الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 انسحب حزب العمل في نهاية المطاف من الحكومة. نحمد الله على أننا عشنا ووصلنا الى هذه اللحظة. والادعاء بان حل حكومة الوحدة كان عملا غير مسئول على خلفية الوضع في المناطق وعشية الحرب مع العراق، يجب رفضه جملة وتفصيلا. هذه مرة اخرى محاولة من اليمين لايجاد رابطة رمزية في الوعي العام بين خصومه السياسيين وبين مضامين مثيرة للكراهية مثل الانتهازية واللاوطنية. ان الجلوس المشترك لداليا ايتسيك وروبي ريفلين حول طاولة واحدة، وعلى الرغم من انه يثير الانفعال العاطفي الا انه لا ينطوي على دواء سحري لمواجهة أي موضوع على جدول الاعمال الوطني، وخاصة مع الارهاب الذي لم يسبق له ان جلب ثمنا داميا باهظا مثل العامين الاخيرين من حياة حكومة الوحدة. كذلك القضية العراقية ليست مبررا لمطالبة حزب العمل بالغاء او تعليق انسحابه. اذا تدهور الوضع في العراق واستدعى قرارات حاسمة، تتطلب اجماعا وطنيا واسع النطاق يستطيع رئيس الحكومة ان يكون واثقا من أن حزب العمل سيدعمه من الخارج. السؤال المهم هو ما هو الاثر السياسي لانسحاب حزب العمل من الحكومة. الاحساس في الجمهور منذ وقت، وكذلك تقديرات المراقبين، هو ان عهد التعادل التقليدي بين تكتل اليسار وتكتل اليمين الذي ساد الوسط السياسي الاسرائيلي منذ عام 1977، ولى بلا رجعة، ونحن نشهد بداية بلورة نظام جديد يكون فيه لتكتل اليمين برئاسة الليكود نشاط بارز. صحيح ان تفكيك حكومة الوحدة سيقوض على المدى القصير استقرار حكومة شارون ولكن هذا لن يعيد ميزان القوى القديم بين الكتل الى سابق عهده. لا يوجد اليوم من يختلف مع هذا التقدير. هل حقا هذا هو الحال. هل حقا يغيب اليسار عن الرأي العام الاسرائيلي لسنوات طويلة؟ هل التعاطف مع السلام والبراغماتية السائد وسط اغلبية الاسرائيليين، استبدل في ولاية واحدة لشارون بالرفض السياسي والاعجاب بالمستوطنين وبافكار الترانسفير، هذا غير منطقي. في العامين الاخيرين لم يطرأ أي تغيير ديمغرافي ثوري يستطيع ان يفسر هذا التحطيم المأساوي لقواعد اللعبة السياسية التي صمدت لعقدين ونصف . صحيح ان فشل كامب ديفيد والانتفاضة اضعفا الثقة بامكانية التوصل الى سلام حقيقي مع الفلسطينيين لكنهما لم يغيرا من المعطيات الاساسية للمشكلة الفلسطينية او استعداد الجمهور الاسرائيلي لتنازلات سياسية. من الصعب القول ان الشعب الاسرائيلي سُحر من الانتصارات التي حققتها حكومة شارون في مجال الامن والاقتصاد. الذي تغير، عموما، هو اننا اعتدنا على وضع لا يوجد فيه منافس على رأينا. شعب واحد، حكومة واحدة، عرفات واحد، رأي واحد. من السهل الاعتياد على هذا، هذا مريح جدا خاصة في اوقات الازمة. ان ترى تسيفي ليفني في التلفاز وهي تبدو معقولة ووطنية ومقنعة. ذات مرة كانوا يوازنونها مع حاييم رامون او ابراهام بورغ، مثلا، ممثلي المعارضة متساوية القوى الذين يعرضون بطلاقة موقفا معارضا والمشاهد المتوسط، غير المتطرف، الى هنا او هناك، يواجه صراعا يوميا متواصلا ومبارك، على موقفه السياسي. اليوم، محررو النشرات الاخبارية لا يشعرون بواجب اجراء توازن للناطقين باسم الحكومة طالما لا توجد معارضة حقيقية، ويحضرون، ان احضروا أصلا، يوسي سريد او زهافا غليئون على نحو هامشي. النتيجة هي اننا مكشوفون، وبصورة فعالة، فقط لرأي واحد ـ رأي الحكومة. هذا هو كل ما تغير: زمن البث على الشاشة، العادة. لذلك لم يضع أي شيء. الدعم الواسع لاخلاء المواقع الاستيطانية يثبت ان الجمهور الاسرائيلي ليس في جيب اليمين. ان القيادة المصممة على القتال تستطيع بعمل صحيح ودؤوب خاصة اذا حدث تغيير في الظروف السياسية، ان تعيد تكتل الوسط - اليسار الى اللعبة. بقلم: رامي ليفني عن «معاريف»