الاحد 5 رمضان 1423 هـ الموافق 10 نوفمبر 2002 اريد ان اخبركم عن كل ما سار على خير ما يرام في جنوب افريقيا الجديدة خلال العقد الماضي، ولكنني لا استطيع ان اتخلص من هذا الرقم الذي يؤرقني وهو الرقم 35 ألف. وأريد ان اخبركم عن الابطال العاديين الذين حطموا قيود اربعة عقود من حكم نظام التمييز العنصري من اجل وضع حجر الاساس لمجتمع اعظم وعن السود الذين نحوا جانبا عمرا من الاساءة والألم من اجل الاستثمار في بلد جديد الى جانب مضطهديهم، وعن الاميركان البيض الققراء الذين، وجدوا الجرأة للتصويت على انهاء حكم ابناء جنسهم من البيض، وعن الملايين من الآباء في جنوب افريقيا، واعدادهم تفوق بكثير اعداد متعهدي الجريمة والعنف، الذين، يناضلون من اجل صياغة مستقبل لاطفالهم خال من الرأي القديم القائل بأنهم لا يصلحون الا للمصانع او الحقول. ولكن هذا الرقم البالغ 35 ألف قد انتج ابطالا اكثر حداثة وان كانوا مستبعدين، ابطالا يناضلون ايضا من اجل ضمان ان ترقى جنوب افريقيا الى مستوى الآمال التي عقدت عليها يوم ان تم اطلاق سراح نلسون مانديلا في عام 1990. ان 35 ألف هو عدد الاطفال الذين يقدر بأنهم ولدوا مصابين بفيروس الايدز العام الماضي لان الرئيس ثابومبيكي قال انه لا يمكنهم ان يحصلوا على حقنة واحدة من الدواء الذي كان من الممكن ان ينقذ حياتهم مقابل قروش قليلة. وعندما تهدأ الأمور فإن الغالبية العظمى ستموت في غضون سنوات قليلة وسط معاناة شديدة من الألم والاحباط. انني اعرف انه لأمر انفعالي ان تمعن النظر في مصير هؤلاء الاطفال، وتشير باصبع الاتهام مباشرة الى مبيكي. ولكن هناك قدرا ما على المحك يتعلق في تفشي وباء الايدز لا يقل عن ذلك الذي كان عندما برزت جنوب افريقيا من ايام نظام التفرقة العنصرية المظلمة قبل عقد من الآن كما ان عواقب الدمار المخيم على البلاد لديها امكانية تخريب الجانب الاكبر مما تم النضال من اجله. فهناك مليونا طفل سيصبحون ايتاما قبل نهاية هذا العقد. ومتوسط العمر المتوقع للانسان سينخفض الى 41 عاما. والملايين سيغرقون اكثر في الفقر. فماذا تعني رؤية مبيكي العظيمة للنهضة الافريقية عندما يكون مستعدا ان يقف متفرجا بينما سيموت ستة ملايين شخص في بلاده من الايدز بحلول عام 2010 ما لم هناك اكتشاف طبي جديد؟ واذا كنت تعتقد ان هذه وجهة نظر متشائمة اكثر مما ينبغي (وصفني المتحدث السابق باسم مبيكي مرة بأنني «استعماري» لتشكيكي في قيادة سيده) فعليك ان تأخذ بعين الاعتبار ان الاسقف ديزموند توتو قد شبه الدمار الاجتماعي الناجم عن الايدز بنظام الابترتهايد. بل ان من خلفه على رأس الابرشية الانجليكانية في كيب تاون، نجونغونكولو نودونغالي قد ذهب الى ما هو اكثر من ذلك ووصف سياسات الحكومة بخصوص الايدز بأنها «جريمة خطيرة ضد الانسانية كالابرتهايد». ان اهمال مبيكي لرفاه الاشخاص الذين وضعوه في السلطة قد دفع حتى بمانديلا للعودة الى الخوض في السياسة، دفاعا عن الفقراء والضعفاء وكانت استجابة مبيكي هي صد اعظم قادة جنوب افريقيا. وأحد الباحثين البارزين في مجال الايدز في البلاد ويدعى ماليغابورو ماكوبا، الذي تصادف انه اسود وكان في السابق من الاصدقاء المقربين لمبيكي، اخبرني