الخميس 2 رمضان 1423 هـ الموافق 7 نوفمبر 2002 ملخص الحلقة الأولى.. بعد ان تسلم ايسر هارئيل جهاز الموساد بدأ يفكر في عقاب الذين وقفوا ضد قيام الدولة الصهيونية وأولهم النازيون، وخلال مراجعته لمواقف اعداء اسرائيل توقف طويلاً امام ملف أدولف ايخمان الذي اتهمته الصهيونية بأنه ساهم في ابادة العديد من اليهود ابان الحرب العالمية الثانية وقرر ايسر بعد قراءة ملف ايخمان ضرورة احضاره الى اسرائيل ومحاكتمه واذن له بن جوريون بالانطلاق. خرج «افرايم الروم» من مكتب ايسر الى الادارة التي وجهه اليها وفي المساء كان يستقل الطائرة المتوجهة الى بيونس ايرس. جلس قليلا على احد المقاهي في العاصمة الارجنتينية يتفحص بعض الأوراق في يده ثم اخرج عنوانا مكتوبا بخط يد أيسر هارئيل نفسه لشخص اسمه لوثر هرمان.. كان لوثر هرمان هو نفسه المحامي اليهودي الاعمى الذي دل على مكان ايخمان اول مرة وهو في الوقت نفسه الذي خطبت ابنته نيكولاس ايخمان. توجه اليه افرايم الروم فورا والتقاه وسمع منه معلومات اضافية عن ادولف ايخمان استقاها هو نفسه من خطيب ابنته وقال له انه اي ايخمان قد اصبح مسنا ولكن لا يزال اجش الصوت كما كان يضع على عينيه الزرقاوين نظارة صغيرة. كان امام افرايم الروم مهمة شاقة وهي التأكد من ان الذي يبحث عنه هو فعلا ايخمان وليس شخصا يشبهه وهذه مسألة لا يستطيع احد ان يحسمها بسهولة، ولذا فقد بدأ يبحث عن صور لايخمان ضمن الملف الذي تركه له ايسر الا انه لم يعثر الا على صورة باهتة تعود الى ما قبل قيام الحرب العالمية الثانية. بدت المعلومات التي وردت الى ايسر مشتتة ومبتورة في اجزاء منها حتى ان الروم لم يستطع تحديد اذا ما كان الشخص الذي يبحثون عنه هو نفسه صاحب المصبغة بشارع ريتشارد ام ذلك الذي يعمل مديرا لاحدى شركات النفط في الكويت ويعيش في الارجنتين. صرخ اعضاء اللجنة التنفيذية للأمن الداخلي للموساد في وجه ايسر وهو يقول لهم انه حتى الآن لم يتم العثور على ايخمان وقال له احدهم ان موارد الموساد محدودة وأنت تبددها بلا فائدة.. فالموساد منظمة صغيرة وأمامها أعباء ثقيلة ويكفي عليها مواجهة مصر وسوريا في آن واحد. لكن ايسر لم يهدأ ولم يقتنع وأصر على المضي في تنفيذ مهمته حتى النهاية ومهما كانت التكلفة والتضحيات قرر ارسال فريق جديد الى الارجنتين لجمع اخبار ايخمان واستطاع الفريق الجديد اتباع اسلوب مختلف حيث قرر اقتفاء اثر خطوات ابنه نيكولاس للوصول اليه وتحديد منزل العائلة الجديد، وكان المحامي الاعمى يقود الفريق للوصول الى والد خطيب ابنته النازي القديم.. وبالفعل تتبع خطوات وآثار نيكولاس وانتهى الفريق الى منزل ايخمان الجديد في شارع غاريبالدي في منطقة سان فرناندو المنخفضة نسبيا وأخذوا في تصوير البيت من جميع زواياه باستعمال عدسات خاصة ودونوا ملاحظاتهم وكتبوا في هذه الملاحظات ان البيت بدون سور وأنه مكون من غرف خشبية لايدخل الجبس او الاسمنت فيها فضلا عن ان الباب الخارجي من الخشب المضغوط وكذلك هناك سلك شائك يحيط بالبيت من كل جانب.. وظلوا يراقبون ذلك الرجل الاصلع اجش الصوت بنظارته الصغيرة لمدة زادت على ستة شهور وفي النهاية اطمئن الفريق المراقب ان الرجل الذي يراقبونه هو فعلا ادولف