الثلاثاء 30 شعبان 1423 هـ الموافق 5 نوفمبر 2002 إذا كان هناك مركز مدني للحركة في القاعدة البحرية التي احتلتها الولايات المتحدة على امتداد 104 أعوام والواقعة على لسانين من الأرض القالحة ذات الشجيرات الخفيضة في الطرف الجنوبي الشرقي من كوبا، فإنه يتمثل في القسم المعروف محلياً بـ «وسط» البلد» وفي الجهة الواقعة في مهب الريح من الخليج، ويتألف «وسط البلد» هذا من «محل ماكدونالد الوحيد في كوبا» كما يوصف غالباً ومن مركز تجاري صغير يضم سوبرماركت ومطعماً للبيتزا وماكينة صراف آلي ومحل أشرطة فيديو يعرض تشكيلة يجري تحديثها بانتظام من قمصان التي شيرت تثير دعابة ساخرة على «غيتمو» وهو الاسم الذي تعرف به القاعدة في الاحداث المتبادلة بين جنود البحرية. تعلن اللافتة الموجود على القاعدة انها «أقل الاماكن سوءًا» مكررة خطأ تلعثم به دونالد رامسفيلد في ديسمبر الماضي، كان وزير الدفاع الاميركي في محاولته محاكاة تشرشل حول الديمقراطية يشرح كيف تم اختيار غوانتانامو لكي تكون مستودعاً لمقاتلي طالبان السابقين وارهابيي القاعدة المفترضين الذين اعتقلوا في أفغانستان وساحات أخرى للحرب العالمية على الارهاب». ان المفارقة ترتبط بكل وصف للحياة في هذه القاعدة المعزولة ولكنها لا ترتبط أبداً بـ «الحرب» أو «المهمة» كما انها لا تطرح بفعل رمز مألوف يقبع على سارية علم قريباً من «وسط البلد». والمقصود هنا الراية السوداء التي تحيي ذكرى اسرى الحرب والمفقودين الذين ضاعت آثارهم في فيتنام منذ أكثر من ثلاثة عقود وبخاصة أولئك الذين ربما تم احتجازهم في اطار أسر دائم حتى بعد ان أكدت الحكومة الاميركية على نحو غادر بحسب انصار هذا الاعتقاد العنيدين، ان جميع المحتجزين قد تمت اعادتهم وهذه الراية السوداء التي تعتبر شيئاً مألوفاً في القواعد العسكرية، وفي انحاء أميركا تحدث صدمة صغيرة في أقل الاماكن سوءاً، فهي بمثابة وسيلة تذكير بأن الولايات المتحدة كانت في يوم من الايام من الأنصار الأوائل لمعاهدة جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، ومع نهاية الحرب كان هناك 50 ألف أسير حرب ومقاتل تابع للفيكتونغ بالاضافة إلى الجنود الفيتناميين الشماليين النظاميين في معسكرات احتجاز فيتنامية جنوبية، وتتم زيارتهم بشكل منتظم من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقد تصلبت هانوي في موقفها بشأنهم. وعلى النقيض من ذلك فإنه لا يوجد في المحطة البحرية للولايات المتحدة في خليج غوانتانامو أسير حرب واحد مصادق على وضعيته في أوساط محتجزي طالبان والقاعدة البالغ عددهم 598 أسيراً والاجراءات التي نصت عليها المعاهدة قد جرى تخطيها بأمر من الرئيس الاميركي الذي قرر في بداية العام ان تلك الاجراءات لا تنطبق على هذه الحالة وانه لا أحد من المحتجزين يقتضي وضعه ان يعامل معاملة أسرى الحرب وفقاً لبنود المعاهدة وبالتالي فإنه لا حاجة لتقرير وضعهم بصورة فردية قبل ان يتم اجراء المحاكمات التي تقتضيها والتي تفرضها أيضاً القوانين العسكرية الاميركية وبخلاف ذلك، فقد أعلن الرئيس الاميركي في السابع من فبراير الماضي ان أسرى طالبان ستتم معاملتهم بصورة انسانية بما يتوافق مع معاهدة جنيف». وأحسن الرئيس بامتناعه عن القول ان المعاملة كانت أفضل مما يستحق أسرى طالبان واخوتهم في القاعدة واننا مستعدون لاحتجاز عدد كبير منهم في غوانتانامو إلى اليوم