الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 حتى في أحلامه السوداوية، لم يفكر شارون بأن الامور ستنتهي على هذا النحو. انه يعرف ان هذا يجب ان يحدث وان حزب العمل سيخرج من الحكومة ذات يوم. ولكنه كان يؤمن بان الانسحاب، مثل الوحدة، سيكون بيده. كان سيختار انسحاباً اكثر دراماتيكية، وربما على خلفية دبابات تدخل الى مدن الضفة الغربية. ولكن عندما حدث هذا، قاد بنيامين بن اليعازر هذه الدبابات. اعتقد ان هذا سيكون على خلفية عزل واهانة عرفات، او بسبب هدم المقاطعة، ولكن عندما حصل ذلك كان شمعون بيريز يقف على رأس المفسرين لهذه الخطوة. اعتقد شارون دائما ان الانفصال عن حزب العمل سيمنحه مكاسب كبيرة. حيث سيصل الى الانتخابات الداخلية محمولا على اكتاف اليمين. من اجل ذلك كان بحاجة الى ازمة سياسية جيدة. عملية عسكرية، تحطم تماما الوحدة. اعتقد شارون انه سيكتشف اللحظة التي فيها يجب ان يبادر هو الى افتعال الازمة. ولكن توفرت كل اسباب الانفصال دون ان يحدث شيء. تمسك حزب العمل بأظافره بحكومة شارون، وذات صباح، وفي وقت غير مريح، وفي الوقت الذي تقترب الحرب مع العراق، ووضعه في الاستطلاعات متأرجح وجد شارون نفسه بدون بيريز وبن اليعازر، بدون مناخ عام مناسب، مبدئي، وانفصال قبيح تنبعث منه رائحة المصالح الشخصية التي على الرغم من محاولته الابتعاد عنها فان رائحتها ستعلق به. الامر الاخير الذي اراده شارون هو الانفصال عن حزب العمل على خلفية اقتصادية ولكن لعبثية القدر كان هو الذي اثار الازمة. لقد كان هو الذي اعلن قبل عدة اسابيع ان القراءة الاولى للميزانية ستكون في موعدها وليس بعد يوم واحد. وهو الذي حدد ان هذا اليوم هو يوم مبدئي، الاختبار الاعلى لقيادته. هذه ليست المرة الاولى التي لا يوجد فيها اغلبية للميزانية. وعندما لا تكون هناك أغلبية، يؤجلون التصويت لعدة ايام. لذلك عندما يتحدثون عن الخاسر الاكبر في كل قصة الانفصال القبيحة هذه، لا يقصدون بن اليعازر. فهو لم يكن لديه ما يخسره. بالعكس، في الوضع الذي وصل اليه، يستطيع فقط ان يربح. فان الانسحاب من الحكومة على خلفية قلقه على الفئات الضعيفة واصراره في قضية المستوطنات، قد يضيف له، في احسن الاحوال، نقاط استحقاق. شارون هو الخاسر الاكبر لانه يوجد له ما يخسره ولان التوقيت والسبب غير مناسبين له. مؤخراً دخل شارون مرتين الى مقصف الكنيست. في المرة الاولى مساء يوم الاثنين. قبل ذروة الازمة، وفي المرة الثانية يوم الاربعاء مساء، بعد الازمة. انه يعرف الحفاظ على هدوء اعصاب. في وقت الازمة تصبح حواسه اكثر حدة، ومعنوياته عالية. يكون مركزا، حاد اللسان، وحين يشعر بالخسارة يصبح نَفَسهُ قصيراً والسخرية تتحول الى مرارة. شارون يعرف انه كانت له خطة جيدة: عقد جلسة للمؤتمر وتغيير وجه مركز الليكود والتوجه الى التصويت على الميزانية واذا عارض حزب العمل يتوجه الى الرئيس. ولكن هناك مشكلة واحدة في هذه الخطة، بين التخطيط والتنفيذ تغيرت الاستطلاعات، واستطلاعات هذا الاسبوع منحت تفوقا طفيفا لنتانياهو. واذا كانت التقديرات انه خلال الازمة والانفصال عن حزب العمل سينعطف شارون يمينا ويستعد للانتخابات التمهيدية فان هذا