ان عدم تحرك الحكومة يرقى الى مستوى الابادة ولقد قال ذلك على الملأ، وهو ليس وحيدا في هذا الرأي. والابادة بانت كلمة يتداولها الناس بسهولة هذه الأيام. ولكن من المحزن انها تبدو ملائمة لوصف سياسات رجل غير مبال بحياة البشر، يفتقر الى العواطف لدرجة انه لا معاناة 35 ألف طفل ولا احتمال وفاة الملايين يمكن ان يدفعه الى انه ينحي جانبا آراءه المسبقة ويستخدم صلاحياته الكبرى لانقاذ اولئك الذين يمكن انقاذهم والحيلولة دون خضوع آخرين للمرض. وبدلا من ذلك فإنه على الرغم من كافة التطمينات بأن مبيكي قد عدل من آرائه والتغيرات السياسية التي اعتصرت من الحكومة بفعل الاستياء الشعبي والمحاكم، الا ان رئيس جنوب افريقيا لا يزال يقاوم ان يكون نموذجا يقتدى به بخضوعه لاختبار لمرض الايدز او ابلاغه الرجال بأن من الحكمة ارتداء الواقي. فلا عجب ان طلاب المدارس يسمونه «الرفيق الحانوتي». ان هذا كله بعيد كل البعد عن ذلك اليوم من ابريل عام 1994 عندما شاهدت مانديلا يدلي بالصوت الاول في اول انتخابات جامعة لجميع الاعراق في جنوب افريقيا، في مدرسة صغيرة نائمة بالقرب من ديربان. وبدا لي في ذلك الوقت انه لم يسبق لاحد ان ادلى بمثل ذلك الصوت المهم. فالتصويت لم يمثل تحرير الشعب فحسب، وانما قدم ايضا فرصة نادرة انتصر فيها الامل بحق. ولم تكن هناك اوهام كثيرة حول الصعوبات المنتظرة، ولكنها كانت ثانوية بالنسبة للاثارة المتمثلة في ان جنوب افريقيا يمن ان تفي بالوعد الذي قطعه ديزموند توتو باقامة دولة متعددة الاعراق. كانت جنوب افريقيا قد اصطبغت بحركة من النشاط، كانت نابعة من اعتقاد بأنها امة مباركة. ومن نواح عديدة، فإن جنوب افريقيا قد ارتفعت الى مستوى تلك الآمال. فقد جلب التحرر معه ازدهارا للموسيقى والثقافة وطبع الكثير من الشبان السود بشعور بالثقة بالنفس لم يعرفه الكثير من آبائهم وأثبت بطلان الاكاذيب القديمة حول التفوق العرقي. ان العنصرية لا تزال تجري في عروق جنوب افريقيا، وليس فقط في اوساط غير السود، ولكن هناك شعورا عاما بالخزي بين البيض حيال الابرتهايد. فلن تجد شخصا يعترف بأنه صوت له. لقد جاء مبيكي الى السلطة قبل ثلاثة اعوام وسط قدر هائل من النوايا الحسنة. فمانديلا انقد البلاد من نفسها برسالته الداعية الى المصالحة وعدم التمييز العنصري ولكنه لم يكن اداريا جيدا. اما مبيكي فقد اعتبر المدير الذي سيجلب النظام للفوضى ذات النوايا الحسنة. ولم تمض سنة حتى اختفت تلك النية الحسنة وكان لمرض الايدز علاقة كبيرة بالأمر. وسواء أكنت تجد سياسات مبيكي ازاء الايدز مجرد سياسات مزعجة، او شيئا اكثر شرا، فإن ذلك يعتمد على ما تعتقد انه يحرك رئيس جنوب افريقيا، فهناك اشخاص يرون ان موقفه ازاء الايدز مجرد انحراف لدى زعيم رائع. ويعتبر دبلوماسيون بريطانيون وكتاب صحيفة فايننشيال تايمز تمسكه بقيود العقيدة الاقتصادية الحديثة كدليل على سلامة تفكيره. وهم بذلك في تحالف غير عادي مع بعض من اولئك الذين حصنوا بيت جنوب افريقيا في ميدان الطرف الأغر قبل عقدين والذين لا يستطيعون ان يصدقوا بأن التحرر تجري قيادته الى الضلال. وهنالك رأي بديل في مبيكي ـ وهو رأي يترسخ في جنوب افريقيا وبخاصة في