البعيد. هذا ان جاء ذلك اليوم عندما يتم تدمير جميع الشبكات الارهابية على النطاق العالمي، ولكن ذلك يبدو بشكل أساسي موقف الادارة الاميركية وان ما لا يمكن التعبير عنه بكلمات كثيرة يصبح واضحاً بشكل متزايد مع بلوغنا الشهر العاشر منذ وصول أوائل المحتجزين في يناير الماضي إلى غوانتانامو مقيدين بالاغلال وفي آذانهم سدادات، وعلى أعينهم نظارات معتمة ذلك هو نظام الاحتجاز الوقائي الذي أرسي في كوبا على الجانب الاميركي من السياج، ولكن السؤال هنا هو: لماذا وقع الخيار على كوبا؟ لقد مالت محكمتان اقليميتان فيدراليتان لدى استبعادهما لآراء جماعات الحريات المدنية وحقوق الانسان حول مشروعية العملية، مالتا إلى رأي وزارة العدل الاميركية القائل انها أرض أجنبية، وبالتالي فهي تقع خارج نطاق التشريع الخاص بـ «أي محكمة اميركية» كما أوضح محامو الادارة الاميركية في معرض ردهم الرسمي على عريضة بالمثول أمام المحكمة في المحكمة المحلية الاميركية لمقاطعة كولومبيا. ومن حيث القانون الدولي فإن الموقف الاميركي يمكن ان يوصف بأنه انتقائي أو متوازن، مخادع أو دقيق، ويمكن ان يوصف أيضاً بأنه لا مبال، من حيث انه ربما كان من غير الضروري بالنسبة للولايات المتحدة ان تتصرف وكأنها تختلق قانوناً دولياً أثناء مضيها فيما تقوم به، ويعتقد بعض الخبراء في القانون العسكري ـ ومن بينهم من لا يزال في الجيش ـ انه كان بالامكان تقديم حجة قانونية لتطبيق نظام احتجاز لا يختلف كثيراً عن النظام الذي جرى تطبيقه في غوانتانامو ولكن بمفهوم الفن العملي لادارة شئون الدولة والحكم السياسي، فإن الموقف الاميركي يضم أساسه المنطقي وحساباته الخاصة، غير ان هذه الحسابات يمكن تجميعها على أساس الكلام الذي يصدر على انفراد من قبل مسئولين عديدين ولأن هذه الادارة حساسة للتفسيرات فإن ذلك لا يستتبع بالضرورة ان تمر الأمور بدون جدل من جانبها أو ان تكون الحجج التي تختار عدم تقديمها لكي تتجنب الردود في المحاكم أو الصحف، خالية من الحكمة، واعتقد ان موقفها في القضية يسير على هذا النحو: ان «الجهاديين» يختلفون عن المحاربين الآخرين، من حيث ان نضالهم لا ينتهي، كما هو واضح، باعلان الهدنة أو الاستسلام على مستوى عال، والهدف الرئيسي لأي نظام احتجاز في هذه الظروف يتعين ان يكون جمع المعلومات الاستخبارية حول الشبكة وأهدافها والتي يمكن ان تساهم في منع وقوع هجمات مستقبلية، والوقاية هي أهم من محاكمة أفراد على أعمال سابقة اقترفوها وإذا كنت تنظر إلى المستقبل، فإن من الصعب القول من المهم بين المحتجزين ـ بمعنى من هو الخطير ـ ومن ليس كذلك. وإذا كانت العمليات المستقبلية هي مصدر القلق الرئيسي، فسيكون من التهور اطلاق سراح أشخاص أظهروا أنهم موالون لحركات دعمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة المهاجمين الانتحاريين في 11 سبتمبر. ان أياً من هذه الآراء لا يعتبر قانونياً، وحيث ان هناك ندرة في المعلومات الموثوقة حول ما حدث حقيقة داخل الاسيجة الأمنية وغرف الاستجواب في غوانتانامو خلال الشهور العشرة الأخيرة، فإن أياً منها لا يمكن تقويمه في ضوء نتائج معروفة، ولكن المنطق الأساسي الذي أعزوه إلى الادارة في تشويق مؤقت لجحود صحافي، يترك سؤالا معلقاً فيما يخص حقيقة ما إذا كانت صرامة نظام الاحتجاز هي نتاج أي شيء غير المخاوف الامنية المشروعة المثارة بفعل خليط سريع الغضب من النزلاء