ايخمان. ريكاردو كليمنت كانت الساعة قد بلغت السابعة مساء وضوء الشمس اخذ يغادر نهار بيونس ايرس عندما نزل ريكاردو كليمنت صاحب مصبغة الملابس في بيونس ايرس من الباص متجها الى بيته عبر السور الشائك ومنه الى الممر المؤدي الى باب البيت الداخلي حيث هرع اليه طفله الصغير وكان شبه عار بينما اندفعت زوجته خلف الطفل تستقبل زوجها، وهنا قدم لها ريكاردو باقة الورد التي كان يخفيها خلف ظهره قائلا لها: كل عام وزواجنا بخير.. فقالت له كل 25 سنة ونحن بخير..! كان فعلا هذا اليوم هو اليوم الذي تزوج فيه ريكاردو من زوجته قبل 25 سنة وهو يطابق الحادي عشر من مارس 1935. اي نفس اليوم الذي تزوج فيه ادولف من زوجته في ألمانيا عقب تعيينه قائداً لاحدى مجموعات الحل النهائي، اذن ما من شك في ان هذا الشخص المتنكر تحت اسم ريكاردو هو نفسه ايخمان..!! على الفور ارسل عملاء الموساد الخبر الى ايسر في «تل ابيب» ان «ريكاردو كليمنت» هو نفسه «ادولف ايخمان» وان الذي قطع الشك باليقين الاحتفال الذي اقامه ريكاردو احتفالا بعيد زواجه الخامس والعشرين وهو نفس اليوم الذي تزوج فيه ايخمان من زوجته.. كذلك العبارة التي قالتها زوجته عندما قدم لها الورد! تهلل ايسر فرحا.. اذن نجحت الخطة وكانت المطاردة صائبة تماما وعقد اجتماعا على الفور جمع فيه جميع نوابه وطلب من سكرتير الجلسة ان يطلعه على اهم المتطوعين لديه لعمليات سرية. سأله احد نوابه: ولماذا متطوعون يا سيدي.. لدينا من الرجال من يستطيع القيام بهذه المهمة وأكثر. أرجوك لا تناقشني.. واستدار نحو سكرتير الاجتماع وسأله ان يقرأ له والسيرة وايسر الذاتية لاهم المتطوعين. كان الاول شالوم داني وهو مشهور باسم «الزيف» وصل اسرائيل العام 1948 وعاش في احياء الجيتو ثم تم نقله الى معسكر آخر بعد الغزو النازي لمسقط رأسه بالمجر وقد شاهد اباه وهو يساق الى غرف الغاز بالمجر بأوامر من ايخمان وقد ذاق داني السجن المرير بعد نجاته في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما اعترضت سفينة حربية بريطانية سفينة للمهاجرين غير الشرعيين وهي في طريقها الى فلسطين وعاش بقية ايامه في احد معسكرات الاعتقال البريطانية هناك الى ان وصل الى اسرائيل، انتهى التقرير. طلب ايسر ضم هذا الرجل واسناد دور له في هذه المهمة وهي اهم خطوة في عملية اختطاف ايخمان حيث كلف باعداد الوثائق لاعضاء الفريق الآخرين ولأيخمان نفسه من اجل تسهيل مهمة اختطافه من الارجنتين. والثاني كان ديفيد، وديفيد هذا كما تقول سيرته فقد اخته عندما قتلها النازيون هي وابناءها الثلاثة دون رحمة ولما وصله الخبر اقسم ان ينتقم لمقتل اخته وابنائها فكلفه ايسر بمهمة السيطرة الجسدية على ايخمان عند القبض عليه، وبعد ان كلفه ايسر بهذه المهمة سأله سؤالا خبيثا: هل قبلت المهمة أم نوكلها الى غيرك؟! ردعليه ديفيد منفعلا: ابعدوني عنه ان استطعتم. والثالث كان زائيفي وكان زائيفي هذا من مجموعة المنتقمين الاصلية واشترك في العديد من عمليات اغتيال النازيين ولكنه حزن عندما علم ان دوره سيكون مساندا فقط وليس اساسيا عند القبض على ايخمان. وظل ايسر يختار الرجال المتطوعين لهذه المهمة الى ان وصل الى رئيس الفريق ليفي جدعون وكان هذا