الثلاثاء 7 رمضان 1423 هـ الموافق 12 نوفمبر 2002 تطل على مدخل مكتب كوندوليزا رايس، مستشارة الرئيس الاميركي جورج بوش لشئون الامن القومي، في الجناح الغربي من البيت الابيض صورة ملونة لها على الجدار مع عازف التشيللو يويوما واذرعهما متشابكة ومرفوعة، كما يفعل المنتصرون كان الاثنان في الصورة يتقبلان تحية وتصفيق الحضور في المسرح بعد ان عزفا واحدة من سوناتات برامز في «كونستتيوشن هول» بواشنطن وعلى حافة طاولتها في المكتب تقبع اربعة صناديق مرتبة للغاية، على كل منها لصاقة تحمل كلمات: «استخبارات» و«الصادر» و«للقراءة» و«للتنفيذ الفوري»، وخلف الصناديق الاربعة مرآة للوجه يحملها مسند. رايس انسانة استعراضية، فقد ظهرت هذه السيدة امام جمهور لاول مرة وهي لاتزال في سن الرابعة فقط تقول في احد لقاءاتنا الاربعة التي جمعتنا في مكتبها على مدى الشهور الماضية: «كانت المناسبة حفل شاي للتعارف مع المدرسين الجدد في المدارس الحكومية في مدينة بيرمنغهام» وقد طلبت كوندوليزا وهي في سن الثالثة من والديها توفير دروس خاصة لها للعزف على البيانو، وقد لبيا الطلب. تقول: «بطريقة ما اقنعت امي هؤلاء الناس المجتمعين في الحفل ان يسمحوا لي بعزف مقطوعة صغيرة لتشايكوفسكي. كان اسمها: «جنازة دمية» ولدي صورة لي وانا اعزف في تلك الليلة، لا اعرف من أين اتت بتلك الفكرة ومنذ ذلك اليوم اخذت اعزف واعزف كان الناس يطلبون مني العزف في هذه المناسبة او تلك لكن فجأة لم اعد اجد في نفسي تلك الطفلة المميزة بل اني اخذت امل البيانو واردت ترك التعلم كنت في العاشرة ولم اعد اسمع الناس يطلبون مني العزف كان ذلك اول مناسبة في حياتي تشهد تدخل ابواي في قراري. قالت لي امي: انت لست كبيرة بما فيه الكفاية لتتخذي قرارا مثل هذا، انا سعيدة بأنها لم تسمح لي بترك البيانو، ففي ذلك الوقت كنت قد اصبحت من المهارة بحيث اعزف اي قطعة اريدها، وهذه المهارة ترافقني حتى اليوم». وتقبل مثل هذه الطلبات ليس مشكلة لكوندوليزا اليوم. ففي عطلة نهاية الاسبوع التي تلت مباشرة هجوم 11 سبتمبر، حينما اجتمع كبار مسئولي الامن القومي الاميركي في كامب ديفيد للتباحث في كيفية الرد، وبعد الانتهاء من العمل، اخذت كوندوليزا مصحوبة بوزير العدل جون اشكروفت في العزف على البيانو، ومضت تسلي زملاءها المجتمعين بغناء بعض الاغاني الاميركية الكلاسيكية لهم. وكانت كوندوليزا ايضا هي الراوية في النسخة الصوتية الرسمية لوثيقة «تغير العالم» وهي المذكرة التي اعدها الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الاب ومستشاره للامن القومي برنت سكوكروفت تعليقا على نهاية الحرب الباردة. وفي العديد من صباحات ايام الآحاد يمكن للمرء ان يسمع كوندوليزا على شاشات التلفزيون وهي تشرح بمقاطع جاهزة كاملة وبصياغة محكمة، المواقف السياسية الخارجية للرئيس الاميركي جورج بوش، بل ان كوندوليزا، التي تتسوق بنهم، والتي تحرص على الموضة في زي العمل، الموضة التي تكاد تصل حدود الجرأة «حتى بمعايير واشنطن)، حيث تختار الملابس ذات الالوان الصارخة والتنورات التي ترتفع عن الركبة، اصبحت الان ايضا تظهر بملابسها على اغلفة مجلات الموضة وستشهد الاشهر القليلة المقبلة صدور ثلاث