الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 منذ اشهر قلائل، وبينما كنت ابحث بين اغراضي واوراقي عن بعض الاحصائيات، لاحظت وجود موضوع آخذ دوماً في تكرار نفسه هو «السور». ان صورة الحوائط والاسوار تكرر دائماً نفسها، فهناك الحواجز التي تمنع الناس من الوصول الى الموارد العامة، وتمنعهم من الحصول على احتياجاتهم من الاراضي والمياه، وتحد من قدرتهم على التنقل عبر الحدود ومن قدرتهم على التعبير عن الامتعاض السياسي الذي يشعرون به ومن التظاهر في الشوارع، بل ان هذه الاسوار تمنع حتى الساسة من تنفيذ سياسات تفيد الشعب الذي قام بانتخابهم. بعض تلك الاسوار تصعب رؤيته فهناك سور حقيقي يحيط بالمدارس في زامبيا عندما تم فرض رسوم على التعليم بناء على نصيحة البنك الدولي وهو الامر الذي حرم ملايين الاشخاص من الوصول الى الفصول المدرسية والتعلم وهناك ايضاً سور حقيقي لا يمكن اختراقه مضروب حول مصدر المياه النظيفة في سويتو عندما ارتفعت الاسعار بشكل جنوني بسبب الخصخصة، وهو الامر الذي ارغم الشعب على التوجه الى مصادر المياه الملوثة وهناك سور حول كل فكرة تدعو الى الديمقراطية، عندما تم ابلاغ الارجنتين بأنها لن تتلقى اي مساعدات من صندوق النقد الا اذا تم تقليص حجم الانفاق الاجتماعي وخصخصة عدد اكبر من الموارد والتخلص من دعم الصناعات المحلية، كل هذا في وقت كانت الأزمة تتفاقم في البلاد بسبب تلك السياسات والاجراءات التي كانت تطلب من الدولة كشرط لتقديم المساعدات. تلك الاسوار تقف على درجة قدم النزعة الاستعمارية، لقد كتب ادواردو جاليانو معلقاً على الشروط البريطانية لتقديم قروض للارجنتين في عام 1824، قائلاً: «ان تلك العمليات الربوية تفرض قضباناً حول الدول الحرة». وقد كانت الاسوار دوماً جزءاً من الرأسمالية، وهي الطريقة الوحيدة لحماية الممتلكات من العصابات التي يمكن ان تقوم على نهبها ولكن ازدواجية المعايير في فرض تلك الاسوار ودعمها زادت بدرجة فاضحة. ان مصادرة الممتلكات ربما تكون اكبر خطيئة يمكن ان تقدم عليها اي حكومة اشتراكية في عيون القائمين على الاسواق المالية الدولية ولكن حماية الاصول التي تضمنها تعاملات التجارة الحرة للشركات لا تنطبق على المواطنين في الارجنتين الذين قاموا بايداع مدخراتهم في حسابات سيتي بنك والبنك البريطاني ليجدوا الآن ان معظم اموالهم التي عكفوا طوال حياتهم على تجميعها قد اختفت. وفي الوقت نفسه، تواجه بعض الاسوار التقليدية هجوماً شديداً ففي اطار الاندفاع نحو الخصخصة، تلاشت الاسوار التي كانت في وقت من الاوقات تفصل بين كثير من المجالات العامة والخاصة، وتمنع من لصق ووضع اعلانات في المدارس وتمنع وجود مصالح خاصة في مجال الرعاية الصحية فقد تم التعدي على خصوصية ـ تقريباً ـ جميع المجالات العامة وفتحها امام المنافع والمصالح الخاصة ثم يعاد اغلاقها مرة اخرى بسبب آليات السوق. احد الحواجز الاخرى التي تتعرض للتهديد والخاصة بحماية المصالح العامة يتمثل في ذلك الذي يفصل بين المحاصيل المعدلة وراثياً والمحاصيل التي لم يتم تعديلها بعد، فكبار العاملين