الاثنين 6 رمضان 1423 هـ الموافق 11 نوفمبر 2002 يمتزج التهذب الايراني التقليدي مع الاخلاق الاسلامية الرفيعة في شخصية الرئيس الايراني محمد خاتمي الذي لا تغيب ابتسامة التفاؤل عن محياه، لكن بعيدا عن الصورة الخارجية فإن الرئيس الايراني رجل يعرف الفلسفات الغربية بقدر ما يعرف المنجزات الفكرية لعلماء الاسلام لذلك نجده يتحدث انطلاقا من ذلك الشكل في عالمين، عن الحوار والتسامح والاحترام بموازاة ابن عربي الذي تخصص خاتمي بأعماله اثناء دراسته للفلسفة في اصفهان وهو يشير الى عدم وجود اسلام واحد، ويوضح الامر بقوله: «لدينا اسلام حركة طالبان والاسلام الذي نعيشه في ايران الذي قبل بمباديء الحرية والديمقراطية». ويمتد الحوار معه عبر اكثر من قضية: ـ منذ وصولك الى سدة الرئاسة عام 1997 وأنت تلح على ضرورة اجراء حوار الحضارات، ومع ذلك نجد انفسنا اثر 11 سبتمبر اقرب لصدام الحضارات الذي تكهن به صمويل هنتنجتون كيف تقوم التغييرات التي حدثت في العلاقات الدولية خلال العام الأخير؟ ـ عرضت موضوع الحوار بين الحضارات لأني انزعجت من نظرية هنتنجتون والمستقبل الذي خطه لنا. فعمليا لم تنشب حروب بين الحضارات ابدا، بل الامر على العكس من ذلك، اذ ورثت الحضارة الاسلامية الشيء الكثير من الحضارات الفارسية والرومانية واليونانية والهندية والصينية ولاحقا تركت الحضارة الاسلامية بصماتها في الحضارة الغربية. وفي اسبانيا بالذات، لدينا نقطة الالتقاء التي اثرت الى حد بعيد في باقي العالم في وقت متأخر. ومن نافل القول اننا نستطيع في العالم الاسلامي، وفي العالم غير الغربي، ان نستغل انجازات الغرب كثيرا. اما ما يسبب الحرب فلا يعدو ان يكون المصالح غير القانونية والمتشددين واللجوء الى القوة لضمان تلك المصالح وعدم الاعتراف بمن ليسوا في السلطة من جانب الاقوياء. فالحادي عشر من سبتمبر والوضع الناجم عنه لا يعدو كونه ثأرا لأولئك الاشخاص الذين يعتبرون الحوار بين الحضارات شيئا يعتدي على مصالحهم. والهدف من الحوار بين الحضارات هو نبذ العنف والحرب والارهاب في العالم. وفي الحادي عشر من سبتمبر كنا شاهدين على أسوأ شكل للارهاب. ولسوء الحظ وبهدف النضال ضد الارهاب، بسط البعض عبر العالم مناخا من العنف والحرب. لهذا السبب يتعين اليوم الاصرار اكثر من ذي قبل على فكرة الحوار تلك ولذلك عرضت بعد مرور عام على تلك الاعتداءات، فكرة الحوار في سبيل تضافر السلام، فعالم اليوم، بعد الـ 11 سبتمبر، هو عالم يقلقنا حيث يتعين علينا امتلاك ارادة اقوى من اجل محاربة البيئة التي ظهرت في الآونة الاخيرة وحيث يجب العودة لادانة العنف ويجب ادانة الارهاب والحرب والتمييز والفقر واقرار العدالة والحرية سواء داخل الحدود الوطنية ام على الصعيد العالمي. ـ لم تدن حكومتك بحزم تلك الاعتداءات وحسب، بل انها قدمت لاحقا، مساعدة رصينة لكنها معروفة لتدخل الولايات المتحدة في افغانستان ومع ذلك شمل الرئيس بوش ايران ضمن «محور الشر» المقلق الخاص به. ما الذي حدث ليأتي رد فعله على هذا النحو؟ وهل رفضتم لهم طلبا ملموسا؟ ـ كان عليك توجيه هذا السؤال للرئيس بوش. لكن ما يتقولونه عن ايران فيما يتعلق بأفغانستان يثبت ان ليست لديهم نية طيبة في الولايات المتحدة فيما يخص ايران. لقد كنا احدى اكبر ضحايا حركة طالبان. فمنذ سنوات طويلة هناك مليونان من الافغان الصبورين يعيشون كضيوف في بلادنا. ومن اجل الحيلولة دون انتقال تجارة المخدرات عبر ايران ووصول المخدرات الى ايدي الشباب الاوروبيين، سقط منا ثلاثة آلاف شخص من خيرة شبابنا. فالاضرار التي سببتها لنا حركة طالبان كثيرة. ولا شك في انه بدون النية الطيبة لايران، لما كان الوضع في افغانستان على ما هو عليه اليوم. لقد كانت احداث 11 سبتمبر مرة للغاية ومؤلمة جدا وأثرت عن حق بالرأي العام العالمي وخاصة الاميركي. وولدت حينها موجة من التعاطف حيال الاميركيين، وكان علينا ان نطلب استغلالا افضل لذلك المناخ من اجل محاربة الارهاب وكبح جماحه. لكن لسوء الحظ اساء الاسرائيليون استعمال الوضع اولا ولاحقا دخلوا هم انفسهم وأشخاص اصحاب آراء عسكرية متطرفة في دائرة الفعل وبدأوا يخسرون فرصة سانحة وممتازة. من اجل شن حرب ما يتعين اولا وجود عدو ملموس، وعندما لا يتوفر مثل هذا العدو، يتوجب اعادة لجعل البيئة امرا ممكنا بالتالي وتبرير التدخل وموضوع «محور الشر» لا يهدف الا الى ان يبرر مناخا حربيا في العالم على الرغم من اعتقادي بأن تلك الطريقة بمعالجة القضية قد هزمت. ومن نافل القول ايضا الحديث عن اننا تعاونا في افغانستان انطلاقا من مصالحنا الخاصة، لكني اعتبر ان جهدنا ينصب في المقام الاول على اعادة بناء افغانستان وعندما نرى الولايات المتحدة تتجنب كل ذلك وتصر على سياساتها، فالشيء الوحيد الذي تبلغه هو تزايد عدم ثقتنا بها ومعارضة جميع دول السياسات. ـ الازمة العالمية الاخيرة تدور حول العراق، البلد الجار لكم والذي ليس بينكم وبينه علاقات ودية بماذا يتمثل «الحياد الايجابي» الذي اعلنتموه بهذا الصدد؟ وبأي شكل سوف يؤثر على ايران في حال شنت الحرب في نهاية المطاف؟ ـ لم يعلن عن ذلك كسياسة رسمية، ونحن نعارض تدخلا عسكريا في العراق ليس لاننا من انصار نظامه، فلقد عانينا اكثر من اي احد آخر جراء خطأ العراقيين حيث استعملوا اسلحتهم الكيماوية ضدنا، ونحن نتساءل حول المصدر الذي حصل منه العراق على اسلحته الكيماوية، ومن هم النادمون اليوم على امداد العراق بسلاح كيماوي ضدنا. والتساؤل الثاني يدور حول الشعب العراقي وما الذنب الذي اقترفه كي يضطر لدفع ثمن هاتين المشكلتين. والثالث يتمثل في انها ستكون سابقة خطيرة ان تلجأ حكومة جبارة، لا تعجبها حكومة اخرى الى القوة من اجل تغييرها. ورابعا، ان منطقتنا هي منطقة دقيقة للغاية ومليئة بالأزمات. لذلك نقول ان هجوما على العراق سيكون له عواقب رهيبة بالنسبة للمنطقة التي تحتفظ بالجزء الاعظم من موارد الطاقة في العالم. ونحن لا نعارض بتلك البراهين اي هجوم ضد العراق. فمما لابد منه هو انه يجب اجبار الرئيس العراقي على القبول بالقرارات العالمية. اما اذا كان لابد من تغيير داخل الدول، فيجب ان يكون ذلك التغيير ثمرة لارادة شعوب تلك الدول، بحيث لا يجب ان يأتي مفروضا من الخارج في حال نشبت الحرب فإننا لا نستطيع الوقوف الى جانب اي من الاطراف ومساعدتها. وأنا آمل ألا يحدث مثل هذا الوضع. وإن طرح الولايات المتحدة الحالة على الأمم المتحدة وقبول العراق بالمفتشين يجعلنا متفائلين بأنه سيكون هناك حل ذكي. ـ احد الاختلافات بين العراق والولايات المتحدة يتعلق بحقوق الانسان. الى اي حد تعتبرون ان حقوق الانسان هي قيم عالمية او على العكس، عنصرا من عناصر حوار الحضارات؟ وكيف تواجهون المسألة الاشكالية المتعلقة بالعقوبات الجسدية التي يدافع عنها الاسلام؟ ـ ان حقوق الانسان هي احدى انجازات العالم الحالي حيث لا معنى للديمقراطية بدون حقوق الانسان وبدون الاعتراف بأن للانسان الحق في قيادة مصيره. وأعتقد ان هناك بعض المباديء والمعايير المقبولة في جميع الارجاء. وعلينا اعتبار حقوق الانسان كشيء نافع، لكن يجب التحديد ايضا. فالسؤال الذي يطرح نفسه اولا هو بأي مقياس تم احترام حقوق الانسان على صعيد الممارسة العملية سواء داخل الحدود القومية ام على المستوى العالمي؟ لانه من الممكن ان يكون البعض محترمين جدا للديمقراطية ولحقوق الانسان داخل حدودهم، لكنهم على الصعيد العالمي يدوسون اكثر الحقوق اولية. ولقد مضى على شعبنا اكثر من قرن وهو يناضل في سبيل الحصول على حريته واستقلاله. وعلى الجانب الآخر ولأسباب تاريخية وثقافية، فإن لدى شعبنا معتقدات دينية مما يشير الى انه يريد بلوغ تلك الحرية والاستقلال في اطار بعض القيم الدينية والثقافية. فلقد قامت الثورة الاسلامية الايرانية، الاكثر شعبية في القرن العشرين، تحت شعار الاستقلال والحرية والجمهورية الاسلامية. ومن الطبيعي ألا ننتظر في بلد حدثت فيه تغييرات كبيرة، اصلاح كل شيء بين ليلة وضحاها. وبالتالي من اجل قياس حقوق الانسان يجب الأخذ بعين الاعتبار القيم الدينية والثقافية الخاصة بكل دولة. وفي المقام الثاني، يحتاج هذا التطور الى وقته والمهم اننا نتقدم في الاتجاه الذي يريده الناس. بالاضافة الى اني ارجو منك عندما نتحدث عن حقوق الانسان، حتى لو كان من المفهوم الغربي، ان لا تقارن ايران مع دول اوروبية مضى عليها 300 عام من الليبرالية، بل ان تقارن بلادي مع امم محيطنا. الامر الذي لا يعني انه علينا ملاءمة هذه القيم مع التشدد او مع بعض التأويلات للدين، وانما يجب ان يتكيف الدين مع الواقع الراهن. علاوة على ذلك لا يوجد اسلام واحد فقط، فلدينا اسلام حركة طالبان والاسلام الذي نعيشه في ايران الذي قبل بمباديء الحرية والديمقراطية واذا كان من عائق يقف امامه في المستقبل. فيجب القضاء عليها تدريجيا. ـ كنت في ايران عام 1997، عندما انتخبتم، وأذكر موجة الحماس العارمة التي اجتاحت البلاد، حيث كان هناك شبه اجماع على «حرية أوسع» ومع ذلك وجدت خلال رحلتي الاخيرة، الايرانيين وقد غمرتهم مشاعر خيبة الامل. ترى ما الذي حدث؟ وهل كانت لديهم توقعات مبالغ بها، أم انه حقا كبحث اصلاحاتهم على يد المحافظين الذين لا يزالون يسيطرون على مؤسسات اساسية في بلادكم؟ ـ كل شيء صحيح. فالكائن البشري يحدد اهدافا ذات سقف عال، وهو على عجلة من امره في سبيل بلوغها، متناسيا الواقع أحيانا، حيث وجدت دعوات قانونية لكن وجدت ايضا مغالطات وخروقات اقلقت بعض الفئات. كما كان هناك من اعتقد ان حركتنا كانت تسير ضد الثورة الاسلامية وضد قيمنا. ومع ذلك كنا نحن وشبابنا على السواء نمارس ذلك ضمن اطار الثورة. فمجتمعنا لا يريد ثورة اخرى في ظل اي مفهوم وجل ما يبتغيه هو الاصلاح من الداخل. مما لا شك فيه اننا عانينا من ضغوط تيارين. من جانب هناك الذين نادوا بأنه كان يجب ان ننسى الاسلام والثورة لتحقيق الحرية. ومن الجانب الآخر هناك من وقف ضد التقدم الاجتماعي باسم الدين. لكننا نمضي قدما وسيكون النجاح حليفنا. ربما ليس لدينا حماس تلك الايام، لكن لا نحن فقدنا الاتجاه ولا المجتمع واقعي الى درجة مطالبتنا بأكثر من ذلك. بالاضافة الى انه يجب الا تجعلنا السياسة ننسى الواقع الواقع الاقتصادي ونحن نعمل بذلك الاتجاه حيث نحتاج الى توفير مليون فرصة عمل سنويا والى تقوية القطاع الخاص واستمالة الاستثمار الاجنبي وتدعيم التطور التقني بدون ذلك، سيكون الاصلاح السياسي مستحيلا. عن «البايس» ـ اسبانيا