سير عن حياة كوندوليزا، اثنان منها يتوجهان للقراء ممن لم يصلوا بعد مرحلة المراهقة، كما ان شركة شيفرون للنفط ومقرها في كاليفورنيا، والتي كانت رايس عضوة في مجلس ادارتها قبل ان تصبح مستشارة الرئيس للامن القومي، اطلقت اسمها على ناقلة نفط كانت قد دشنتها عام 1993 في مدينة ريودي جانيرو. لقد كانت العديد من نقاط الانعطاف الحاسمة في حياة رايس العملية هي نتاج مقدرتها الكلامية الاستعراضية امام الآخرين: رايس امرأة تترك دوما انطباعا قويا لدى مستمعيها بل ان مناصبها السياسية التي شغلتها في واشنطن حتى الآن هي كلها نتيجة مباشرة لحضورها حفل عشاء بعد حلقة بحث اكاديمية في جامعتها ستانفورد عام 1984، القى فيها سكوكروفت الذي كان رئيسا لمفوضية القوات الاستراتيجية في عهد الرئيس رونالد ريغان، خطابا عن السيطرة على التسلح. وبعد المحاضرة، تقدمت رايس، التي كانت تحتل منصبا متواضعا جدا في قسم العلوم السياسية في جامعة ستانفورد، لتتحداه على المنبر بخصوص بعض الافكار التقليدية السياسية بملاحظ شديدة القوة. وعن ذلك اليوم قال لي سكوكروفت: «قلت في نفسي هذه امرأة يجب ان اتعرف عليها اكثر انه موضوع مخيف للخوض فيه جدلا وها هي شابة تجادل فيه من دون خوف». وهكذا بدأ سكوكروفت يجهز رايس لتحصل على منصب حكومي عبر دعوتها مرارا للمؤتمرات والندوات تتحدث وتقابل الناس وفي عام 1989 حينما اصبح سكوكروفت مستشارا رئاسيا للامن القومي عينها في مجلس الامن القومي في موقع جعلها المرجع الرئيسي له في شئون الاتحاد السوفييتي وفي غضون سنتين اصبحت رايس مقربة شخصيا للرئيس الاسبق بوش الاب والسيدة الاميركية الاولى آنذاك بشكل لايتاح عادة لموظفي البيت الابيض ممن هم في اعلى المناصب متوسطة المستوى وقبل ان تعود الى ستانفورد عام 1991، وجهت اليها الدعوة للطابق العلوي في البيت الابيض لوداع شخصي لعائلة الرئيس المغادر وفي عام 1992، كعضوة في لجنة البحوث الرئاسية في جامعة ستانفورد، نجحت في ترك انطباع ممتاز لدى احد المرشحين وهو جيرهارد كاسبر في اول لقاء لهما حتى انه ما ان حصل على منصب رئيس الجامعة حتى عينها في منصب مدير الجامعة، وفي عام 1998، تحدث جورج بوش الابن حاكم تكساس الذي تعرفه رايس الى حد ما نتيجة علاقتها بعائلته بفعل زياراتها المتكررة لهم في تكساس، والذي كان يفكر في الترشح لرئاسة الولايات المتحدة، تحدث امام اجتماع جمهوري لجمع التبرعات. وعقب الاجتماع، قام جورج شولتز الذي كان وزير خارجية سابق والذي قدم بوش امام المستمعين قام بترتيب نقاش سياسي وتجل لبوش في اليوم التالي مع مجموعة من الخبراء من معهد هوفر، وهو مؤسسة ابحاث اكاديمية تعمل كحكومة منفى جمهورية ورايس التي اصبحت واحدة من مدللات شولتز ايضا كانت حاضرة في الحوار ونجحت مرة اخرى في خطف الابصار بادائها وقال لي شولتز: «كان لدى كوندوليزا الكثير لتقوله. وقد انصت لها الرئيس». وسرعان ما اصبح خبراء ولتز يتلقون الدعوات لمزيد من الندوات في اوستن بتكساس وفي عام 1998 استقالت رايس من جامعة ستانفورو، واصبحت رئيسة فريق مستشاري بوش للسياسة الخارجية. ان قضاء بعض الوقت مع رايس يمثل فرصة مباشرة لمعرفة كيفية تحقيقها لتأثيرها الكبير على الناس وعن ذلك قال لي