الواقع لا يبدو جيدا. لم يكسب شارون أي شيء من هذا الانفصال، الذي لم يكن له أي قيمة اضافية. الرجل الذي قاد حكومته الكبيرة على نحو مثير، نهض من النوم مؤخراً بدون انجازه الكبير: حكومة الوحدة، وبدون اغلبيته الكبيرة في الكنيست، وفي الوقت الذي ينتعش فيه نتانياهو والحرب مع العراق لم تقع بعد، وفي الوقت الذي لا يوجد له خيار حقيقي بحكومة وحدة. شارون لم يقدر حجم الحرب التي يخوضها بن اليعازر امام رامون ومتسناع وهو لم يصدق ان بن اليعازر، الابن المدلل، الحليف، ليكود ب، سيفعل له ذلك. انه يستطيع ان يتلقى مثل هذه الضربة من حاييم رامون او عمرام متسناع، عندها يمكن ان يفسر ذلك كخلاف ايديولوجي غير قابل للجسر. ولكن شارون يعرف ان استطلاعات نهاية الاسبوع ستثبت ان الجمهور يعتقد ان دوافع بن اليعازر سياسية، ولكن مطالبه عادلة. وان دوافعه شخصية ولكن ادعاءاته صحيحة. شارون اليوم يختلف عما كان قبل يومين. انه مثل شخص يقف على كرسي ورأسه مربوط بحبل، وفجأة يقوم شخص ما بتحريك الكرسي. لقد خسر قاعدة برلمانية واسعة وخسر حلفاء كان بمقدوره المناورة معهم. من موقع القوة، موقع من يسعى نحو الاخرين تحول الى الشخص الذي يجب ان يسعى خلف الاشخاص، الذين قبل وقت قصير تجاهل وجودهم. مؤخراً، بدأ سعيه نحو ايفوت ليبرمان، وذلك بعد ان اعطى شارون حقيبة البنى التحتية لايفي ايتام وبذلك حطم «الوضع الراهن» مع ليبرمان واعلن الحرب. ليبرمان ليس خرقة. انه شخص مع صبر وطول نفس. انه لن يلتقط الاقتراح بدون فحص كل البدائل. انه لن يأخذ عصفورا باليد بل سينتظر عصفورين على الشجرة. سيقول انه لن يدخل الى حكومة شارون. من الجائز القول ان هذه مسألة ثمن. ولكن ماذا سيكون الثمن. ماذا سيعطي شارون لليبرمان؟ حقيبة الدفاع؟ ثمة حدود: من الاسهل لشارون ان يتنازل لبن اليعازر من ان يعطي ليبرمان حقيبة الدفاع. داخل الاتحاد الوطني يستطيع شارون ان يجد هنا وهناك اشخاص يريدون الدخول الى الحكومة. وثمة دافيد ليفي الذي يريد شارون احياءه واعادته على صورة جديدة - ربما منصب وزير الخارجية، كذروة جديدة لمن دخل وخرج ودخل وخرج من الحكومة في نفس الولاية. وسيحاول ان يجذب اليه ميماد ويدفع ثمنا باهظا لا يتناسب مع البضاعة التي يحصل عليها - خلال 24 ساعة سيتحول من شخص يفحص جيدا عناصر حكومته الى وضع يكون فيه كل زنديق ملكا. هذا بالضبط الوضع الذي يكرهه شارون. وهو ان يكون رهينة بيد احد ما. شارون يحظى الان بما يسمى بالكابوس الاكبر لرؤساء الحكوما: ان يرى مقعده يتأرجح. الان هو ينتظر سقوط صاروخ، ان يتطور شيء ما مع العراق، ان ينتصر بن اليعازر، بمعجزة، في حزب العمل ويعود الى الحكومة، ان يعود له الحظ. اذا لم يحدث ذلك، سيحاول كسب الوقت مع حكومة الاقلية، مثلما فعل باراك في اواخر ولايته. الحكومة التي ليس فيها اغلبية لتمرير أي شيء، ولكن يوجد أغلبية لاسقاطها. شارون يعتمد على الغريزة البسيطة جدا والاساسية لاعضاء الكنيست: غريزة البقاء. هؤلاء الاشخاص الذين يعرفون انه ليس لهم أي فرصة للفوز في الانتخابات القادمة، وسيبذلون قصارى جهدهم من اجل اطالة عمر ولاية الكنيست الحالية. مثل هذه الحكومة سيئة لشارون ولكنها ايضا سيئة