الشخص من مواليد فلسطين وقد بدأ نشاطه وهو في الثانية عشرة من عمره عندما ساعد في تخليص طائفة كبيرة من المهاجرين اليهود غير الشرعيين من احد معسكرات الاعتقال وبعدها قام بنسف محطة رادار بريطانية حصينة على جبل الكرمل كما جرح ذات مرة في معركة مع الفدائيين العرب وفي النهاية تم ضمه للمخابرات عندما تسلمها ايسر وكان ايسر يثق فيه جدا ويثق في قدراته. اكتمل اذن عقد المجموعة التي ستنفذ مهمة الاتيان بأدولف ايخمان من الارجنتين لمحاكمة امام الشعب اليهودي كما خطط وتمنى ايسر هارئيل.. وبلغ مجموع اعضاء الفريق الذي سيغادر الى بيونس ايرس حوالي 30 شخصا 12 منهم منفذون اساسيون والباقي مساعدون ومساندون في تنفيذ العمليات. وفي احدى المدن الاوروبية اسس الموساد وكالة سفر صغيرة لضمان عدم اثارة المشاكل الخاصة بالوثائق او بطاقات السفر والتأشيرات وشهادات الصحة والمؤهلات لأفراد الوحدة. وبعد ان اكتملت الخطوط الرئيسية لتنفيذ المهمة سأل احد العناصر ايسر سؤالا اعتبره الاخير سؤالا غبيا وذلك عندما قال له: هل ستخبر الشرطة الارجنتينية بما تقوم به.. لحظتها صرخ أيسر في وجهه قائلاً: لو اني لم اخترك بنفسي لقتلتك الآن! كيف تريد لشرطة الارجنتين ان تعرف وهل إذا عرفت ستتركنا ننفذ المهمة ومن يضمن الا تثور علينا الارجنتين كشعب ودولة ويصبح الموقف الدبلوماسي معقداً وصعباً، كما ان هناك الكثير من رجال السياسة والقضاء المتعاطفين مع النازيين بعد ان سمعوا بعمليات الاغتيال التي قمنا بها ضدهم في أوروبا؟ التجمع في الخامس والعشرين من ابريل اصدر أيسر الذي لم يستطع الانتظار بعيدا عن موقع تنفيذ العملية أوامره لكل عملائه بالسفر من أوروبا إلى الارجنتين وطلب من كل واحد منهم استئجار منزل بمنطقة سماها المناطق الآمنة، وكان يقصد بها البعيدة عن صخب الاحياء أو الشوارع الحيوية أو تلك التي تضم حانات، دور سينما، كازيونوهات، مقاه، ملاعب كرة أو غيرها، كما طلب من كل واحد منهم استئجار سيارة على ان يحرص كل فرد على تغيير السيارة يومياً بحيث لا تبقى السيارة المستأجرة في حوزة العميل أكثر من يوم واحد، ثم استدعى قائد العملية وانتحى به جانباً في احد ممرات الفندق الذي اتخذ منه مقراً لادارة العملية وقال له بصوت خفيض: لقد اقتربنا الآن من تنفيذ العملية وخدمتنا الظروف فاليوم 9 مايو وغداً في الثامنة مساء سيصل وفد اسرائيلي إلي بيونس ايرس للمشاركة في احتفالات الارجنتين بذكرى استقلالها المئة والخمسين! وقبل ان ينصرف قائد المجموعة استوقفه مرة أخرى وقال له أرسل لي ناحوم وعيزرا وبنيامين. حادث في صباح العاشر من مايو صرخ رجل يقف على الطريق فاسترعى انتباه المارة الذين اخذوا يسألونه: ما الذي جرى.. فقد كان يرقد أسفل سيارته رجلاً فرد عليهم يبدو انه مصاب. كنت أعبر الطريق عندما وجدت هذا الرجل ينزف، واعتقد ان سيارة صدمته وهرب سائقها.. ساعدوني كي ننقله إلى المستشفى. وصل المصاب إلى مستشفى بيونس ايرس المركزي في الحادية عشرة صباحاً وسجل الرجل الذي نقل المصاب بأنه يهودي وقد استنجد به المصاب بعد ان صدمته سيارة مسرعة ولما سأل موظف الاستقبال المصاب عن اسمه قال ناحوم مزراحي وعندما سأله عن علاقته بالشخص الذي احضره، أكد نفس المعلومات