في مجال البذور لم يفلحوا في منع حبوبهم المعدلة وراثياً من التطاير الى الحقول المجاورة حيث اصبح خيار تناول اغذية معدلة وراثياً من عدمه في كثير من اجزاء العالم غير موجود اصلاً، وفسدت كميات كبيرة من الاغذية والمحاصيل فالاسوار التي تحمي المصالح العامة تبدو الآن آخذة في التلاشي في حين ان الاسوار التي تقيد من حرياتنا آخذة في التضاعف. لقد عج العقد الماضي، الذي سيطرت عليه موجة التداخل والاندماجات الاقتصادية، بوعود بتحطيم اكبر قدر من القيود وتحقيق قدر أكبر من الحريات، والآن وبعد مرور 13 عاماً على سقوط سور برلين، تحيط بنا الأسوار مرة أخرى، وتمزق أوصالنا وتفصلنا عن أرضنا وتفصل عنا قدرتنا على تخيل ان هذا التغيير ممكن. ان العملية الاقتصادية التي تسير تحت نطاق ما يسمى بـ «العولمة» تطال كل ناحية من نواحي الحياة، وتحول كل نشاط ومورد طبيعي إلى سلعة مملوكة معروفة المقاس والحجم، وكما يوضح الباحث جيرارد جرينفيلد من هونغ كونغ فإن المرحلة الحالية من الرأسمالية ليست أمراً يتعلق ببيع كميات اكبر من المنتجات عبر الحدود، فهذه المرحلة تدور أيضاً حول اشباع حاجة السوق التي لا تنتهي من النمو عن طريق اعادة تعريف جميع القطاعات التي كانت في السابق تعتبر جزءًا من الأراضي المشاع التي لا يمكن بيعها واعطاء هذه القطاعات مسمى جديداً وهو «منتجات». ان غزو الخاص للعام وصل إلى مجالات وقطاعات جديدة مثل الصحة والتعليم، ولكن الأمر لا يقتصر على هذا فحسب، فهذا الغزو وصل أيضا إلى الافكار والجينات والحبوب التي صارت الآن تشترى وتصدر لها براءات اختراع وتحاط بالأسوار، فبعد ان أصبح حق الطبع والنشر الآن اكثر سلعة تصديرية للولايات المتحدة وتخطت حتى صادرات السلع المصنعة والاسلحة يجب ان يفهم قانون التجارة الدولية على انه ليس فقط يهدف إلى التخلص من حواجز معينة ومنتقاة، ولكن على انه بشكل أدق يتمثل من كونه عملية يتم من خلالها وضع مزيد من الحواجز والقيود بشكل منتظم وذلك حول المعرفة والتكنولوجيا. ان حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة هي التي تمنع المزارعين من اعادة زرع بذور مرتبطة ببراءة اختراع وتجعل من غير القانوني ان تقوم الدول الفقيرة بتصنيع أدوية عامة بشكل أرخص سعراً من أجل توفير حاجات شعوبها الفقيرة. ان العولمة الآن تتم محاكمتها لأنه على الجانب الآخر من كل تلك الأسوار الحقيقية هناك أناس محرومون من التعليم ومن المستشفيات ومن فرص العمل ومن الاستفادة من مزارعهم ومجتمعاتهم، والافراط في الخصخصة والسياسات التنظيمية قد ولّد جيوشاً تتكون من اناس عاجزين ليس هناك حاجة لخدماتهم ولا يقوم احد بتوفير احتياجاتهم الاساسية. ان تلك الأسوار من العزلة الاجتماعية يمكن ان تعصف بصناعة كاملة ويمكن أيضاً ان تنهى على بلد كامل، كما حدث مع الارجنتين وفي حالة أفريقيا فإن قارة بأكملها يمكن ان تجد نفسها معزولة إلى عالم ظل العولمة، حيث تظهر فقط في حالة الحروب عندما يتم الشك في مواطنيها على انهم ارهابيون أو معادون لأميركا. وفي واقع الامر فإن قدراً قليلاً من هؤلاء المعزولين بسور