الاربعاء 1 رمضان 1423 هـ الموافق 6 نوفمبر 2002 الصراع السري - الحلقة الاولى - المهمة القذرة، بقلم: محمود عبدالكريم كل دول العالم انشأت مخابراتها بعد استقلالها واستقرارها.. واسرائيل هي الدولة الوحيدة التي انشأها جهاز مخابراتها فالأصل في دولة «اسرائيل» هو الموساد والتفصيل هو اعلان الدولة. هذه معلومة يعرفها كل من تابع نشأة هذه الدولة المخابراتية والى اليوم لا يزال الموساد هو العمود الفقري لاستمرار وقيام هذا الكيان.. ومن هنا شاعت مقولة ان الموساد هو اقوى اجهزة المخابرات في العالم.. لكن هذه الاسطورة استطاعت المخابرات العربية في مصر وسوريا والاردن وبقية الاقطار تحطيمها في اكثر من موقعة. و«البيان» تنشر خلال الشهر الكريم اشهر وقائع الحرب السرية بين العرب و«اسرائيل» او تلك التي خاضتها «اسرائيل» ضد دول اخرى لاهداف خاصة باستراتيجيتها وبنائها العسكري. كانت الساعة تعلن الثامنة من مساء الحادي عشر من مارس عام 1957 عندما دق جرس هاتف ديفيد بن جوريون رئيس وزراء اسرائيل في مكتبه وقبل ان يرفع بن جوريون سماعة الهاتف اغلق ملفا كان أمامه ونظر ببطء شديد نحو الساعة القديمة المعلقة على حائط مكتبه وهي الساعة الوحيدة التي حرص بن جوريون على وضعها في مكتبه فقد كانت معرفة التوقيت من خلالها اسهل له عن النظر في ساعة يده الاكثر قدماً ثم مسح بيده على شعره الأبيض المتناثر على جانبي رأسه ورفع سماعة الهاتف.. كيف حالك يا رفقة؟ بخير يا سيدي.. غريب ان تطلبيني هكذا وفي مثل هذا التوقيت.. ما الذي حدث.. اين أيسر..؟ هذا هو السؤال الذي كنت اود ان اسألك اياه. في الحقيقة انا لا اعرف اين هو بالضبط الآن ولم يقل لي ولم يتصل بي منذ الصباح.. حتى اعرف أين هو.. أليس في مهمة من تكليفكم يا سيدي الرئيس؟ ضحك بن جوريون فظهرت الاسنان الباقية في فمه وواصل قائلاً.. هل تصدقينني اذا قلت لك اني لا اعرف اين هذا الرجل القصير الآن.. انه يتكتم اخباره وتحركاته حتى عني انا شخصياً. سيدي.. ان ايسر لا يحب اثنين على ظهر الارض سوى بن جوريون واسرائيل. اتسعت ضحكة بن جوريون اكثر وقال لمحدثته.. هذا خطأ لا يجب ان تقع فيه زوجة رئيس الموساد.. لقد نسيت شخصا ثالثاً يحبه أيسر. ومن هو ذلك الشخص يا سيدي؟ انه انت يا رفقة، ان ايسر لا يعمل حسابا لأحد في الدنيا بقدر ما يعمل لك انت من حساب.. لا تبالغ يا سيدي انه يكاد ان يعبدك عبادة وانا اقدر فيه ذلك، واعرف ان اسرائيل ستقوم وتقوى بقدر ما يقدم أيسر من جهود مخلصة لها.. نحن نعتمد عليه يا سيدتي في تصفية معاركنا مع النازيين وادارة المعركة السرية مع مصر وسوريا وبقية البلاد العربية التي تريد ان تلتهمنا..!! اتريد بهذا الحوار ان تقول لي انك لا تعرف فعلاً اين ايسر الآن.. لو عرفت لما كان ايسر هو ايسر.. اخطر رجال اسرائيل.. ضحكت رفقه زوجة ايسر هارئيل او ايسر الصغير كما كان يطلق عليه لتمييزه عن ايسر بائييري عندما كانا يعملان معاً في منظمة «شاي» السرية التي تولت في نهاية الحرب العالمية الثانية