التي قالها الرجل، وتم ادخال (ناحوم مزراحي) المستشفى مصاباً بكسور في ذراعه وجرح غائر في رأسه، وطلب مرافقه الانتظار معه حتى يطمئن عليه وسمح له بذلك. وظل ناحوم في المستشفى يعالج من الرضوض واجريت له الاسعافات اللازمة وتم التأكيد من انه غير مصاب بنزيف داخلي واخيراً تركه مرافقه وغادر المستشفى على ان يعود إليه في الوقت المحدد اصطحابه إلى بيته حيث يعيش وحيداً في بيت بأحد ضواحي بيونس ايرس. التنفيذ عندما بدأ نهار الحادي عشر من مايو كانت كل الاستعدادات قد أنجزت ولم يعد باقياً سوى القبض على الهدف المطلوب ولعل أنسب طريقة لالقاء القبض عليه هي في المسافة التي يقطعها بين الباص بعد ان يترجل منه وباب بيته الداخلي، وهي مسافة قصيرة على كل الاحوال ولكن ليس هناك أفضل من هذا التوقيت و هذا المكان بالتحديد. وفي الساعة السابعة والدقيقة 34 من مساء ذلك اليوم وقفت سيارتان في شارع غاريبالدي، وكان غطاء احدى السيارتين مفتوحاً وبالقرب منها يقف شخصان وبعد لحظات دس احدهما رأسه في موتور السيارة وبدأ كما لو كان يقوم باصلاحها بينما الشخص الآخر يحاول مساعدته في حين جلس على أرضية المقعد الخلفي رجل كان في حالة تأهب للانقضاض على الضحية، وعلى بعد حوالي 20 متراً وقفت سيارة أخرى على الرصيف المواجه وكان صاحبها يبحث عمن يساعده في العطل الطارئ الذي ألم بسيارته بينما يسترق النظر بين الحين والآخر نحو السيارة الأولى ليتبين موقف من فيها. كان موعد عودة ايخمان الساعة السابعة و 40 دقيقة تماماً حيث يقف الباص العام الذي يقله على بعد 50 ياردة من بيته يسيرها على مهل حتى يصل إلى الباب الخارجي لبيته فيتخطى السور الشائك أو يفتح الباب الخارجي ويمر عبر ممر قصير إلى مدخل البيت. لم تكن هناك أية اضاءة في المسافة بين الباب الخارجي وحتى الباب الداخلي للبيت. وصل الباص في الوقت المحدد وبدأ ركاب السيارتين المتوقفتين يفحصون من سيهبط من الباص إلا ان احداً لم يهبط من الباص الذي واصل سيره بعد ثوان قليلة، اعتقد المختطفون ان ايخمان ربما فاته ركوب هذا الباص، فانتظروا على نار الباص التالي وبعد 7 دقائق وصل باص آخر إلا ان أحداً لم يهبط منه فتوترت اعصاب اعضاء الفريق، الوقت يمضي ووقوف السيارتين هكذا على جانب الطريق قد يثير شبهة السكان أو الشرطة الراكبة ثم وصل باص ثالث وهبطت منه هذه المرة امرأة شابة تبدو كبنات الهوى، نظرت باهتمام نحو السيارة القريبة منها وأومأت بالتحية لأصحابها الذين لم يهتموا بها وعند الساعة الثامنة كان الفريق قد قرر مغادرة المكان حتى لا تنكشف الخطة ولكن اضواء منبعثة عن بعد لباص آخر جعلتهم يقلعون عن فكرة الرحيل توقف الباص وكانت الساعة قد بلغت الثامنة بالضبط عندما هبط منها شخص وحيد واتخذ طريقه المعتاد إلى بيته وعرفه الفريق ومرت لحظات من الصمت الرهيب في انتظار وصول الهدف إلى النقطة المناسبة. وفجأة بهرت عيني ايخمان أضواء السيارتين مرة واحدة وقبل ان ينتبه كان رجلان من الفريق قد أمسكا به ولم يكن لديه وقت يصرخ فقد كمم الرجل الذي كان في السيارة الأولى ذو العضلات القوية فمه وحمله ووضعه في المقعد الخلفي لاحدى السيارتين وضغط رأسه للأسفل بين ركبتي عنصر آخر من أعضاء العملية، بينما