الاثنين 29 شعبان 1423 هـ الموافق 4 نوفمبر 2002 يعد هذا الكتاب من أفضل الكتب التي انتجتها المطابع في العالم كله منذ فترة ليست بالقصيرة، وذلك لأن كلاً منا يمكن ان يرى نفسه في صقال مرآة هذا الكتاب المهم، حيث انه يحكي قصة كل الذين يعملون في صمت، وينصرفون إلى عملهم، ويبدعون فيه من دون ان يشعر بهم احد. وبقدر ما يزداد عدد هؤلاء المبدعين الصامتين الذي يفوق الملايين الآن على امتداد العالم، بقدر النسيان الذي هم غارقون فيه، نسيان انفسهم ونسيان المجتمع لهم. هل سمعت، مثلاً، عن فنان او كاتب او مؤلف عبقري يقف في الشارع أو أمام شاشة التلفزيون ويقول: أنا مبدع؟ هل سمعت عن حزب اسمه «حزب المبدعين الأحرار»؟ أو «حزب المبدعين الاشتراكي التقدمي الحر»؟ في الغالب هذا لم يحدث، لأنه لا وجود لمثل هذا الحزب، لان من يبدع يعمل دائماً في صمت. ويدق المؤلف والكتاب معاً ناقوس الخطر، حيث يؤكدان ان هذا الحزب الذي يقدر في الولايات المتحدة وحدها بنحو 38 مليون شخص في حاجة إلى ان يشعروا بأنفسهم حتى يشعر بهم الآخرون. وحتى يشعر هؤلاء المبدعون بأنفسهم عليهم ان يخترعوا، او يبتكروا، او يبدعوا صيغة ما تجمع بينهم وتؤلف بين قلوبهم، فهم مؤهلون لذلك تماماً، وكل الشروط اللازمة لاقامة حزب ما ينطبق عليهم، وكل القوانين المطلوبة لانشاء مؤسسة عتيدة تنطبق عليهم، وكل القواعد والاعراف الموجودة في اعرق الجامعات توجد عندهم. لم يبق سوى تأصيل تلك القوانين والاعراف التي تجمع بينهم حتى يخرجوا عن صمتهم ويشعروا بذاتهم ليشعر بهم الآخرون. ليست هذه الغازاً أو ما شابه ذلك، وانما نحن بصدد كتاب مهم يساير العصر الذي نعيش فيه، ويعدد مزايا اقتصاد المعلومات ويشدد على أهمية المعرفة ويحدد الرباط السري الذي يربط بين ملايين المبدعين الصامتين في جميع انحاء العالم. وهذا الكتاب يؤكد ان الابداع الانساني هو جوهر المجتمع والعالم، بل والحياة بأسرها، ويصور القيم والمباديء بل وتفاصيل الحياة اليومية التي ستقود اقتصاد القرن الحادي والعشرين وهياكله التقنية والاجتماعية. يؤكد المؤلف ريتشارد فلوريدا ان النجاح مستقبلاً لم تعد اسبابه تقنية او ادارية او حكومية، وانما أسباب النجاح تكمن في الانسان نفسه وفاعليته وانماط علاقاته مع الآخرين. ويؤكد أيضاً ان الابداع هو القوة المحركة للاقتصاد والسياسة وكل انماط الحياة في عالم اليوم. وهو يسوق دليلاً على ذلك هو انه في السنوات والعقود بل والقرون السابقة كان الناس ما بين مبدعين وموظفين وغير ذلك يذهبون إلى حيث توجد المصانع والشركات وانماط العمل الاخرى، اما اليوم وفي القرن الحادي والعشرين فان كبرى الشركات تنقل نشاطها إلى مدن وبلاد يكثر فيها المبدعون، الذين هم اثمن وأغلى من أي معطى آخر. يقع هذا الكتاب المبدع في 404 صفحات، وينقسم إلى أربعة فصول يتناول الجزء الأول عصر الابداع، ويتناول الفصل الثاني العمل المبدع ويتناول