الخطرين. وإذا كانت الأولوية الطاغية هي جمع المعلومات الاستخبارية، كما يبدو بشكل واضح، فإنه لا يعتبر قفزة كبيرة الاستنتاج بأن العملية محسوبة كذلك، لجعل المحتجزين أقل مقاومة لعمليات الاستجواب الجارية عن طريق اضعاف معنوياتهم، وقال أحد الضباط خلال زيارتي للقاعدة: «إذا وضعناهم في سجن والدورف استوريا، فلا اعتقد اننا سنتمكن من حملهم على الكلام، وهل يمكن ان يكون ذلك شكلاً من أشكال العقاب لأشخاص ستوجه لهم تهم بارتكاب الجرائم؟ الجواب يبدو واضحاً بدرجة كافية، فلم يكن الاستجواب من قبل عملاء الاستخبارات العسكرية والـ اف بي آي والسي آي ايه من بين جهات أخرى، قد بدأ هنا عندما أعرب الرئيس بوش عن استنتاجه الشامل بأن محتجزي غوانتانامو هم «قتلة» ومن جانبه قال وزير الدفاع الاميركي رامسفيلد انهم «ارهابيون متشددون ومدربون جيداً»، وقال المدعي العام الاميركي جون اشكروفت انهم: «خطرون بشكل فريد». وفي وقت لاحق بدأ مسئولون اميركيون آخرون يفسحون المجال أمام امكانية ان تكون هذه الاستنتاجات المعممة في نهاية المطاف غير قابلة للتطبيق على الحالات كافة. وبحلول مارس الماضي، كان بول وولفويتز يخبر جيم ليرر بأن: «بعضاً منهم قد يتبين انهم غير مؤذين اطلاقاً». واثار دوغلاس فيث، مساعد وزير الدفاع، الاحتمال النظري بأن بعضاً منهم قد لا يشكلون تهديداً لاميركا على الاطلاق، فما الذي تعلموه في هذه الاثناء وادى الى افراز هذا القدر القليل من الشك؟ مازلنا لا نعرف، ولكن بعض المؤشرات المتعلقة بالديموغرافيات الاساسية للنزلاء بدأت تتكشف، مثل ظلال على جدار من الصمت، مما يجعل من الممكن استنتاج بعض الاحتمالات، فقد سمح لمسئولين اجانب بالزيارة، وفي بعض الحالات، باستجواب مواطنيهم الموجودين في المعسكر، والايماءة التي تلفظ بها الرئيس بوش نحو معاهدة جنيف في فبراير الماضي تبين انها اكثر من لفتة تجميلية: فاللجنة الدولية للصليب الاحمر لم تكتف بزيارة المعسكر الذي يحتجز فيه الاسرى، وانما ابقت على وجود دائم هناك مع حرية دخول منتظمة الى السجناء، الذين استفاد معظمهم من الفرصة السانحة بتبادل الرسائل مع اسرهم من خلال مكتب الصليب الاحمر في جنيف، الذي يبدي استعداده ايضا لنقل رسائل شفوية. يخضع البريد للرقابة والزوار حذرون للغاية ـ وبخاصة الصليب الاحمر، الذين يحرص مندوبوه على عدم القضاء على امكانية دخولهم الى المكان ـ ولكن المعلومات يتم تداولها سراً وتبرز صورة واضحة لما يجري. وحتى الآن اصبحت اسماء أكثر من اربعين شخصاً من اصل 598 معروفة للكافة على الرغم من السرية الاستحواذية التي تميز العملية برمتها. ومن المفهوم الآن من قبل اولئك الذين يحاولون ان يظلوا متابعين لما يجري في غوانتانامو ان من بين الاربع وثلاثين دولة أو الثلاث وأربعين دولة التي ينحدر منها المحتجزين ـ التقديرات المختلفة يمكن تفسيرها من خلال ازدواج الجنسية في بعض الحالات ـ فإن الغالبية العظمى هي من اصل عربي، وأن من بين هؤلاء، يشكل السعوديون المجموعة الاكبر في المعسكر، تماما كما كان الامر بالنسبة للخاطفين في 11 سبتمبر. ربع نزلاء المعسكر ـ 150 شخصاً ـ هم سعوديون، وذلك بحسب محام يمني يقوم بجمع توكيلات لكي يمثلهم، وهناك خمسة وثمانون اسيراً من اليمن، ولو كان هناك عراقيون بين المحتجزين، لكانت تلك المعلومة قد شقت طريقها على الارجح الى النقاشات الدائرة حالياً، ولكن الحقائق