تولى الآخر شد وثاقه وسد فمه بكمامة وتغطية عينيه برباط شده بقوة إلى الخلف، وذلك حتى لا يتعرف على مختطفيه، أو على الطريق الذي ستسلكه السيارة وانحنى أحدهما عليه وحدثه بالألمانية، أي حركة منك سأفرغ هذا المسدس في رأسك، فحياتك لا تهمنا ولكن كن عاقلاً. في أحد المنازل الآمنة التي استأجرها عملاء الموساد اعضاء الفرقة المكلفة بخطفه تم ادخال ايخمان بعد مضي حوالي ساعة على اختطافه ووضع في غرفة بهذا المكان القابع وسط حي هادئ بالمدينة وربطت ساقه في هيكل السرير وألبس بيجاما جديدة اشتريت له على مقاسه. ثم بدأ أعضاء الفرقة الذين رافقوه في البحث عن وشم جماعة القمصان الزرقاء (س.س) والذي كان يوشم به العضو تحت ابطه لكنهم لم يجدوه بل وجدوا ندبة وكأنها اثر لجرح في نفس المكان. لم ينتظر السجانون وصول قائد المجموعة وبدأوا في سؤاله والغريب ان ايخمان ابدى تعاوناً اثار استهجان المختطفين وكان مرعوباً عصبي المزاج لدرجة لا تنبئ أنه الشخص نفسه الذي كان يوماً ما ضابطاً رئيسيا في مجموعة الحل النهائي لليهود في أوروبا. سأله أحدهم وهو لا يزال معصوب العينين ما هو رقم عضويتك في الحزب الاشتراكي القومي ـ النازي ـ ؟! أجاب بخوف شديد 889895. بعدها فك المختطفون وثاقه وحلقوا لحيته واعتنوا به تماما وكان ايخمان يردد أثناء ذلك انه لن يقاوم وأنه متأكد انه سيلقى عناية ومعاملة طيبة ومحاكمة قانونية ولم يكن يعرف حتى هذه اللحظة انه سيتم نقله إلى تل أبيب. المريض مرت تسعة أيام على ايخمان وهو في أسره يعتنى به ويحمم وينظف كأفضل ما يكون. وفي 20 مايو كان المريض الذي دخل المستشفى يعاني من الحادث قد أخبر اطباءه بأنه أصبح متعافياً وسليما وانه يريد مغادرة المستشفى للعودة إلى وطنه، وسر الاطباء المعالجون بشدة لهذا النبأ ومنحوه شهادات طبية واذنا خطياً حسب طلب للعودة إلى وطنه بالطائرة. وخرج المريض من المستشفى ليتلقفه مجموعة كانت تنتظره حيث اخذت منه أوراق المستشفى على عجل وتم استبدال صورة المريض بصورة ايخمان واصبح ايخمان بهذه الصورة جاهزاً للسفر بجواز سفر المريض وأوراقه وكأنه مواطن يهودي عائد إلى وطنه بعد رحلة علاجية، وطلب اعضاء الفريق من ايخمان ان يوقع على وثيقة تكشف عن هويته الحقيقية وأنه مستعد للسفر إلى اسرائيل للمثول أمام المحكمة، وعندما سأله أحدهم لماذا وافقت بهذه السهولة، قال انني اقدم هذه الشهادة بمحض ارادتي لا عن وعد ولا عن وعيد وذلك لأنني أتمنى ان يرتاح ضميري واعتقد انني سأحاكم محاكمة عادلة!! كانت المشكلة امام أيسر بعد ذلك هو كيفية اخراج الاسير من بين موظفي الجمارك والجوازات ورجال الأمن المنتشرين بالمطار. في المطار اتخذ ايسر ركنا جلس فيه بجوار شالوم داني قرب شباك الجوازات وهو يضع اللمسات الاخيرة على جوازات السفر المزورة ويتأكد من ان الوثائق التي اعدت لايخمان قد تم ختمها بأختام الحكومة الارجنتينية الرسمية. الوصول للمطار تم تجهيز ايخمان والباسه بذلة من بذلات رجال شركة طيران العال الاسرائيلية وقام طبيب من الفريق بحقنه بابرة خاصة تحتوي على عقار تم تركيبه بحيث يشوش على تركيزه واحساسه فلا يعي شيئاً مما حوله لكنه يظل في حالة وعي وكأنه خارج لتوه من مستشفى معالجا من آثار