امر تنظيم جهاز المخابرات الاسرائيلي حتى وصل مع يناير 1948 الى رئاسة فرع الأمن الداخلي «الشين. بيت». ورغم المنافسة بينه وبين أيسر بائييري الا ان ايسر هارئيل ذا العينين الزرقاوين الثاقبتين لم يهدأ او حتى يقنع بهذا المنصب وظل يعمل بجهد ومثابرة شديدين حتى وصل الى رئاسة الجهاز. وكانت زوجته رفقه لا تتأثر كثيراً بغيابه ولكنه لم يكن معتاداً الخروج من الصباح وحتى نهاية اليوم دون ان يكون قد اخبرها بمكانه على الاقل وفي هذا اليوم سمعت عبر الراديو الاسرائيلي من تل ابيب ان الفدائيين العرب قد قتلوا اسرائيلياً لم تعرف هويته بعد فانزعجت كثيراً وهو ما دفعها الى الاتصال برئيس الوزراء لتطمئن منه على زوجها وهو امر نادر الحدوث فلم تكن تفضل ابداً التدخل في شئون عمل زوجها وهو ايضاً لم يكن يطلعها على اي شيء من اخبار وأسرار عمله. في العاشرة من مساء نفس الليلة كان ايسر هارئيل يجتاز بوابة بيته الصغير ويمر عبر الحديقة ويضع مفتاحه في الباب ويدخل ليفاجأ بزوجته تقف في باحة البيت متحفزة وعندما فوجئ بها على النحو ضحك وخلع نظارته وأمسك بها من كتفيها وقال لها.. اهدئي ولا تنزعجي، فأنا بخير طالما كانت اسرائيل بخير..! ولكن الا تتخلى قليلاً عن سريتك وحذرك على الأقل معي حتى أطمئن عليك. انت تعرفين كل شيء. وجدت رفقه ان النقاش مع زوجها لن يأتي بنتيجة فقالت في غضب والآن هل اعد لك العشاء؟ لا ولكن اذا كان ضرورياً فأعدي لي فنجاناً من القهوة.. صرخت رفقه : قهوة نحن نقترب من الحادية عشرة ليلاً.. لدي امراً اريد ان انجزه في غرفة المكتب و.. ثم تركها دون ان يتلقى منها رداً ودخل مكتبه واغلق الباب على نفسه وفتح خزنة سرية داخل جدار الغرفة واخرج منها ملفاً ضخماً ووضعه على المكتب وجلس يتصفحه.. كان الملف في يدي ايسر هارئيل قديماً جداً وأوراقه الصفراء تؤكد انه جمع من أماكن شتى والوثائق به تبدو كما لو كانت قد حررت ابان الحرب العالمية الثانية، وبالفعل كانت كذلك، فالملف الذي كان بيدي ايسر هارئيل تم جمعه بعد ان انتهت الحرب العالمية الثانية واحتفظ به زمناً طويلاً قبل ان يفتحه الليلة ليدرسه فقد اعتبر ان صاحب هذا الملف هو المهمة رقم (1) له كرئيس لجهاز الموساد الذي عليه منذ هذا اليوم ان يصفي كل العملاء والخونة الذين وقفوا ضد قيام اسرائيل وحاولوا بشتى الطرق ابادة شعبها وعلى رأسهم النازيين! أدولف ايخمان قبل ان يجلس ايسر على مكتبه ليطالع الملف الضخم بيده في هذه الليلة. بمدة تصل الى 23 سنة كان أدولف هتلر قد أصدر أمراً بتعيين أدولف ايخمان ليعمل بالقسم اليهودي من خدمات الأمن التابع لأصحاب القمصان الزرقاء أو الذين كان يطلق عليهم في هذه الفترة (س.س) وكان اختياره في هذا المكان يرجع لكونه خبيراً في قضايا الصهيونية. بعد ان عين أدولف ايخمان في منصبه هذا كانت فرحته لا تصدق فرفع سماعة الهاتف واتصل بخطيبته وقال لها: احزري ما الوظيفة التي اسندت إليّ بأوامر من الفوهرر هتلر؟ ـ لا أدري.. قل لي أنت أريد ان أفرح معك؟ ـ حبيبتي لقد تم تكليفي بالمشاركة في تنفيذ الحل النهائي لمسألة اليهود في أوروبا! ـ لست أفهم ما تقصد! ـ سأشرح لك فيما بعد. وفي اليوم التالي بدأ ايخمان في التخطيط للمهمة التي أوكلت له ووضع الخطوط الرئيسية لما أسماه اليهود، وفيما بعد «الهجرة القسرية» لليهود من أوروبا. كانت هذه الخطة تقوم على فكرة تجميع اليهود وتركيزهم في أوروبا في وحدات يسهل التحكم شئونها، وادارتها واقترح ايخمان وقتها انشاء وكالة خاصة لتنفيذ سياسة تجميع اليهود في معسكرات خاصة بهم وعمل في ادارة هذه الخطة بنجاح ساحق حتى ان الملف الذي وقع في يدي ايسر هارئيل بعد اكثر من 23 سنة يقول ان ايخمان ساعد مع آخرين في ابادة حوالي مليون يهودي في أوروبا، حسب الرؤية اليهودية لكن بعد سنوات من انضمام ايخمان الى القسم اليهودي تم تعيينه مشرفاً على مسألة الحل النهائي لليهود في المجر. وفي مارس 1944 تولى فعلاً الاشراف على المهمة التي أنيطت به، وكما جاء في الملف الذي ظل ايسر يقرأه طيلة الليل ان ايخمان نفذ برباطة جأش وهدوء المهمة حيث قرأ أيسر في الملف ان ايخمان استطاع تجميع 438 ألف يهودي من يهود المجر البالغ عددهم 650 الفاً في معسكر خلال أربعة أشهر فقط أعد خصيصاً لذلك، إلا ان الحرب لم تسر على هوى الألمان الذين بدأوا في سلسلة من الهزائم أدت الى فقدان المانيا الكثير من المعدات والآليات فضلاً عن مقتل كثير من الجنود الالمان وأصبحت المانيا في حاجة شديدة الى تعويض معداتها العسكرية التي فقدتها في الحروب، في الوقت الذي كان ايخمان يواصل القيام بمهمته بنجاح كبير الى ان انتهت الحرب العالمية الثانية وبدأت المفاوضات حيث استطاع الحلفاء القبض على عدد من كبار النازيين وتقديمهم لمحكمة نورمبرج التي اشتهرت فيما بعد بمحاكمات نورمبرج، وبدأ الالمان يقايضون اليهود الذين تم تجميعهم بالمعدات التي تنقصهم لاستكمال الحرب أو على الأقل لوقف المزيد من الخسارة في الحرب. خلال محاكمات نورمبرج تشكلت جماعة من اللواء اليهودي التابع للجيش البريطاني اطلقوا على أنفسهم «المنتقمين»، أو «هانوقيم» نسبة الى ملائكة الله المنتقمين الذين ذكروا في التوراة على حد زعمهم. وكانت مهمة هذا الفريق هي ملاحقة النازيين الذين تصور اليهود انهم شاركوا في ابادة شعب الله المختار وخلال محاكمات نورمبرج تولى هذا الفريق تصفية عدد من النازيين بأيديهم بغض النظر عن محاكمتهم سواء أدينو أم برئت ساحاتهم واستعانوا في ذلك باعداد قوائم جهزت بناء على شهادات الذين بقوا على قيد الحياة في معسكرات الاعتقالات، وأنشأت هذه الجماعة الانتقامية شبكات من العملاء ورجال الاتصالات بطول أوروبا وعرضها وساعدهم في ذلك عسكريون تعاطفوا معهم من الفرنسيين والانجليز والاميركان وغيرهم من قوات الاحتلال. بالفعل استطاعت جماعة المنتقمين تحديد أماكن اقامة مئات من النازيين والقبض عليهم وركزوا تحديداً على عناصر القمصان الزرقاء «س.