اوساط اولئك الذين ناضلوا لانهاء نظام التفرقة العنصرية ويقول هذا الرأي ان مواقف مبيكي من الايدز وبعيدا عن كونها انحرافا، والاساليب التي يستخدمها لفرض تلك المواقف والتعامل مع الاشخاص الذين يختلفون معه في الرأي ـ هي امور مركزية بالنسبة لشخصيته وأسلوبه في الحكم. وأنها تشكل تهديدا للحريات الفتية في جنوب افريقيا. وبينما تخلص مبيكي من ايمائه بالاقتصاد الاشتراكي، فإنه قد تمسك بقوة بأساليب الهيمنة السياسية التي تربى عليها خلال السنوات التي قضاها في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في جنوب افريقيا. والأمر المرتبط بهذا هو هوس مبيكي الاستحواذي بالعرق. ومن الواضح ان ذلك يلعب دورا في تشكيل مواقفه من الايدز ـ كما اوضح في خطاب استثنائي له القاه قبل عام واتهم فيه اولئك الاشخاص الذين يحملون موقفا تقليديا اكثر من المرض بالحط من مكانة السود باعتبارهم من حاملي جراثيم الرذيلة الذين لا يستطيعون السيطرة على شهواتهم، والاشخاص السود الذين ينفقون معهم بأنهم «سود ذوو عقول مستعبدة». ربما يكون مبيكي مؤمنا بكل هذا ولكن لماذا يكذب بهذه الدرجة من المثابرة دفاعا عن مواقفه؟ فقد حرف احصائيات منظمة الصحة العالمية امام البرلمان في محاولة للادعاء بأن الايدز مسئول عن جزء بسيط فقط من الوفيات في افريقيا. ودافع عن رأيه بتخفيض الميزانية المخصصة لمكافحة الايدز في حكومته بأرقام مغلوطة. وقال لمحطة «البي. بي سي» البريطانية ان جرائم القتل هي مسبب اكبر للموت في جنوب افريقيا من الايدز وكانت تلك مجرد كذبة من اكاذيب كثيرة. وخلال كل تلك المداولة، قال مبيكي انه يسعى فقط لاقامة نقاش مفتوح، ولكن اولئك الذين اختلفوا مع الرئيس اكتشفوا انه لا يسعى للحصول على اجابات ابدا. وعندما تنبأ مجلس البحوث البطبية حدوث 800 ألف حالة وفاة سنويا من الايدز في جنوب افريقيا بحلول نهاية هذا العقد، ألمح كبير مساعدي الرئيس ايسوب باهاد، الى ان الباحثين يعملون لصالح شركات ادوية متعددة الجنسيات. وشن مكتب باهاد حملة للضغط على رئيس مجلس البحوث الطبية ماليغابورو ماكوبا وتشويه سمعته باتهامه بأنه ألعوبة بأيدي العنصريين البيض الذين يرغبون بتصوير الافارقة انهم «مريضون بصورة وراثية وفعلية» وقام المؤتمر الوطني الافريقي بتوزيع وثيقة ضخمة زعمت ان العقاقير المكافحة للايدز هي محاولة لارتكاب مجازر ابادة ضد السود ووثيقة اخرى قارنت تلك العقاقير بـ «أساليب الحرب البيولوجية من مرحلة التفرقة العنصرية» اما الباحثون البيض، فقد تم استبعادهم وتشويه سمعتهم باعتبارهم عنصريين ولا يقلون عن القتلة في شيء. وحتى ان مبيكي ابلغ حزبه ان المخابرات المركزية «السي آي إيه» تتآمر مع شركات الدواء الاميركية على تشويه سمعته فيما يتعلق بموقفه من مرض الايدز لانه يتحدى النظام الاقتصادي العالمي. ولكن رئيس جنوب افريقيا يحظى بالترحيب في داوننغ ستريت والبيت الابيض لانه ملتزم بشكل وثيق بالمبدأ الاقتصادي السائد. اما المعارضة الرسمية، فهي ضعيفة وغير فاعلة وبدون مصداقية بين السود، بعد خوض حملة رئاسية عنصرية. وقد وقع العبء على اشخاص اخرين في الابقاء على جذوة المساءلة الديمقراطية مشتعلة في جنوب افريقيا. وقد