اصابة بالرأس افقدته قليلاً من تركيزه! وتم اصطحابه إلى المطار بين اثنين من أقوى رجال العملية بحيث اسنداه فيما بينهما عن اليمين والشمال ومضى ايخمان وسطهما وكأنه احد رجال الطيران التابعين لشركة العال. وركب السيارة التي كانت تتبعها قافلة مؤلفة من ثلاث سيارات ممتلئة جميعاً بملاحي شركة العال للطيران، وأدخل ايخمان من باب الموظفين في المطار، وعندما اقتربت القافلة من مقر الحراس اخذ رجال السيارة الأولى يضحكون بصوت عال فقال سائق السيارة للحراس: انهم مسرورون من سهرتهم بأحد الملاهي ببيونس ايرس. سألهم الحارس ولكن كيف سيقودون الطائرة؟ رد عليه أنهم الملاحون البدلاء وقد يناموا داخل الطائرة. في هذا الوقت كان المرافقان لايخمان غير الواعي لما يحدث على بوابة المطار يضغطان عليه بشدة خاصة عندما انزل من السيارة وهم في المسافة الفاصلة بين بوابة المطار والطائرة ثم أخذا يساعدانه كي يصعد سلم الطائرة المتحرك، وفجأة سلط أحد الموظفين ضوء كشاف قوي في اتجاه السلم المتحرك فارتعد الفريق والتفت قائد المجموعة برعب نحو الموظف الذي ابتسم له وأخبره انه ينير لهم الطريق نحو الطائرة!! وكان آخر شخص قدم له أوراقه للسفر ايسر هارئيل نفسه واتجه خفيفاً نحو الطائرة فقد أصبح كل شيء معداً للانطلاق وبعد عدة دقائق انتبه أيسر إلى مجموعة من الضباط وهي تجري نحو مهبط الطائرات باتجاه الطائرة عندما بدأت الطائرة في ادارة محركاتها والتحرك بالفعل عن أرض المطار وفي لحظة وصولهم إلى موقع الطائرة كانت الطائرة قد حلقت في الجو ونظر أيسر في ساعته، فوجدها الثانية عشرة وخمس دقائق بعد منتصف ليل بيونس ايرس. في الطائرة اكتشف الملاحون الحقيقيون هوية الراكب معهم بينما قام الطبيب المرافق بالتأكد من ان الحقنة التي اعطيت لايخمان لم تحدث اضراراً وأنه سيعود إلى طبيعته خلال رحلة الطائرة. في مكتب بن جوريون مرت 24 ساعة بالضبط منذ ان اقلعت الطائرة من مطار بيونس ايرس قبل ان تحط في مطار اللد حيث وجد ايسر سيارته بالمطار فاصطحب ضحيته معه وقاد السيارة بنفسه إلى مكتب بن جوريون. ودخل ايسر مكتب بن جوريون فعاجله الاخير متسائلاً: ـ أين كنت.. لقد غبت 23 يوماً؟! ـ كنت أبحث لك عن هدية صغيرة.. ثم دفع بايخمان أمام بن جوريون. ـ من هذا..؟ ـ سيدي أقدم لك النازي أدولف ايخمان!! عقدت الدهشة لسان بن جوريون وظل صامتا للحظات قبل ان ينطق.. اعرف انك كنت تطارده لكني لم اتوقع أبداً ان تحضره إلى تل أبيب! انحنى أمامه قليلاً ثم غادر مكتبه إلى بيته ليجد زوجته في قلق تنتظر عودته في أي لحظة، سألته: أين كنت؟ ـ قال لها: كنت في مكان ما! الإعلان وفي اليوم التالي: اتجه بن جوريون إلى الكنيست ليلقى خطاباً قصيراً وبصوت متهدج شديد الانفعال.. قال: يتوجب علي الاعلان عن ان الاستخبارات الاسرائيلية قد عثرت قبل وقت قصير على واحد من كبار مجرمي النازية.. أدولف ايخمان الذي كان مسئولا مع سواه عما اسموه الحل النهائي للمشكلة اليهودية، وساهم مع غيره في ابادة ستة ملايين يهودي!! وواصل قائلا ايخمان الآن رهن الاعتقال في اسرائيل وسيقدم قريباً للمحاكمة. دوت صالة الكنيست بالتصفيق واتجهوا في هذه اللحظة إلى أيسر ليشكروه على أقذر مهمة قام بها رجل المخابرات.