمسرح دوبروفكا في موسكو، ذكرتني السلطات الروسية ووسائل الاعلام التي تسيطر عليها بصاحب الكلب الذي ما انفك يرتكب الاخطاء الفظيعة التي لا مبرر لها واحدا تلو الآخر من دون ان يتعلم منها شيئا. وكان اسوأ ما في الامر تلك المعاملة الغليظة لاقارب الرهائن السابقين. ولست اشك في ان الصور التلفزيونية التي التقطت لاولئك الاشخاص وهم يساقون بالقوة بعيدا عن بوابات المستشفيات وكأنهم ضحايا يتوسلون عند باب محكمة قد اثارت سخط الكثيرين منا. احب هنا انا اقترح استخدام مصطلح محدد لوصف هذا السلوك، وهو «عارض 1941ـ 1945. وهذه النوعية من العوارض تنم عن تقصير جنائي في الاستعداد لحرب كان الجميع يعلم انها وشيكة، وتلاه حشد بطولي للقوات ونصر عظيم جلب لنا حب البشرية جمعاء وتقديرها لكننا دفعنا ثمن هذا النصر خسائر جسيمة. والعارض الاخير يتمثل في تأليب انصارنا السابقين ضدنا في سبيل مصالح امنية زائفة ويقدم التاريخ شواهد مسهبة عن كيفية تطور هذا العارض المرضي اذا ترك بدون علاج: خطاب «الستار الحديدي» الذي القي في فولتون بولاية ميسوري الاميركية في شهر مارس 1946 والذي اشار الى بداية الحرب الباردة. ان روسيا الآن كما كانت من قبل تعرف كيف توقع الهزيمة بالخصم، لكنها لا تعرف كيف تضمن النصر لنفسها وهذا ناتج الى حد كبير عن سياسات السلطات الخاطئة فيما يتعلق بالصحافة والجماهير. لقد آن الأوان لكي نفهم ان اسوأ عدو للدولة الروسية هو الصحافة المسيطر عليها من قبل هذه الدولة. وكما يقولون فإن الصديق الأحمق اخطر من اي عدو. وعلى سبيل المثال فإن الكرملين وسط فورة النشاط التي أعقبت عملية تحرير الرهائن، اقترف خطأ ثانويا، فيما يتعلق بعدائه للدانمارك بسبب سماحها باقامة مؤتمر الشيشان العالمي في كوبنهانغن عقب ازمة الرهائن. فخلال ساعات، عمدت محطتا «روسيا» و«القناة الاولى» اللتان تسيطر عليهما الدولة الروسية الى تحويل الحادثة الى حملة دعاية واسعة النطاق على الطراز السوفييتي ونتيجة لذلك اصبحنا مرة اخرى موضوعا للخوف والسخرية. وقد فات الأوان الآن على تصحيح هذاالخطأ من دون فقدان ماء وجهنا. في مقاله لي نشرت مؤخرا كتبت اقول ان العلاقات بين السلطات الروسية ووسائل الاعلام المهيمنة خلال الازمة كانت تسودها روح المهنية والتعاون، فضباط السلطات القانونية التقوا بشكل منتظم بالصحافيين وحظوا باحترامهم. وتحركت وزارة الصحافة لفرض قيود على الصحافة. كان هناك شكاوي مظالم عديدة، لكن الامر لم يرق الى مستوى العداء. فالجميع فهم ان الحالة كانت استثنائية. حتى ان وزارة الصحافة اعلنت انها لن تصدر انذارات رسمية عن «الانتهاكات» التي جرت خلال الازمة. وعندما انتهت العملية العسكرية انزوت القوات الخاصة بشكل طبيعي الى الظل واذا صح ما يقوله وزير الصحافة الروسي ميخائيل ليسين، فإن وزارته اوقفت على الفور نشاطات تنسيق التغطية الصحفية. وآلة التلفيق الحكومية تحولت من معالجة ازمة الرهاؤن الى مهامها الروتينية تحت امرة كبير اطباء التلفيق في الكرملين سيرجي ياسترزمبسكي. ولسوء الحظ فإن سمعة هذا الرجل سيئة للغاية بحيث انه ما من احد يصدقه، حتى ولو كان يقول الحقيقة. وخلال الازمة التزم الصمت على نحو يثير الشفقة، لكنه للأسف فتح فمه بعد ذلك. وكانت النتيجة متوقعة: بيانات رسمية متناقضة، تأخيرات في توفير المعلومات للصحافة. ومرة اخرى وجدنا انفسنا في مواجهة جبن البيروقراطيين الذين يفضلون تلفيق اي اجابة على ان يعترفوا بصدق بأنهم لا يعرفون الاجابة على الاسئلة المطروحة عليهم. وادى ذلك الى الخلط المعتاد بين التخمين والشائعات والاقاويل في الصحافة. وقد بدأت دوائر الصحافة تمر في مرحلة «تحليل الذات» بعدما حدث. والمسئولية التي تتحملها الصحافة امام المجتمع، اصبحت الآن موضع مناظرات جدية، تعد في غاية الاهمية. هل ستخضع السلطات نفسها الى عملية «تحليل ذاتي» مشابهة؟ هل ستستخلص العبر الضرورية في اعقاب النصر الذي كان يتسرب من بين اصابعها؟ ام انها ستواصل السير بخطى واثقة على الطريق الى خطاب فولتون التالي؟ ترجمة: علي محمد عن «موسكو تايمز»