س» والذين اتهمهم اليهود بأنهم الذين نظموا معسكرات الاعتقال وأداروا شئونها وبالطبع كان ايخمان واحدا منهم. في بداية النشاط الذي قامت به جماعة المنتقمين كانوا يكتفون بالقبض على النازيين وقاداتهم وتسليمهم الى السلطات العسكرية المحلية في روسيا وفرنسا وانجلترا وغيرها، إلا ان الأسرى النازيين نجحوا كثيراً في الفرار اثناء الفوضى التي دبت في أوصال أوروبا عقب انتهاء الحرب، فضلاً عن أولئك الذين تم اطلاق سراحهم. ولكن جماعة المنتقمين لم لم تتقبل اطلاقاً في ذلك الوقت مسألة الافراج عن النازيين، لذا أخذوا على عاتقهم تصفية من يتم الافراج عنهم بطريقتهم الخاصة. مثلا في روسيا وجدت المحكمة اثناء استجواب اثنين من النازيين انهما غير مدانين وان الادلة ضدهما ليست كافية وهنا فزع اعضاء جماعة المنتقمين عندما قال لهم الآمر الروسي ان شهادات ضحايا معسكرات الاعتقال ليست كافية لادانة هذين النازيين لذا امر باطلاق سراحهما فورا. خرج المتهمان من ساحة المحكمة الى الشارع فرحين بما وصلت اليه نتيجة محاكمتهما.. يضحكان ويسخران من ادعاءات اليهود وما ان ابتعدا قليلا عن موقع المحكمة حتى ظهرت لهم مجموعة من جماعة المنتقمين واطلقوا عليهم وابلا من رصاص رشاشاتهم فقتلوهما على الفور. هكذا وجد المنتقمون في هذه الطريقة وسيلة حاسمة تشفي غليلهم وتبرد صدورهم ضد النازيين وهي تصفية النازيين بمجرد القبض عليهم بصرف النظر عن المحاكمة او نتيجتها.. ثم كان الاسلوب الجديد الذي اتبعه اليهود بالاتفاق مع مجموعة من الجنود البريطانيين وهو توجيه دعوة مهذبة للنازي بالذهاب الى مكاتب التحقيق للاجابة عن بعض الاستفسارات وبينما هو في الطريق يؤخذ الى احد الحقول او الغابات القريبة حيث تتلى عليه من قبل جماعة المنتقمين الجرائم التي ارتكبها او شارك فيها والحكم الصادر بحقه نتيجة هذه الجرائم ثم تطلق عليه الجماعة الرصاص لترديه قتيلا في الحال، وقد عثر في اوروبا خلال السنة الاولى على حوالي الف جثة لالمان اتهموا بالنازية من قبل اليهود وقد قتلوا بنفس الطريقة وبمحاكمة من جماعات المنتقمين لا من خلال محكمة نظامية اخرى في اوروبا. لكن ادولف ايخمان لم يكن ذلك الرجل الذي يستطيع اليهود او جماعة المنتقمين استدراجه الى الحقول او قتله حتى انه استطاع بذكائه ان يفلت مرتين من محاكمات نورمبرج ومن جماعة المنتقمين التي كانت ترصد كل حركات وسكنات النازيين بمن فيهم ادولف ايخمان ذلك الداهية الشاب في ذلك الوقت، فقد كان صاحب خبرة كبيرة في شئون البوليس والمخابرات واستطاع خلال هذه الفوضى العارمة التي اجتاحت المانيا عقب هزيمتها واختفاء هتلر عن الساحة ان يهرب بطريقة ذكية وخطيرة عبر اوروبا ومنها تحت اسماء مختلفة حتى وصل الى الارجنتين وترك وراءه لجماعة المنتقمين تحياته وتحدياته اذا استطاعوا معرفة مكانه او الوصول اليه. مقابلة مهمة كان الفجر قد اطلق شعاعاته الهادئة وايسر لايزال منفعلا من فرط المعلومات التي حصل عليها من الملف عن هذا النازي الذي فعل باليهود ما اراد ولم يستطع احد الوصول اليه او محاكمته او معاقبته على ما اقترف في حق