احد المسئولين السابقين في الادارة الاميركية: «للكوندوليزا حضور من النوع الذي يوفر دوما المزيد من الافكار للمستمعين. انها من اكثر المتحدثين موهبة وهي قادرة دوما على طرح افكار قوية بطريقة مقنعة من بين كل الذين عرفتهم ان اردت رأيي فأنا اصنفها على قمة الهرم بالنسبة لاهمية الافكار نفسها لكن هذا ليس نقطة قوتها بل هي طريقة طرح هذه الافكار. ودوما ما تبدو رايس بشكل شديد التنظيم والاستعداد، وبقدر كبير من التفاصيل في ذهنها، تفاصيل تمتلك القدرة على اختصارها بشكل واضح ومبسط وهي ايضا لبقة وجذابة وليست مغترة بمالديها من مناصب رسمية بل تظهر دوما بابتسامتها الدمثة وطباعها الهادئة وحتى الآن لم تواجه سؤالا بدت امامه غير مدركة او مشتتة او تقدمت باجابة مفككة، بل هي تقدم دوما اجابة مترابطة العناصر تغلغها الحتمية والاقناع وقبل الشروع في الجواب تؤكد دوما على ادراكها للسؤال «طيب» فهمت ما تقوله» ثم يأتي الجواب، مشفوعاً بتفاصيل وتجارب تنقر دوما على الوتر الذي تحس ان سائلها يريد العزف عليه للدحض. حينما سألت جورج شولتز، وهو مفاوض نقابي سابق متشدد عن رايس قال: «تبدأ حديثها دوما بالقول: ماهي مصالح الولايات المتحدة؟ وهي تدرك ان ما يحدث في اماكن اخرى هو مهم لنا غير انها تبدأ دوما بالولايات المتحدة، كما يفترض ان يفعل اي اختصاصي في السياسة الخارجية». وعنها يقول جون اشكروفت الذي يتصدر التشدد الديني المسيحي في الادارة الاميركية، يقول: «اعتقد انها تدرك ان اميركا ذات دور قيادي مهم جدا، جدا في العالم ونحن لا نتمتع بمكانتنا العالمية باعتبارنا نقود بالقوة بل ان لدينا الفرص لنقود بالسلطة الاخلاقية: القيم الاساسية للحرية والفرصة والواجب. اما وزير الخارجية كولن باول واكثر مسئولي الادارة الحالية دعما للتعددية الدولية فيقول عن اثر هجمات 11 سبتمبر في تغيير وجهات نظر رايس: «اعتقد انه ربما كان هناك فهم اكبر الآن بالنسبة لنا كلنا، للحاجة للتحالفات والحاجة للتعامل مع الاصدقاء من اجل حل مشكلاتنا. وقال عنها الرئيس جورج بوش الذي يقدر اعظم التقدير مسألة ولاء الموظفين والمسئولين لرئيسهم وذلك في مقابلة خطية اجريتها معه: «انها وسيط نزيه انها لا تعرض علي وجهات نظرها الخاصة بشأن القضايا المختلفة (ولا يفترض بها ان تفعل ذلك) اعتقد انها تقدم للرئيس آراءها مباشرة بدون تلميع، الا انها تحرص ايضا على ان يستمع الرئيس بدون تشويه او احكام مسبقة لوجهات نظر كبار مسئولي سياسته الخارجية، مثل وزيري الدفاع والخارجية. في واشنطن لا شيء يهم بقدر اهمية القرب من الرئيس وهي قطعا الشخص الاقرب للرئيس من ناحية الوقت الذي تمضيه معه فهي ليست الشخص الذي يضعه في تطورات الاحداث يوم بيوم كل صباح وتحضر معه عدة اجتماعات رسمية كل اسبوع وتراه او تتحدث معه عدة مرات في كل يوم فحسب، بل انها تمضي ايضاً الكثير من العطلات الاسبوعية ضيفة على عائلة بوش في كامب ديفيد، او في مزرعتهم بكراوفورد في تكساس. كما ان رايس التي تشارك بوش حب التمارين الرياضية ومتابعة المنافسات الرياضية خاصة كرة القدم، على التلفزيون، تمضي معه ايضاً ساعات عديدة في غير اوقات العمل فيما يكون افراد الحكومة الآخرون لا يرونه ابداً. بل ان واشنطن اصبحت اوساطها تتساءل الآن: عما يتحدث الاثنان في كل هذا الوقت؟ من منهما الذي يؤثر في الآخر؟ غير ان واشنطن هذه لن تحصل على اجابة من رايس فلقد اصبحت رايس مستشارة الأمن القومي من العيار الاثقل منذ ايام هنري كيسنجر في هذا المنصب، لكن من دون ان تستخدم المناورات الكيسنجرية المعروفة التي كانت تقوم على جعل الآخرين يعرفون ان وجهات نظره تجد طريقها الى داخل الادارة، فرايس قادرة بطريقة ما على تأكيد اهمية ما تقوله دون ان تفصح عن مضمونه. وفي صيف 2001، كانت كوندوليزا اول مسئول اميركي رفيع المستوى يقابل بل على انفراد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل جعلها تتجاوز اثنين من الوزراء يفترض انهما اعلى منها مرتبة كانا معها في الرحلة ذاتها الى موسكو، وذلك قبل ان ترافق بوتين الى مزرعته خارج موسكو في الاجازة الاسبوعية غير ان اسمها لم يظهر ابداً فيما دعاه مساعدوها قصص «صراع الاغذية» ـ وهي التغطية الصحافية لنزاعات الادارة المتواصلة في سياساتها الخارجية وكوندوليزا لا تسقط سهواً حتى للأصدقاء في الجلسات الخاصة اي اشارة حول ان اي انجاز للحكومة كان بفضلها فعلاً ـ دع عنك التلميح الى ان الرئيس بدونها كان سيتخبط وفي اللقاءات التلفزيونية فإنها على الأغلب تبدأ بالقول اكثر من اي مسئول آخر «ان الرئيس يعتقد»، وحتى في الجلسات الخاصة الصغيرة، حينما تتحدث عن سياسة الادارة، تصبح ميالة لتقول ما تقوله على شاشات التلفزيون بالضبط، باستثناء انها تصبح اكثر انفتاحاً امام امتداح الرئيس اكثر. ولدت كوندوليزا رايس، التي سميت باسم مقطوعة موسيقية ايطالية، في مدينة بيرمنغهام بولاية ألاباما عام 1954 تزامنت طفولتها مع واحدة من فترات الغليان الاجتماعي الخطيرة في التاريخ الاميركي فقد كان عمر كوندوليزا ثماني سنوات في بيرمنغهام عام 1963، حينما كانت المدينة الميدان الرئيسي لمعركة الحقوق المدنية كما كانت تعرف اثنتين من اربع بنات قتلن في تفجير كنيسة سكتينث ستريت المعمدانية في اواخر صيف ذلك العام غير ان رايس لا تحب اقحامها في القصة السائدة الليبرالية البيضاء عن معركة الحقوق المدنية. بعض السود في جيم كراوساوث ربما كانوا، كما وصفهم مارتن لوثر كينج في خطاب «لديّ حلم»، ربما كانوا «يتحرقون بنار الاضطهاد والظلم» الى ان تضافرت مقاومتهم الشاملة والتشريعات الاتحادية في واشنطن لتحريرهم وادخالهم الحياة العامة الأميركية وعالمها من عدل وفرص لكن رايس لم تكن كذلك قالت لي احدى صديقات رايس: «لم تكن توجد لدينا حكايات الحرمان تلك» ان حكاية رايس مع العنصرية حكاية معقدة، غير ان اي محاولة للوقوف عليها لابد وان تبدأ من اصرارها على ان عائلتها كانت معتزة بنفسها ومعتمدة على النفس وليست بحاجة لعون احد. صحيح ان كوندوليزا قد عاشت في ثقافة ثانوية اصبحت الآن محطاً لحنين كبير بين السود في اميركا، وان الاميركيين البيض لم يعترفوا تماماً حتى الآن بوجود طبقة وسطى سوداء مستقرة ومتطورة ومتدينة في الجنوب، قبل ايام الحقوق المدنية، كانت تعمل اساساً في المدارس القائمة على الفصل العنصري وتعيش قريباً من الفقراء. يقول كولن باول الذي عاش وتزوج في مجتمع بيرمنغهام الذي نشأت فيه رايس: «كان هؤلاء