الفصل الثالث الحياة والترفيه عند المبدعين، وأخيراً يتناول الفصل الرابع المجتمع باعتباره قوة للمكان وللابداع. طبقة اجتماعية جديدة يصف الكتاب ظهور طبقة اجتماعية جديدة، وسواء كنت عالماً او مهندساً أو كاتباً أو موسيقياً أو فناناً، واذا كنت تستخدم ابداعك كعنصر أساسي في العمل أو التعليم أو الرعاية الصحية أو القانون او اي مهنة اخرى فانك عضو في هذه الطبقة، التي يبلغ قوامها 38 مليون نسمة، تمثل اكثر من 30% من القوى العاملة في الولايات المتحدة ولقد تكونت هذه الطبقة بالفعل وسوف تستمر في اجراء تحولات مهمة في طرق العمل وفي قيمنا ورغباتنا، بل وفي كل ما نفعله في حياتنا اليومية. وفيما يتعلق بالطبقات الأخرى، فإن القاعدة التعريفية لهذه الطبقة الجديدة تعد اقتصادية بالدرجة الأولى، ومثلما استمدت الارستقراطية الاقطاعية قوتها وكيانها من سيطرتها المتوارثة على الارض والبشر، استمدت البرجوازية أيضاً قوتها وهيمنتها من قوة اعضائها، المتمثلة في تقديم الابداع، ولأن الابداع هو القوة المحركة للنمو الاقتصادي، بمعنى ان تأثير الطبقة المبدعة هو الذي جعلها الطبقة المسيطرة في المجتمع. وعن طريق فهم كيفية ظهور هذه الطبقة الجديدة والقيم الخاصة بها، نستطيع ان نفهم التغيرات السائدة والمفككة في المجتمع الأميركي، وبالتالي البدء في تشكيل ملامح ذلك المجتمع بطريقة أفضل. ويقول المؤلف ان هذا الكتاب مثل معظم الكتب، لم يظهر إلى النور مكتمل النمو، لكن افكاره انطلقت تدريجياً من الاشياء التي رآها بعينه، وسمعها بأذنه والتي بدت متعارضة ومتناحرة مع الحكمة التقليدية. ويضيف المؤلف انه من خلال تطرقه إلى تطور الاقتصاد الاقليمي حاول ان يحدد العوامل التي تجعل بعض المدن والمناطق تنمو وتزدهر، في حين ان مدنا ومناطق اخرى تظل غارقة في التخلف. تفيد حكمة قديمة في هذا الصدد ان مفتاح النمو الاقتصادي هو جذب الشركات والحفاظ عليها، وكلما كانت الشركة كبيرة وضخمة، كان ذلك أفضل لأن شركات توجد الوظائف، والناس تذهب إلى حيث توجد الوظائف. وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات حاولت مدن أميركية كثيرة ومدن منتشرة في معظم انحاء العالم ان تتحول إلى «مدن سيلكونية» ـ ان جاز التعبير ـ عن طريق انشاء مجمعات للتقنية المتقدمة أو الشروع في انشاء مشروعات ذات تمويل ضخم. وكانت خطة الحركة في هذا الأمر تتمثل في تغذية أو تمويل شركات التقنية المتطورة او على الاقل اغرائها بترك مدن اخرى والقدوم إلى هذه المدن لتواصل مشروعاتها، لكن سرعان ما ثبت فشل هذه الخطة. ويقول المؤلف: لقد رأيت ذلك بنفسي في منتصف التسعينيات مع شركة ليكوس للتقنية التي بدأت عملها في بتسبرة لكنها بعد ذلك نقلت نشاطها إلى ولاية بوسطن، لكي تستفيد من توفر المديرين الماهرين والعمالة التقنية الماهرة ورجال الأعمال. وتكررت تلك الهجرة عدة مرات، هجرة التقنيات والشركات، وحتى رؤوس الأموال من مدينة إلى أخرى، تتمتع بوجود ذخيرة كبيرة من الاشخاص المبدعين والموهوبين. وبناء على ذلك فانه بدلاً من ان يذهب الناس إلى حيث تكون الوظائف، انتقلت الشركات او انشئت في أماكن توجد بها نسبة كبيرة من المبدعين والموهوبين والعمال الماهرين. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا حدث ذلك؟ يقول المؤلف ان هذا السؤال كان الجوهر الحقيقي لتأليف هذا الكتاب عن الطبقة المبدعة. والغريب في الأمر ان أعضاء هذه الطبقة لا ينظرون الى انفسهم كطبقة بل كمجرد مجموعة متماسكة لها اهتمامات وسمات مشتركة. كان ظهور الطبقات في العصور القديمة التي ساهمت في اجراء تحولات مهمة قد أدى إلى ايجاد آليات اجتماعية جديدة ادت بالتالي إلى ظهور مجتماعتها الخاصة، لكن ذلك لم ينطبق على الطبقة المبدعة. ويصف المؤلف هذه الطبقة الجديدة بـ «الطبقة المحيرة» أو الطبقة ذات الموقف المحير. فنحن ـ كما يقول المؤلف ـ نجد انفسنا حيال طبقة سائدة، مسيطرة، ومتحكمة في الولايات المتحدة يحتل اعضاؤها مراكز قوة في الصناعة ووسائل الإعلام والحكومة ومختلف الفنون والثقافة الشعبية ولكنها على الرغم من كل ذلك لا تعبأ بوجودها، وبالتالي فهي عاجزة عن التأثير بوعي في مجرى المجتمع الذي تقوده وتهيمن عليه بشكل كبير. الطبقة المبدعة لديها القوة والابداع والأرقام التي تخول لها القيام بدور كبير في اعادة تشكيل عالمنا، وأعضاء هذه الطبقة المبدعة ـ التي هي في الواقع كل المجتمع ـ لديها الآن فرصة لتحويل افكارها والبحث عن ذاتها إلى طاقة حقيقية تساهم في تحويل وتجديد اوسع واشمل للمجتمع. ويذكر لنا التاريخ ان التغير الاجتماعي لم يحدث خلال اوقات الطفرات الاقتصادية، مثلما حدث في العشرينيات والتسعينيات، ولكن حدث في أوقات الأزمات والمحن، مثلما حدث في الثلاثينيات وعلى نحو ما يحدث الآن. والمهمة الملقاة على عاتقنا هي ايجاد اشكال جديدة من التماسك الاجتماعي تتناسب مع العصر الابداعي الجديد، فالاشكال القديمة لم تعد تجدي او تنفع لانها لم تعد تناسب الاشخاص الذين يعيشون في عالم اليوم، وايجاد تلك الاشكال الجديدة يعد بداية الطريق نحو ايجاد رؤية جماعية لمستقبل زاهر أفضل للجميع. ومن المحقق ان قول ذلك امر سهل بالمقارنة بتنفيذه، فالتوصل إلى تماسك اجتماعي حقيقي يتطلب من الطبقات الاخرى تحسناً ملحوظاً في حياتها اليومية وذلك اما بأن يكون جزءاً من الاقتصاد المبدع او الاقتصاد الخلاق او على الأقل ان تحصد جزءاً من نتاجه. واذا لم تلزم الطبقة المبدعة نفسها بهذه الجهود فان الناتج الاقتصادي والاجتماعي المتزايد سوف يسير من سييء إلى اسوأ والخوف من ان نجد انفسنا نحيا حياة قاسية. لقد آن الأوان لأن تنمو الطبقة المبدعة وتتحمل المسئولية، ولكن قبل ذلك يجب ان نعرف ـ كما يقول المؤلف ـ من نحن؟ تحولات مذهلة يرى المؤلف ان التحولات في الحياة اليومية يمكن ان نلخصها في هذا المثل او التجربة الحية، خذ رجل شارع من عام 1900 وانتقل به إلى الخمسينيات من القرن الماضي ثم خذ شخصاً من الخمسينيات واحضره على طريقة اوستين باورز إلى يومنا هذا فمن منهما سوف يتعرض لتحول اكبر في حياته؟ الاجابة تبدو سهلة للوهلة الاولى فالشخص الذي جاء إلى الخمسينيات من القرن الماضي سوف يتعرض لتحول كبير نتيجة للعجائب التقنية التي سيشاهدها.فبعد ان كان هذا الشخص يرى في الشوارع العربات التي تجرها الخيول اصبح يرى الشوارع مكتظة بالسيارات والشاحنات والباصات، وسوف يرى في المدن الابراج وناطحات السحاب والجسور الضخمة العملاقة تغطي الانهار.اما عن الطائرات التي تحلق فوق الرؤوس فحدث ولا حرج، فهي تحمل مئات الاشخاص، وتعبر بهم من قارة إلى أخرى ومن محيط إلى آخر خلال ساعات وليس أيام. الرحلة من عام 1900 الى 1950 سيشاهد المسافر عبرها مناخاً جديداً وغريباً مليئاً بالأجهزة التي تعمل بالكهرباء، مثل أجهزة الراديو والتلفزيون التي تصدر اصواتاً موسيقية، بل وتعرض صوراً شخصية إلى جانب البرادات وكذلك الغسالات التي تقوم بتنظيف ملابسه بطريقة أوتوماتيكية وغير ذلك كثير.واذا قام هذا الرجل بزيارة أحد محال السوبر ماركت، فهو بذلك يستغنى عن عدة رحلات يومية كان يقوم بها الى السوق، حيث يستطيع ان يشتري مثلاً خضروات مجمدة يضعها في ثلاجته، كما ان كثيراً من الامراض يمكن تجنب الاصابة بها عن طريق حقنة أو قرص دواء. باختصار فإن الرجل الذي جاء من عام 1900 وعاش في الخمسينيات من القرن العشرين سيجد هذا العالم قريباً من عالمه بشكل أو بآخر فسوف يجد أقسام العمل نفسها والنظام الوظيفي عينه وسوف يأتي إلى العمل في الثامنة أو التاسعة صباحاً وحتى الخامسة، وينقسم يومه بين البيت والعمل، ويمكن ان يرتدي بدلة وربطة عنق ومعظم زملاء العمل سيكونون من الرجال ذوي البشرة البيضاء ونادراً ما يجد تغييراً في القيم او سياسات العمل، ونادراً ما سيجد امرأة تعمل إلا في وظيفة سكرتيرة، ويمكن لهذا الرجل ان يتزوج وهو صغير السن، وينجب اطفالاً وهو في مقتبل العمر ويظل مزوجاً من المرأة نفسها ويعمل في العمل الذي التحق به ذاته بقية حياته. وفي يوم الاجازة يشاهد التلفزيون أو يذهب إلى السينما، اما الانشطة الترفيهية فهي نفسها التي كانت عام 1900 حيث يمكنه ان يشارك في مباراة لكرة السلة أو الملاكمة أو يمارس لعبة الجولف، وسوف يعيش حياة رجل الشركة، بمعنى ان يكون ملتزماً بقواعد عمل الشركة التي يعمل بها ويكرس لها حياته. أما الرجل الثاني الذي جاء من الخمسينيات الى يومنا هذا فسوف تثير اعصابه التغيرات التي سوف يشاهدها، فسوف يرى ملابس جديدة وقواعد وقوانين مختلفة، ففي العمل سوف يرى العمال وهم يرتدون الملابس المتحررة، وكأنهم في العطلة الاسبوعية، حيث يرتدون البنطلونات الجينز والقمصان المفتوحة عند الرقبة، وسوف تصيبه الصدمة عندما يعلم ان هؤلاء الناس الذين يرتدون تلك الملابس يحتلون وظائف عليا، ذات سلطات واسعة.