المؤسفة التي تشير الى السعودية واليمن المجاور لها تم تأكيدها من مصدر وثيق. ومن المفهوم ايضا لدى من يحاولون متابعة ما يجري عن كثب، أنه لا يوجد من غير الافغان من يصنف على انه من طالبان، وانه يوجد اقل من مئة افغاني في المعسكر، وان الباقين يفترض انهم من تنظيم القاعدة، وان اكثر من نصف المحتجزين جرى تسليمهم للاميركيين من قبل الباكستانيين، مما يوحي بأن بعضهم على الاقل، ربما لم يدخل افغانستان قط، وان بعضهم تقل اعمارهم عن عشرين عاما ـ ويقال ان احدهم كان يبلغ 15 عاماً لدى اعتقاله ـ وان معظم المحتجزين هم في اوائل العشرينيات من عمرهم. ومن بين هؤلاء يبدو ان هناك ثلة قد غادروا منازلهم بعد 11 سبتمبر استجابة لنداء من المساجد المحلية في بلادهم للدفاع عن دولة اسلامية مهددة بالخطر، وكان ذلك كافيا لهم لكي يستجيبوا للنداء، ولكن ما مدى التدريب الذي حصلوا عليه وما مقدار العمليات التي تمكنوا من مشاهدتها قبل ان يتم اعتقالهم هذه مسألة تظل مسألة موضع شك، وبات من الواضح ايضا او على الاقل مفترضا على نطاق واسع في اوساط اولئك الذين يحاولون ان يظلوا على اطلاع، ان المسئولين الاميركيين الذين يقومون بغربلة المحتجزين في افغانستان لديهم قبضة مهتزة ـ بسبب الحواجز اللغوية والحرص على عدم ترك اي شخص مهم يفلت من بين ايديهم ـ على الهويات الحقيقية للسجناء الذين تم تسليمهم اليهم، في بعض الحالات، من اجل المال مع تأكيدات بأنهم خطرون حقا أو «مهمين» من وجهة نظر استخبارية، تماماً مثلما يتبين ان اي سجادة قد تلفت انتباهك في افغانستان هي تحفة نادرة بحق. واذا كانت هذه الظنون تتوافق بدرجة ما مع الحقيقة، فإنه يتعين ان يكون لدى مسئولي الاستخبارات بعد شهور من الاستجواب فكرة أكثر واقعية حول عدد الاسماك الصغيرة، والاسماك الكبيرة، ان وجدت التي استطاعوا اصطيادها في شبكتهم، ولكن اية استنتاجات ربما استطاعوا استخلاصها حول محتجزين بعينهم ـ مدى خطورتهم ومدى اهليتهم للمثول بتهم موجهة اليهم امام اللجان العسكرية أو المحاكم العسكرية التي تعتبر موضع جدال ولم يعتن بعد ـ لايزال يتعين ان تحقق اية نتائج، وببساطة، فإن التحضيرات للسيرك القانوني المتوقع منذ قرابة العام، وبالذات منذ ان اصدر البيت الابيض امر الرئيس بوش باعادة ابتكار نظام العدالة العسكرية من اجل «الحرب على الارهاب» لا وجود لها في غوانتانامو. وفي الوقت الذي صدر الامر كان البيت الابيض يستعد للاعتقال الوشيك لاسامة بن لادن وقادة القاعدة الآخرين، غير انه في ظل عدم معرفة مصير القادة الكبار، فقد يبدو الامر اقل الحاحاً بأن يتم تشكيل اللجان، فلم يتم تعيين اي محامين أو قضاة ولا تجري أي اعمال تجديد في المبنى القديم للمحكمة العسكرية حيث ستعقد المحاكمات كما يفترض، ولم يتم توجيه اتهام لأي أسير. ومن المفترض ان اي تحضيرات قانونية جارية يمكن ان تجدها في جعبة البنتاغون تنتظر ان تزرع هنا. وحتى الآن، فإن العدالة العسكرية لا تبدو انها تشكل أولوية لغوانتانامو. وفي نهاية الامر، فإن ادارة العدل تبدو متخلفة في نظرتها، فهي مهتمة بما جرى أكثر من اهتمامها بما قد يحدث، وبالتالي، فإنها لا تشكل القضية الاكثر الحاحاً بنظر المخططين الامنيين. بل انه من الممكن، وربما من المرجح ان يكون الاشخاص الاوائل الذين ستوجه لهم التهم مازالوا في مكان آخر، والولايات المتحدة ليس لديها الآن سوى زعيمين مهمين