اليهود في المجر واوروبا كلها.. حتى انه وجد نفسه يمسح دمعة انحدرت من عينيه تأثرا من بشاعة الجرائم التي احتواها الملف وادعى كاتبها ان ادولف ايخمان ارتكبها ضد اليهود. في الصباح كان ايسر او الرجل القصير قد استقر على اعتبار ان موضوع ادولف ايخمان هو المهمة رقم (1) للموساد تحت قيادته وانه لابد من القبض عليه حيا واحضاره الى «اسرائيل» لمحاكمته علنياً على جرائمه التي ارتكبها ايام النازي ضد اليهود. بعد ان وضع بعض لقيمات في جوفه خرج على عجل ولم يلتفت الى زوجته رفقة وهي تنادى عليه، ألن تتناول افطارك؟ استقل سيارته الصغيرة وانطلق غير مبال بما ستسفر عنه النتائج فهي ليست مهمة، واصبح الشغل والشاغل الوحيد في حياته الآن هو الاتيان بادولف ايخمان حيا من اي مكان. كان يعلم ان مهمته جريئة وانها شبه مستحيلة لكنها لابد ان تتم والاهم من اتمامها ان يتم احضار ايخمان حيا بأي شكل من الاشكال، ووصل بتفكيره الى ان هذا النازي لابد وانه يعيش في مكان باسم مستعار وانه بالتأكيد خارج اوروبا والا لكان قد عثر عليه او كلف جماعة المنتقمين بالعثور عليه. ظلت هذه الافكار تشغل ايسر طيله الطريق حتى وصل الى مكتب محاط بحراس كثيرين وله حديقة تؤدي الى المبنى الرئيسي واديت له التحية العسكرية ودون سؤال السكرتيرة التي كانت على باب المكتب الذي دلف اليه مسرعا. التفت اليه بن جوريون وسأله.. لماذا لم تهاتفني؟! هذه المسألة من المسائل التي لا احب الكلام عنها في الهاتف. الامر خطير اذن؟! نعم فانا لم انم منذ ليلة امس. منذ ان اتصلت بي زوجتك. يالها من امرأة حمقاء.. هل وصل بها الجنون لدرجة الاتصال بمكتب رئيس الوزراء لتسأل عني؟ وهل أنت شخص عادى يا ايسر.. ولكن قل لي ما الذي أرقك طيلة الليل؟ ادولف ايخمان..! هل وجدته؟ ارجو اعطائي الضوء الاخضر. افعل ما شئت.. لم يزد الحوار عن هذه العبارات القصيرة ليخرج بعدها ايسر مسرعا لايلوي على شيء. معلومات بدأ ايسر في جمع معلومات عن الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وتتبع خطوات ايخمان الذي لم تشر أية وثيقة الى مكانه او خط سيره بعد ان خرج من اوروبا الى مكان مجهول ولذا فقد بدأ ايسر يتصل بكل رجاله في انحاء العالم لتحديد او حتى الوصول الى معلومة تقود الى مكان اختفاء ايخمان وبعد فترة وفي خريف 1957 حصل ايسر هارئيل على معلومة شبه مؤكدة من الدكتور فرتس باور المدعي العام في مقاطعة هيسى بالمانيا تفيد بان ايخمان يعيش في الارجنتين! كانت هذه المعلومة هي بداية العمل الحقيقي لايسر الصغير ومنها سيبدأ في انطلاقه نحو تحقيق هدفه الاكبر في بداية عمله بالموساد او بالاحرى في بداية ترؤسه لجهاز الموساد، ولكن وجوده في الارجنتين مسألة تزيد من صعوبة المهمة فلابد ان ايخمان استطاع ان يكون علاقات متشعبة مع الارجنتينيين وبالتالي فالقبض عليه واحضاره الى «اسرائيل» امر ليس سهلا ولكنه قطع على نفسه عهدا باحضاره الى «اسرائيل» وكان من الممكن التخلص منه في الارجنتين على طريقة المنتقمين.. ولكن