من العولمة يعمدون إلى العنف، فأكثرهم يأخذ في التحرك سواء من الريف إلى المدينة أو من بلد إلى بلد، وحينذاك يجدون أنفسهم وجهاً لوجه مع الأسوار غير الحقيقية، تلك الأسوار المصنوعة من السلاسل والاسلاك والمدعمة بالاسمنت والحديد وتحميها البنادق والرشاشات. وكلما سمعت عبارة «تجارة حرة» فإنها «لا استطيع ان أبعد عن ذهني صورة المصانع التي زرتها في الفلبين واندونيسيا وكانت كلها محاطة بالبوابات وأبراج المراقبة والجنود الذين يعملون على عدم شرب المنتجات والسلع المدعمة بشكل كبير إلى الخارج ومنع مسئولي النقابات من الدخول، أفكر أيضاً في رحلة قمت بها أخيراً إلى صحراء استراليا الجنوبية، حيث زرت هناك مخيم اللاجئين في وميرا حيث يوجد مئات من اللاجئين العراقيين والافغان الذين هربوا من أجواء الظلم في بلدانهم، ويأملون ان يرى العالم ماذا يجري وراء الأسوار، لاجئين من أجل تحقيق هذا الأمل إلى تنظيم الاعتصامات والامتناع عن الطعام والقفز من فوق أسطح ثكناتهم والامتناع عن الحديث في هذه الأيام تعج الصحف بروايات أليمة وكئيبة تحكي حال الباحثين عن حق اللجوء السياسي الذين يحاولون عبور الحدود عن طريق التخفي في عربات نقل البضائع التي تتمتع الآن بحرية اكثر من تلك التي يتمتع بها الانسان. كل تلك الاسوار مرتبطة ببعض فهناك حاجة للأسوار الحقيقية لدعم وتطبيق الاسوار الأخرى التي تبعد الموارد والثروات عن أيدي مستحقيها فلا يمكن ان يتم ابعاد هذا الجزء الكبير من ثرواتنا المشتركة من دون ان تكون هناك في الوقت نفسه استراتيجية مصاحبة تهدف إلى السيطرة على مظاهر الضجر والاستياء الشعبي الذي يترتب على ابعاد تلك الثروات عن مستحقيها، ويزدهر عمل الشركات الأمنية في المدن حيث تزداد الفجوة بين الغني والفقير وتصل إلى أوجها يظهر هذا بشدة في جوهانسبرغ وساو باولو ونيودلهي، حيث تتاجر تلك الشركات في الأبواب والبوابات الحديدية والسيارات المصفحة والمدرعة وأنظمة الانذار المتطورة وتؤجر فرق الحماية والحراسة الشخصية، فالبرازيليون على سبيل المثال، ينفقون 4.5 مليارات دولار على أمنهم الشخصي، ويزيد عدد أفراد الشرطة الذين يعملون في الحماية الشخصية والذين يصلون الى 400 ألف شرطي عن عدد ضباط الشرطة الحقيقيين في البلاد بأربع مرات. ويبدو الأمر الآن ان تلك المراكز المسورة التي تحمي الأثرياء من الفقراء أصبحت عبارة عن عالم صغير يعكس دولة أمن عالمية وليس قرية عالمية عازمة على خفض الاسوار والغاء الحواجز كما وُعدنا، فالأمر أصبح بمثابة شبكة من الحصون المتصلة ببعضها عن طريق ممرات تجارية مسلحة على أعلى درجة. ونادراً ما يرى الغرب الأسوار والمدفعية، فالمصانع المسورة والمحاطة بالبوابات وكذلك مخيمات اللاجئين كلها موضوعة في اماكن قصية للغاية، ولكن خلال الأعوام القليلة الماضية ظهرت بعض الاسوار بشكل واضح للعيان وذلك اثناء اجتماعات القمة التي يتم من خلالها الترويج لذلك المفهوم الوحشي من العولمة. فعندما استضافت مدينة كويبك قمة الاميركتين في ابريل 2001، قامت الحكومة الكندية باتخاذ خطوة غير مسبوقة ببناء قفص ليس حول