لنتانياهو وسيئة لليكود. حكومة الاقلية المتثاقلة هي الحكومة التي في كل شهر تخسر عدة مقاعدة، وتعرض حجم معسكرها للخطر. من جهة ثانية اذا تنازل عنها فان الانتخابات التمهيدية امام نتانياهو ستكون على الابواب. شارون سيبادر الى انتخابات امام نتانياهو فقط اذا علم بوجود أغلبية للتصويت على اقتراح حجب الثقة. ولكنه لن يقرب نهايته بنفسه. انه لن يراهن على استمرار سلطته. يلوح امام شارون خطر غير محتمل اذا وصلت ولايته الان الى نهايتها، فانه سيبقى نصبا تذكاريا. الرجل الذي كانت سنتا ولايته من اسوأ سنوات تاريخ اسرائيل. ليس ثمة احد يتمنى هذه النهاية. ولا أحد مستعد لحث مثل هذه النهاية. من رأى بن اليعازر مؤخراً، بعد ان زارته مجموعة من ارباب الصناعة في مكتبه شعر بالتحقير والشفقة في الوقت نفسه. كان وزير الدفاع السابق، مضطربا. بدا كأنه انسان يغرق، يلقون عليه من كل اتجاه اطارات النجاة، ولكن ثمة ما هو اقوى منه يسحبه الى الاسفل، الى القاع. وبعد ذلك لم يكن وضعه افضل. لقد سمع في الراديو المحاميين رام كسفي ويعقوب نئمان، يشيران اليه بانه افشل الاتفاق. وثار غضبه. عندما وصل الى الكنيست والتقى مع وسائل الاعلام كان من الصعب ان تفهم منه ماذا يريد. لقد اتهم شارون بانه لا يريد التوصل الى اتفاق واتهم سلفان شالوم بانه افشل شارون. في تلك اللحظات كان من الواضح للعيان ان بن اليعازر يريد التوصل الى حل ولكن لا يعرف كيف. كان يبدو ان كل المجريات التي تجري حوله اكبر منه. انه رجل ميداني ممتاز لكنه يفهم السياسة التي تأتي من العاطفة وليس من الرأس. يبدو ان كل ما يحدث حوله اكبر منه. ويصعب عليه فهم التفاصيل ومجمل المصالح ووزن القوى العاملة. بن اليعازر لم يكسب من الانسحاب من الحكومة. لقد تمت هذه الخطوة متأخرة جدا. كان هذا خروج متقلب، متلعثم، بدون ثقة ومتردد. هذا ليس انسحابا يقلب الامور في حزب العمل رأسا على عقب. من الواضح في حزب العمل ان الانتخابات التمهيدية ستجري بين ثلاثة منافسين: الفرق بين متسناع ورامون ليس كافيا لجعل رامون يتنازل عن ترشيح نفسه ويتضح ايضا ان المعركة بين رامون وبن اليعازر ستكون حول ما ينتقل الى الجولة الثانية امام متسناع. مهمة رامون في الفترة القريبة المقبلة ستكون نقل المؤيدين من بن اليعازر اليه. سيبذل معسكره جهدا كبيرا من اجل اقناع رجال بن اليعازر انه اذا انتقل الى الجولة الثانية امام متسناع فانه سيخسر. لان الصراع الحقيقي هو بين رامون ومتسناع. ولما كان متسناع قد لقي تحفظا ومعارضة من جانب مركز الحزب فمن الافضل ان يعطي اعضاء الحزب اصواتهم لرامون في الجولة الاولى. وهذا من اجل ان يكون رامون هو الذي ينافس متسناع في الجولة الثانية مع وجود فرصة للانتصار اليه. في بداية الاسبوع كان رامون قلقا. حيث اخافه تصميم بن اليعازر بالانسحاب من الحكومة. كان يخشى ان يكسب بن اليعازر نقاطاً اكثر بين منتسبي الحزب. كلما مرت الايام، كلما هدأ روع رامون. لقد فهم ان انسحاب بن اليعازر من الحكومة لا يعتبر عملا بطوليا. حيث ان تقلبه واضطرابه والاحساس بانه يريد ولا يريد، او يريد ولا يستطيع كل ذلك غير من الموقف منه. بقلم: سيما كدمون عن «يديعوت احرونوت»