من قادة القاعدة رهن الاعتقال، وهما أبو زبيدة ورمزي بن الشيبة، اللذان اعتقلا في باكستان، وتعتبر حقيقة استجوابهما في مواقع اخرى، غير مكشوفة حتى الآن، مؤشراً آخر على ان وظيفة معسكر خليج غوانتانامو الرئيسية قد تكون معسكراً للاحتجاز، يتم فيه احتجاز الغالبية العظمى من النزلاء بدون محاكمة حتى المستقبل المنظور. وإذا ما صح هذا الاعتقاد، فان ذلك يستلزم ان لا يكون للجدل الدائر حول اللجان العسكرية المتصورة تأثيراً من أي نوع على مصير معظم المحتجزين. معسكر الاحتجاز ذاك له اسم، وهو يدعى «كامب دلتا» ويقبع في الزاوية الجنوبية الشرقية من قاعدة غوانتانامو وعلى جرف منخفض فوق البحر الكاريبي وشاطيء كان يعرف في الأيام الخوالى باسم «شاطيء كيتري» وعلى الطريق إلى الشاطئ، يمر المرء بواحد من المعالم الساحرة القليلة في قاعدة غوانتانامو، وهو عبارة عن اشارة عبور صفراء تتخذ شكل المعين وعليها صورة لغطاءة الايجوانا. والشاطيء مزروع الآن بمجسات الكترونية ويحرسه بانتظام قوات من الجيش وخفر السواحل تحسباً من محاولة انقاذ بحرية يقوم بها مهاجمون انتحاريون من تنظيم القاعدة. وعلى طرف اليابسة من المجمع، تربض العربة المقطورة الصغيرة التي يستخدمها الممثلون التسعة للجنة الدولية للصليب الأحمر ـ تسع لغات يتم التحدث بها بينهم ـ خارج محيط المعسكر. أما الصحافيون الزائرون، فيتم نقلهم إلى جانب المعسكر الذي يواجه البحر، حيث يطلب منهم الالتزام «بنقطة مراقبة لوسائل الاعلام معزولة بلفات من الاسلاك الشائكة وتقع على بعد مئتي ياردة عن اقرب صف للزنازين. وفي النهار يرى الزائر التوهج الصادر عن السطوح المعدنية لصفوف الزنازين وكذلك مواقع الحراسة والخطوط الموازية للاسيجة العالية التي تحيط بالمجمع كله، ويعلوها ويعزلها لفات من الأسلاك المشفرة وهي مغطاة بستائر من البلاستيك الاخضر لاحباط عمليات جمع المعلومات الاستخبارية من قبل الشبكة الارهابية. وفي الليل، يغرق المكان في الداخل والخارج بضوء أبيض يصدر عن مصابيح الهالوجين المثبتة على اعمدة عالية، واحياناً يكون بالامكان تكوين ظلال مترجرجة خلف نوافذ الزنازين. وهذه النوافذ مغطاة بشبك فولاذي، وليس بالزجاج، مما يسمح بنفاذ نسيم البحر الى الزنازين، التي يمكن ان يتم تبريدها أيضاً بواسطة المراوح المثبتة في السقف ـ عندما يتحرك الحراس بدافع انزعاجهم، ان لم يكن بدافع انزعاج، المحتجزين، لتشغيلها. ويقال للصحافيين ان الظلال المترجرجة قد تكون لإرهابيين حقيقيين من تنظيم القاعدة. وهذه هي اقرب نقطة يصلها الصحفيون هذه الايام. ويقول المرافقون العسكريون ان هناك بنداً من بنود معاهدة جنيف الثالثة تفسره الولايات المتحدة بصورة صارمة وينص على تثبيط العرض العام للأسرى وهذا بحسب رأيهم، يأتي انطلاقاً من الاحترام «لخصوصيتهم»! ومع ذلك فان مشهد الفسق في «معسكر دلتا» يوضح نظام الاحتجاز المزدحم الذي عاش في ظله المحتجزون منذ نهاية ابريل الماضي عندما تم نقلهم من مجموعة اقفاص تدعى معسكر «اشعة اكس» الذي يبعد عدة اميال من هنا. وهناك كانوا محتجزين في مكان يقع مباشرة في مرمى بصر الصحافيين، الذين سمح لهم في مناسبة واحدة فقط ان يقتربوا بما فيه الكفاية لكي ينتزعوا صيحات من الاحتجاج والادعاء بالبراءة من جانب المحتجزين. بقلم: جوزيف ليليفيلد _ ترجمة : ضرار عمير _ عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»