مركز المؤتمرات وحسب، ولكن حول وسط المدينة بأكمله، وتم اجبار المواطنين على اظهار وثائقهم الرسمية للسماح لهم بالذهاب الى منازلهم وأعمالهم. ومن الأساليب الاخرى، العمل على عقد الاجتماعات في أماكن لا يمكن الوصول اليها. فقمة الدول الثماني هذا العام عقدت في مكان سحيق بسلسلة جبال روكي. كما أصبحت «الحرب على الارهاب» سوراً آخر للتخفي والاخفاء يستخدمه منظمو اجتماعات القمم لتبرير ان مظاهر الامتعاض والثورة الشعبية لن تكون ممكنة في الوقت الراهن، أو لعقد مقارنة تهديدية بين ما يحدث بشكل شرعي من قبل المتظاهرين وما يقوم به الارهابيون من تدمير وفوضى. ولكن ما يتم وصفه بأنه مواجهات تهديدية عادة ما تكون أحداثاً مليئة بالمرح. فالمرة الأولى التي اشتركت فيها في أحد تلك الاجتماعات، اتذكر انني خالجني شعور مميز بأن شيئاً لم يعد بمثابة مدخل سياسي كان آخذا في الانفتاح، فالأمر كان يشبه بوابة أو نافذة أو مشكاة في التاريخ تم فتحها. هذا المدخل كان عبارة عن شعور بامكانية حدوث شيء، أو ظهور نسمة من الهواء النقي، فتلك المظاهرات التي في الحقيقة عبارة عن أسبوع ماراثوني من التعليم المكثف لسياسات العولمة، وجلسات استراتيجية ليلية ومهرجانات موسيقية هي بمثابة الدخول الى عالم مختلف يسير بالتوازي مع عالمنا، فالغرباء يتحدثون مع بعضهم ويبدو مشهد حدوث تغير حقيقي في المسرح السياسي على انه أكثر أنواع التفكير منطقية في العالم. وهناك أنواع اخرى من النوافذ يتم فتحها ايضاً، تتمثل في مؤامرات هادئة لاستعادة الأصول المخصصة واعادتها للاستخدام الشعبي. ربما يكون الأمر هو قيام مجموعة من الطلبة بقذفون بالاعلانات الى خارج فصولهم الدراسية أو ينشئون مراكز إعلامية برمجيات مجانية. وربما يكون الأمر متعلقاً بمجموعة من الفلاحين التايلانديين يقومون بزرع خضروات عضوية على أراضي جولف غارقة بمياه الري، أو مزارعين لا أرض لهم في البرازيل يقومون بتحطيم الأسوار حول أراضي غير مستخدمة وتحويلها الى مزارع تعاونية، وبمجرد ان يتم استعادة تلك الأشياء فإنه يتم اعادة صنعها، فعن مجالس المدن وجمعيات الاحياء والقرى والمزارع هناك ثقافة جديدة من الديمقراطية المباشرة آخذة في الظهور. ليس من الواضح ماذا سوف ينشأ عن تلك الممتلكات التي تم تحريرها أو حتى ما إذا كان ما سينتج عنها سوف يكون من القوة ما سيسمح له بمقاومة الهجمات التي سيشنها الجيش وقوات الشرطة، لاسيما وان الخيط الفاصل بين الارهابي والناشط الذي يعمل بشكل شرعي أصبح غير واضح بالمرة. إن السؤال المتعلق بماذا سوف يحدث لاحقاً يشغلني ويسيطر عليّ بشدة كما هو الحال مع أي شخص آخر كان جزءاً من بناء هذه الحركة العالمية. وبينما أنا أنظر مرة أخرى الى تلك القصاصات من المقالات، أراها كما هي فعلا: فهي عبارة عن ملاحظات بشأن لحظات دراماتيكية لفترة من الزمن وتسجيلا للفصل الأول من قصة قديمة للغاية ومعادة بشأن أناس يعملون على تحطيم الحواجز التي تحاول احتواءهم، ويلجأون الى فتح النوافذ والاستنشاق بعمق لتذوق الحرية. بقلم: ناعومي كلاين عن «غارديان ويكلي» _ ترجمة: حاتم حسين