والموظفون في العمل بامكانهم الذهاب والمجيء على نحو ما يريدون، كما سيجد ان المرأة تحتل منصب المدير. أما في الشارع فسوف يرى وجوهاً لم يألفها من قبل منها الهندي والاسيوي ومنها ما ينتمي الى أميركا اللاتينية وغير ذلك كثير. كثير من التغيرات سوف يراها في العمل والشارع والحياة اليومية فكيف حدثت هذه التحولات؟ وما الذي حدث بين عام 1950 واليوم؟ الذي حدث هو ان قطاعاً معيناً من المجتمع فرض قيمه على بقية المجتمع، كما يقول البعض، والبعض الآخر يقول ان الاختراعات الحديثة هي التي قامت باعادة تشكيلنا، وكلاهما على خطأ، ذلك ان المجتمع يتغير بدرجة كبيرة، لأننا نريد ذلك، والاكثر من هذا ان التغيير يحدث بطريقة منظمة ومستمرة إلى اليوم، فالقوة المحركة لمجتمع اليوم هي الابداع الانساني لانها هي العنصر الاساسي للاقتصاد والمجتمع، والآن نحن نثمن ونقدر الابداع في كل مكان، وفي كل شيء في حياتنا. الحاجة الاقتصادية إلى الابداع اصبحت ماركة مسجلة بظهور طبقة جديدة اطلق المؤلف عليها «الطبقة المبدعة» تضم 38 مليون أميركي يمثلون 30% من القوى العاملة، ويعملون في مختلف المجالات، في العلوم والهندسة والتصميم والتعليم والموسيقى والترفيه وأصحاب الافكار المبدعة والعاملين في مجال التقنيات الحديثة والقانون والرعاية والصحية والتحويل وغيرها، وهذه الطبقة يجمع بينها قوانين واعراف وقيم تقدر قيمة الابداع والفرق بين طبقة المبدعين وغيرها من الطبقات يكمن في قيمة ما يحصلون عليه نظير العمل وعلى الرغم من ان طبقة المبدعين اقل عدداً من طبقة الخدمات الا ان نفوذها مؤثر. التحولات الاقتصادية ادت إلى تغيير هيكل الحياة اليومية، كما ان ظهور واختفاء الاقتصاد الجديد لم «يؤديا إلى هذه التغيرات على الرغم من انها ساعدت على دفعها إلى السطح وجعلتها اكثر وضوحاً وادراكاً. وبتحليل اكثر عمقاً، فإن أحداث الحادي عشر من ستبمر عام 2001 وما تلاها من تهديدات دفعت الأميركيين، وخاصة أعضاء الطبقة المبدعة، لأن يوجهوا أسئلة معمقة حول ما الذي حدث بالضبط في حياتهم، فما يجرى في الولايات المتحدة وفي جميع انحاء العالم يتجاوز الصناعة التقنية المتطورة أو ما يسمى بالاقتصاد الجديد، انه ظهور مجتمع جديد وثقافة جديدة، بل يمكن القول انه طريقة جديدة للحياة ككل. روح الجماعة المبدعة في فصل تحت عنوان «روح الجماعة المبدعة» يقول المؤلف ان ما ساعد على تقوية التغيرات المهمة المستمرة هو ظهور الابداع الانساني واصبح الابداع قيمة لها تقديرها لأن التقنيات الجديدة والصناعات الجديدة والثروة الجديدة والاشياء الاقتصادية الجيدة تتدفق منه. ونتيجة لذلك فإن حياتنا ومجتمعنا بدأت تكون صدى لروح الطبقة المبدعة. هذه الروح نعترف بأنها «روح رئيسية أو شخصية ثقافة ما» ان التزامنا تجاه الابداع بجميع ابعاده المختلفة هو الذي يشكل روح