قامت جماعات صغيرة من النشطاء في حملات مناهضة الايدز، وبخاصة حملة العمل من اجل العلاج بأكثر من الآخرين لاجبار ادارة مبيكي على تحمل المسئوليات الاخلاقية الاساسية للاشخاص الذين تحكمهم. وكان انتصار الحملة الكبير يتمثل في جر الحكومة الى المحكمة الدستورية لاجبارها علي توفير الدواء، الذي يمكن ان ينقذ ارواح 35 ألف طفل. وتقول رابطة اطباء الاطفال في جنوب افريقيا ان حوالي 70 ألف طفل يولدون في جنوب افريقيا يحملون فيروس الايدز سنويا وان ذلك الرقم يمكن ان يخفض الى النصف باعطاء جرعة واحدة من عقار رخيص جدا هو «نيغارابي» للأم والطفل عند الولادة وقدم مبيكي عددا لا يحصى من الاعتراضات الناشئة عن مخاوف لا أساس لها من الصحة حول السمومية والمقاومة (لا يوجد مثل هذا الخطر في جرعة واحدة) وانعدام البنية التحتية في المناطق النائية لتزويد الامهات الحاملات لفيروس الايدز برضاعات وحليب كبديل للرضاعة الطبيعية. ولكن هناك اعتبارات اخرى في القضية اكثر اثارة للشكوك. فقد قدم المتحدث السابق باسم مبيكي، باركس مانكهلانا، الموقف المرعب الذي مفاده ان انقاذ حياة المواليد لن يسهم سوى في تفاقم ازمة الايتام لان امهاتهن سيمتن على اي حال. وقال مانكهلانا لمجلة «ساينس» الاميركية: «ان بلدا كبلادنا عليه ان يعالج هذه القضية. فتلك الأم ستموت، وذلك الطفل غير الحامل لفيروس الايدز سيكون يتيما. وذلك الطفل يحتاج الى رعاية وتربية. فمن سيربي الطفل؟ انها الدولة، الدولة وليس احد غيرها. وهذا يعني الموارد المالية، هل تفهمون ذلك؟». لا يهم اذا كانت الحكومة قادرة على تحمل دفع مبلغ 4 مليارات جنيه استرليني على استيراد السلاح. لقد مات مانكهلانا بمرض الايدز، مع ان مبيكي يقول ان العقار المقاوم للمرض هو الذي تسبب في تسممه حتى الموت. لقد كسبت الحملة المطالبة بتوفير العلاج حكم المحكمة في القضية المرفوعة على الحكومة. وبالاساس فإن المحكمة اصدرت حكمها الذي ينص على ان حكومة مبيكي اخفقت في تنفيذ واجبها الدستوري الاساسي في حماية ارواح الناس. وكان رد قيادة المؤتمر الوطني الافريقي هو تأجيل تنفيذ حكم المحكمة وتحقير الحملة وزعيم تلك الحملة زكي احمد يحمل فيروس الايدز وهو يرفض ان يأخذ الدواء الذي يمكن ان ينقذ حياته طالما انه غير متوفر في المستشفيات الحكومية. وانحدر المرافعون عن مبيكي الى مستوى اتهام زعيم الحملة بأنه يزور حالته المرضية بخصوص فيروس الايدز. ولكن ذلك لم يردع مانديلا عن القيام بزيارة الى احمد قبل بضعة اسابيع وتبنيه للحملة. ان النصر في المحكمة كان اكثر من مجرد اكبر هزيمة لحكومة مبيكي. فالحملة من اجل تبني سياسة انسانية ومحترمة ازاء الايدز قد فتحت الطريق امام الانتقاد المشروع لحركة التحرر وأنعشت نشاط الثمانينيات حول عدد من القضايا من حقوق الملكية في الاراضي الى التركيز السائد على السعي وراء الثروة. وحتى وقت قريب، كان هناك شعور بين اولئك الذين ناضلوا بقوة من اجل التحرر بأن انتقاد الحزب الحاكم يصب في صالح النظام القديم وأنه يقترب من حد الخيانة. ولكن الغالبية العظمى من اولئك المصابين بالايدز هم من الفقراء والسود. والاتهامات الموجهة لاولئك الذين يعارضون مبيكي وقيادة