اناساً محترفين متطورين يتوقعون من ابنائهم ما لا يقل عن ابناء غيرهم» لقد علموا ابناءهم ما هو الفصل العنصري «فذلك حقيقة واقعة ولن يدعوها تتحول الى مشكلة تعيق حياتهم.. يجب ان نمضي حتى التناهي حتى نضمن حصول ابنائنا على النوع نفسه من التأثير الثقافي في حياتهم كالذي يحصل عليه الاطفال الآخرون» كانت بيرمنغهام مدينة لعائلة سوداء ثرية جداً هي عائلة غاستون التي تعمل في مجال التأمين وفي المدينة ايضاً عائلة ألما باول زوجة كولن باول، التي كان ابوها وعمها مديري مدرستين ثانويتين للسود في المدينة. جون رايس والد كوندوليزا كان يعمل لعم الما باول موجهاً في المدرسة، وكان رجل دين يلقي المواعظ ايام العطل الاسبوعية اما ام كوندوليزا، انجيلينا، فكانت معلمة وبالكاد يمكن اعتبار عالم كوندوليزا هذا انه كان موطناً لحركة الحقوق المدنية، اذ بدا اكثر تطرفاً بكثير قالت لي الما باول وهي تصف لي عائلتها وعائلة رايس: «لم يكونوا الجيل الذي يمكن له ان يؤمن بالتغيير الاجتماعي لم يكونوا ممن يستسيغون الاعتصامات والتظاهرات كانوا حذرين ففي الحوارات مع الجيل الاكبر منا، كنت تسمع اشياء من مثل: آه، لا اعرف ما الذي سيجري لكن لم تكن هناك ايضاً معارضة لهذه الحركة لا شيء من هذا»، وفي الفصل الثقافي الكبير في القرن العشرين في اوساط السود الاميركيين بين دبليو اي بي دوبوا العنصر الراديكالي في التغيير السياسي وبين بوكر واشنطن راعي التطوير الذاتي وعدم مواجهة نظام جيم كراو بدت عائلة رايس وكأنها اميل الى جانب واشنطن. لكن القول بأن رايس هي نتاج مجرد لخلفيتها الاجتماعية سيكون زعماً مضللاً ايضاً ربما كان من المألوف للأطفال في حيها ان يذهبوا للكنيسة وان يتابعوا حياتهم الدراسية استعداداً للجامعة وان يحصلوا على دروس في البيانو لكن لم يكن من المعتاد لهم ان يعزفوا في الكنائس او يأخذوا دروساً في البيانو تهدف الى حياة مهنية للمرء كعازف بيانو، الى جانب دروس في الناي والباليه واللغة الفرنسية والكمان والتزلج على الجليد والقفز سنتين دراسيتين في المدرسة دفعة واحدة حين دخولها الى جانب الحصول على دروس في الازياء والايتيكيت وتتلخص نظرة كوندوليزا الى نفسها باعتبارها نبيلة سوداء تتحدر من عائلة تتميز من جانبيها بمستوى ثقافي متميز والعزم وانها سليلة جزئياً لعائلة من ملاك المزارع البيض (أيضاً من الجانبين) وهي مسألة معقدة لكنها ليست مدعاة للخجل او السخط. (احد اصدقاء رايس السود وصف مازحاً النقاش معها حول اسلافها البيض بأنهم كانوا اكثر ارستقراطية) وقد ذكرت لي كوندوليزا مرة واحدة من قريباتها البعيدات اللواتي علمن انفسهن القراءة وآخر كان اسقفاً كنسياً وآخر رغم فقره الشديد انفق تسعين دولاراً ايام الكساد الكبير «كتب مجلدة بجلد طبيعي ومذهبة.. أعمال دوما وشكسبير»، وغيره الذي اخذ القطار الى بترسبورغ لينتزع ابنه من العمل في مصهر فولاذ (في وقت كانت فيه هذه المهنة في اميركا ذات مكانة عالية) ليعيد ادخاله في الجامعة. اما عن اسلافها السود الذين كانوا ينجبون اطفالاً بيضاً جزئياً، فتقول: «اعرف انهم كانوا عبيداً في بيوت البيض كانوا مستخدمين في البيت لسيد ابيض كان هذا معياراً لسلوك الأسياد البيض مع العبيد واعتقد ان هذا اللف والدوران امر سخيف بالنسبة لمعظم الاميركيين السود» لكن ما الذي تحسه تجاه هؤلاء الأسياد البيض التي هي من نسلهم؟ تقول ضاحكة: «انهم موجودون». هذا المزيج غير الاعتيادي من الظروف افرز في حياة رايس احساساً بالقدرية الشخصية فحينما اخبرها والداها بأنها تستطيع ان تكون اي شيء تريد، فقد كانا يعنيان الكلمة بكل معناها اكثر مما يعنيه غيرهم من الآباء عادة وهم يقولونها، مع انهم يربون ابناء يواجهون مصاعب غير التي يواجهها الابناء عادة وكثيراً ما تذكر رايس ان والديها قالا لها انها تستطيع ان تكون رئيسة للولايات المتحدة، في وقت كان فيه معظم السود في الجنوب لا يتمتعون بحق التصويت في الانتخابات اصلا، وفي احد فصول حياتها، اخذ الاب ابنته كوندوليزا التي تبلغ من العمر ثماني سنوات الى واشنطن، وفيما هما واقفان قبالة البيت الابيض قالت البنت: «يوماً ما سأكون هنا» يقول احد اصدقائها: «الميول الخارجية توجد ميولاً داخلية وهي اخذت الميول الداخلية» ويقول آخر: «كوندوليزا تؤمن بالقدر الناس اصبحوا حيث هم لأنهم ارادوا ان يكونوا كذلك». رايس لا تؤمن بنفسها فحسب، بل هي تؤمن بالايمان باعتباره قوة لا تقهر ان الشك والغموض والتردد ليست مكونات من الصورة الشاملة التي تراها، واذا ما قد خبرتها رايس، فإنها اما ابعدتها الى مكان ما خارج الصورة او انها رمت بها نهائياً بعيداً عنها ورغم انها نتاج ثقافة الستينيات في القرن العشرين، الا انها ليست نتاج للستينيات مثلما هو حال رئيسها، كوندوليزا لم تتمرد على المجتمع ابداً ولم تمتنع عن الذهاب للكنيسة ولم تتعاط المخدرات، يتحدث الي احد اصدقائها عن مشوار ذهب فيه معها في احد احياء واشنطن في الثمانينيات في اقل احياء العاصمة بوهيمية لكن التجربة جعلت كوندوليزا متضايقة حتى بدنياً منها، فهي رأت فيما حولها فوضى غير مقبولة. ويتحدث الي صديق آخر عن حوار دار بين رايس وبين سيدة عزباء ناجحة جداً في حياتها العملية قالت السيدة انها تريد الحصول على طفل من دون زواج اجابت رايس بدهشة: «آه، يا الله! لا يمكن ان تفعلي ذلك!» قالت ليس رايس: «كنت في اواخر مرحلة الشباب اعتقد انها كانت مرحلة فوضوية لا اعتقد ان الستينيات مرحلة تروقني سياسياً وجدتها فوضوية ومادية جداً» وهذه المصطلحات تعتبر اكثر الصفات تطرفاً في قاموس رايس. تعتقد رايس بعمق ان الفرد (او على الاقل، الفرد المتميز مثلها) يمكن ان ينتصر على القيود المفروضة عليه لدرجة انها تشعر بالاهانة من الاشارة الى فكرة ان العمل الجماعي والتدخل الحكومي كانا عاملين اساسيين في نجاحها بحياتها السياسية والخاصة ففي معايير رايس، هي لم تشتك شخصياً ابداً من العنصرية الدستورية او تطلب شيئاً على ارضية عنصرية واضحة ولا يجدر بأحد ان يفعل ذلك نهائياً ذات مرة اتت احدى طالبات رايس في قسم الدراسات العليا بجامعة هارفرد، كيرون سكينر، اتت وقالت لها انها تحس ببرودة واضحة لكن غير مبرهنة في الجو الاكاديمي تجاهها لكونها سوداء تقول سكينر: «قالت لي ان اعيد تركيز طاقاتي على انجاز عملي، والا انفق ما لدي من طاقة على اشياء احسها لكن لا استطيع اثباتها بالبرهان». بقلم: نيكولاس ليمان ـ ترجمة: جلال الخليل _ عن «نيويوركر»