كان ذلك سيغضب الحكومة الارجنتينية الا أن ذلك ليس هو المهم، هو الا تشعر هذه الحكومة بما يفكر فيه وبالخطة التي سيدبرها لخطف ايخمان دون الوقوع في خطأ يكشف الامر كله امام الارجنتين ويسبب حرجا لحكومته او دولته الوليدة. اذن المهمة كانت خطيرة ونتائجها اخطر سواء نجحت او فشلت ولكن ايخمان ليس بالشخص الذي يكتفي اليهود بالتخلص منه في مكانه بل لابد من اثبات قدرة الموساد امام العالم على القيام بالمهمات المستحيلة او اقذر المهمات حتى يتعظ اولئك الجالسون على الطرف الآخر من النهر قبيل البدء معهم بمعركة الحرب السرية الطويلة.. «الابن يوقع أباه» عاود أيسر هارئيل الاتصال بالدكتور فرتس باور المدعى العام في مقاطعة هيسي بالمانيا واستفسر منه كيف عرف ان الرجل الذي يبحثون عنه يعيش في الارجنتين؟ على الهاتف من المانيا رد الدكتور فرتس قائلا لقد عرفت من يهودي اعمى يعيش في بيونس مع ابنته ان شابا يدعى نيكولاس ايخمان صديق ابنته ويتودد اليها بهدف خطبتها وأن نيكولاس كان دائم الفخر بما فعله ابوه في الحرب العالمية الثانية وما قبلها باليهود وكيفية تجميعهم في معسكرات الابادة. سأله أيسر: وأين تسكن هذه العائلة؟ قال الدكتور فرتس في 4261 شارع شاكابوكو في ضاحية اوليفوس بمدينة بيونس ايرس. دون ايسر هذه المعلومة في سجلاته الخاصة التي يحتفظ بها في الخزينة السرية ثم بدأ في جمع اخبار الاسرة التي يبحث عنها وعلى الفور امر بتشكيل فرقة من بعض العملاء التابعين للموساد لمراقبة منزل الرجل الذي يحتمل ان يكون هو ادولف ايخمان، وظلت المجموعة تراقب منزل ايخمان لفترة طويلة حتى كانت بداية، سنة 1958 حيث فوجيء الفريق المراقب عند مداهمة البيت بأن لا احد في البيت والسبب في ذلك ان ايخمان ـ وهو رجل الامن السابق ـ قد ادرك انه محاط بالمراقبة فقرر الهروب من دون ان ينتبه فريق عملاء الموساد. وفي فبراير 1958 وصل خبر الى ايسر مفاده ان الهدف المطلوب اختفى تماما فتأثر ايسر لفشل المهمة تأثرا شديدا وظل طيلة الليل يصرخ كيف تمكن هذا الثعلب من الهرب في غفلة من كل هؤلاء البلهاء الذين ارسلتهم لمراقبته. استدعى ايسر وهو في فورة غضبه ضابط شرطة من اصل بولندي عاش حياته كلها في المانيا وبعد ان هاجر الى فلسطين التحق بالبوليس البريطاني ليعمل كضابط وبعد قيام «اسرائيل» العام 1948 التحق بالشرطة الاسرائيلية وتم تعيينه ضابطا كبيرا لخبرته بالشئون الالمانية واجادته اللغة الالمانية اضافة الى قدرته على الاختلاط بالألمان.. سأله ايسر.. هناك مهمة ليست سهلة ولكني اريدك لانه ليس هناك اقدر منك على آدائها.. وأنا لها.. هل تعرف ما المطلوب..؟ ايا كان انا في خدمة «اسرائيل». المطلوب هو ادولف ايخمان..! صرخ الضابط المتحمس.. هذا الوغد سوف اطلق على رأسه وابلا من الرصاص حينما اراه فورا.. لا ليس ذلك هو المطلوب ـ المطلوب احضاره حيا الى «اسرائيل»..! سوف أفعل يا سيدي.. الآن مر على ادارة التنفيذ وخذ ما تركته لك هناك ونفذ فورا.. حلقات يكتبها: محمود عبد الكريم