الحزب حول سياستهما من الايدز لا تنطلي على احد. والانزعاج الشعبي المتنامي حول استراتيجية الحكومة ازاء الايدز من داخل نقابات العمال ومن بين اولئك الذين شنوا في يوم من الايام حملة ضد الابرتهايد قد فتح الطريق امام التشكيك في سياسات اخرى ليس اقلها السياسة الاقتصادية. ومن جانبه حاول مبيكي ان يعكر المياه حول الايدز بادعائه ان الفقر يعتبر سببا للوفاة لا يقل عن الايدز. صحيح ان سوء التغذية وعدم توفر ظروف الحياة الصحية وانعدام الرعاية الطبية الملائمة تسهم حقا في سرعة انتشار المرض. ولكن الفكرة القائلة ان الفقر وليس الفيروس هو الذي يسبب الايدز هي فكرة سخيفة. ومن ذلك دعونا لوهلة نأخذ ادعاء مبيكي على محمل الجد. اذا كان الفقر هو المسبب الاساسي لوباء الايدز، فعندها يمكن ان نتوقع ان تخفيف الظروف الرهيبة التي يعيش فيها الكثير من مواطني جنوب افريقيا سيحظى بالأولوية على كل ما عداه غير ان الاحصائيات تروي قصة مغايرة. ففي عام 1994 عندما جاء حزب المؤتمر الوطني الافريقي للسلطة، وصف البنك الدولي جنوب افريقيا بأنها بلاد يشوهها «الفقر المدقع بين الاغلبية» وبعد مضي ثمانية اعوام، لا تزال جنوب افريقيا تتنافس مع البرازيل على مكانة الدولة التي لديها اعلى مستوى من عدم المساواة في توزيع الدخل. فأفقر 10% من سكان جنوب افريقيا يتقاسمون شريحة اصغر من الكعكة مما كانت عليه الحال لدى اندحار نظام التفرقة العنصرية بينما الوظائف بات ايجادها اصعب من اي وقت مضى منذ عقود. وقد صدم مواطنو جنوب افريقيا لدى علمهم في وقت سابق من هذا الشهر ان الاطفال مازالوا يموتون من الجوع في شرقي الكيب ومنطقة كوازولو ـ ناتال. وقبل وقت قصير من توليه منصب الرئاسة، وصف مبيكي امام البرلمان كيف كانت جنوب افريقيا دولتين ـ واحدة بيضاء والاخرى سوداء، واحدة غنية ولديها جميع الفرص متاحة بين يديها، والاخرى فقيرة ولا تملك سوى مساواة نظرية في الدستور، ولكنها عمليا محرومة من فرصة التقدم. وقد مضي اربع سنوات على ذلك ولا يزال مبيكي يشرف على دولتين في جنوب افريقيا ولكنهما الآن مقسمتين طبقيا. فالبيض يسيطرون على حصة اصغر من الكعكة ولكن الفوائد لم يتم توزيعها بوجه عام بين السواد الاعظم من مواطني جنوب افريقيا وبدلا من ذلك فإنه يتم قولبة نخبة جديدة برسالة ضمنية مفادها ان المساواة العرقية تعني الحق لفئة منتجة من السود بأن تصبح غنية كالاقلية البيضاء بنمط حياة اكثر ترفا من ان تحتمله البلاد. ان مبيكي يقدم نفسه باعتباره قوميا افريقيا، وزعيما يناضل من اجل قارته في وجه قوى الكولنيالية الجديدة والعنصرية والتشاؤم الافريقي ورجلا مستعدا لقول الحقيقة التي يخجل القادة الآخرون من قولها. ومع ذلك فإنه قد تبنى احدث الايديولوجيات من الغرب. والامر الذي يشعر به الافارقة في جنوب افريقيا هو ان الرسالة الضمنية لتلك الايديولوجية هي ان مغذى الحياة هو جني المال وأن الاغتناء الذاتي كخدمة اجتماعية هي في غير محلها على نحو مزعج في جنوب افريقيا ما بعد نظام الابرتهايد. وحتى عندما تكون هناك خطوات مهمة نحو تخفيف الفقر، فإنها تتعرض للعرقلة بفعل السياسات الحكومية. بقلم: كريس ماكجريل ترجمة: ضرار عمير عن «الجارديان»