الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 سواءً تعلق الأمر بالتفاوض مع سادة الحرب، أو بناء مستشفيات، أو رئاسة اللجنة الأولمبية الصومالية، فإن ستارلين عبد أروش التي لقيت مصرعها، مؤخراً في نيروبي وهي في ربيعها الخامس والأربعين تبرز باستمرار كصوت وحيد يجسد الروح الطيبة والوعي الحقيقي. بعض الدبلوماسيين تحدث عنها باعتبارها الرئيس الأول المحتمل للصومال الديمقراطي الجديد، على الرغم من أنها كانت تتحاشى الخوض في أفكار تتمحور حول السلطة. لقيت أروش حتفها وهي في طريقها لمتابعة تطورات المحادثات الأخيرة بين جنرالات الحرب. وحسبما أشيع فإن ستارلين كانت ضحية عملية من عمليات النهب، وهي نهاية تشكل في حد ذاتها مفارقة بالنسبة للمرأة التي كتبت لها النجاة من حرب عبثية اجتاحت مقديشو في عام 1991، وكانت المواجهة بينها وبين الرجال المسلحين امتحاناً يومياً. في أعقاب تخرجها من إحدى المدارس التابعة لدير كاثوليكي تسنى لها أن تمضي 13 عاما من حياتهاً في إيطاليا. في تلك الأثناء كانت قد التحقت لفترة قصيرة بكلية الطب، لتغادرها إلى العمل في وظيفة ناجحة ببلدية تورين. وعلى الرغم مما كانت تشتهر به المؤسسات الإيطالية من محاباة إلا أن ذلك لم يمنعها من التأثر بحرياتها الديمقراطية. عادت ستارلين من ايطاليا إلى الصومال في سنة 1991 في أعقاب الحرب التي اجتاحته وراح ضحيتها اختها الصغرى وزوجها. وفي غضون أسابيع قليلة كانت المعارك قد اندلعت في مقديشيو، وكان منزلها قد تعرض مرتين للنهب والقصف بقذائف الهاون. أثناء القتال كانت الأختان ستارلين وحليمة تشرفان على تنظيم أحد برامج الإغاثة، الأمر الذي مهد لانخراطها في أعمال فرق الإغاثة التابعة للأمم المتحدة خلال المرحلة التي شهدت المجاعة التي اجتاحت أرجاء الصومال. وبسبب انتقاداتها الشديدة اللهجة أقدم عيديد على اعتقالها للمثول أمام محكمة قبلية هي وشقيقتها بحجة علاقاتهما الدولية، متهماً إياهما بالتواطؤ مع جهات أجنبية (ضمن ردودهما على الإتهامات الموجهة كانت الأختان قد أجابتا باعتزاز شديد وما هي حاجتنا إلى المساعدة الأجنبية لو كنا نريد قتل عيديد ؟ ألسنا قادرتين على قتله بأنفسنا ؟) الأمر الذي كان يشكل في حد ذاته تحديا حقيقيا لتلك المحاكمة. في تلك الأثناء، وبعد فترة قصيرة فقط من عودتها إلى ميركا للتفاوض مع رجال إحدى الميليشيا المتطرفة من اجل إطلاق سراح عدد من المحتجزين من عمال الإغاثة الإيطاليين كان عليها أن تتحمل موقفاً لاإنسانياً مهيناً أسهم بدوره في مساعدتها على العمل من أجل تغيير وجه الحياة المأساوي. وكان هذا الموقف قد بدأ بالتأكيد من عدم تقديمها المساعدة للرهائن من أجل تأمين هروبهم الأمر الذي حمل أحد المسلحين على إشهار السلاح في وجهها وسؤالها وكيف لنا أن نصدقك؟ كان سؤال الرجل الغريب الذي لا يزيد على كونه قاطع طريق بمثابة الصدمة التي تعرضت لها في المكان الذي عاشت فيه عائلتها على مدى أجيال الأمر الذي لم يتطلب منها سوى الإسراع في إعادة الأمور إلى نصابها. لم يكن ذلك بالأمر الهين. في ظل وجود 300 مستخدم من العاملين في المستشفى المحلية من الذين ينتمي عدد كبير منهم إلى رجال العصابات المسلحة، إضافة إلى النقص الكبير في المعدات الطبية. غير أنها كانت تواجه تحدياتها بصمت. وللرد على تهديدات هؤلاء المسلحين بقتلها كانت تكتفي بهذه العبارة أنا ستارلين عبد أروش التي تنتمي إلى قبيلة هابير إيجي، هيا ضعوا سلاحكم جانباً وإلا قتلتكم في الحال! كانت تقبل بتلك المواجهات كشيء حتمي. ولم يكن الدور الذي لعبته الشائعات التي أحاطها بها منافسوها، الذين اتهموها بالسعي إلى تأسيس إقطاعية خاصة بها ليقل تهديداً في حملة مانحي المساعدات الأوروبيين على التوقف. كانت مرافقة ستارلين في جولاتها من الأمور التي تبعث على الشعور بالتواضع، على الرغم من استهلاكها الكثير من الوقت. كان الناس يتسابقون لإظهار احترامهم لها. وكانت توميء برأسها بوقار أو تمزح معهم بلطف أو تتحدث إليهم بمرح وابتهاج، وكانت تحرص على مجاملتهم. وبعد ذلك تأتي قائمة مشروعات الإغاثة التي كانت تقدمها، المستشفى، عيادات الأمومة والطفولة، مدارس يتلقى فيها 3000 تلميذ تعليمهم، معسكر إعادة تأهيل رجال العصابات المسلحة. بالنسبة للمراسلين الأجانب كانت تلك المبادرات تشكل في حد ذاتها جملة الأنباء السارة حول الأوضاع المتأزمة في الصومال. كانت ستارلين تحلم بتقديم المزيد من العون والمساعدة في تأسيس إدارة محلية في ميركا. ومما لاشك فيه أن أحداً لم يكن ليتأخر عن تقديم ما يستطيع من المساعدة لمشروعها. وفي اليوم الذي قتلت فيه تحديداً كان ما يقارب الألف شخص يزدحمون في الشوارع لتشييعها. غير أن ذكرى تلك المرأة ماتزال حية في نفوس الكثيرين ومنهم أفراد عائلتها وخطيبها الأكاديمي الفرنسي رولان مارشال، الذي يقول بدوره إن ستارلين لم تفكر يوماً في مستقبلها. كان تفكيرها محصوراً في وطنها. بقلم: جيمس استيل