العصر الذي نعيش فيه. وحدد المؤلف ثلاث نقاط في اطار استعراضه لعصر الابداع: ـ أولاً: ان الابداع ضروري لطريقة الحياة التي نعيشها والعمل الذي نقوم به اليوم حيث ان الفقرات الهائلة في مستوى المعيشة إلى جانب المزايا التنافسية في السوق ـ جاءت نتيجة وصفات أفضل وليس مجرد الطهي بلا مناسبة. ـ ثانياً: ان الابداع البشري له مزايا وابعاد متعددة وليس مقصوراً على الابتكار التكنولوجي او انماط العمل الجديدة. انه ليس شيئاً يوضع في صندوق ويخرجه الموظف عندما يصل إلى مكتبه. فالابداع عبارة عن نتاج التفكير والعادات التي جاءت عن طريق الفرد نفسه والمجتمع الذي يحيط به ولذلك أيضاً فإن روح الابداع تسود في أي مكان. ـ ثالثاً: ربما تكون اكبر قضية تواجه هذا العصر الجديد تتمثل في التوتر الحادث بين الابداع والمنظمة. فالعملية الابداعية هي عملية اجتماعية بالدرجة الأولى وليست عملية فردية لذلك فإن اشكال المنظمة تبدو ضرورية. لكن عناصر المنظمة دائماً ما تكون عقبة أمام الابداع.في منتصف القرن العشرين، تلك الفترة التي عرفت بأنها عصر المنظمات، كانت تسيطر عليها منظمات غارقة في البيروقراطية، وبالتالي لم تظهر اية ابداعات تذكر خلال تلك الفترة. ان ظهور الابداع كقوة اقتصادية خلال العقود القليلة الماضية جلب معه اشكالاً اقتصادية واجتماعية إلى الوجود خففت معها حدة التوتر بين الابداع والمنظمات إلى حد ما لكن المشكلة بينهما ظلت قائمة. وبالطبع، فإن المنظمات الضخمة لا تزال تلعب أدواراً مهمة في مجتمعاتنا بل ومطلوب منها ان تفعل اشياء كثيرة. وفي حين ان شخصا ما بامكانه ان يخترع برنامج كمبيوتر فان شركات كبرى تستغرق وقتاً طويلاً لتوفير هذا البرنامج وانتاجه وتوزيعه. مجاعة الوقت ويقول المؤلف انه في الاقتصاد المبدع يكون الوقت هو المصدر الوحيد غير القابل للتجديد وان العناصر الكبرى الثلاثة التي تقود هذا الاقتصاد إلى جانب الحاجة إلى الابداع هي: سيادة التغيير والحاجة إلى المرونة وأهمية السرعة. ونحن نعلم جميعاً قصص تلك الشركات التي تسابق الزمن على مدار الساعة من أجل تقديم كمبيوتر جديد أو حتى برنامج جديد له. فكل منتج جديد تتم ترقيته، وكل منتج جديد توجد منه عدة أنواع لا لشيء الا لأن الاقتصاد القائم على الابداع يعتمد أساساً على بيع الابتكار.ويقول بعض الباحثين المعتمدين على عنصر الوقت اننا جميعاً نبدو وكأننا نعمل فوق طاقتنا لكن ذلك غير صحيح لكن الصحيح اننا نعاني من الشعور بأننا متسارعون وليس لدينا وقت لانهاء الاعمال التي نقوم بها. والحقيقة التي خلص اليها هؤلاء الباحثون هي ان الوقت اصبح أغلى سلعة في العالم الآن، وقد اجرى هؤلاء الباحثون دراسة عام 1996 أكدت ان 40% من الاميركيين يعتقدون ان نقص الوقت هو اكبر مشكلة تواجههم، اكثر من نقص المال، وقد اطلق الباحثون على هذه المشكلة «مجاعة الوقت». حيث ان العمل الابداعي يستهلك الوقت، ويؤدي إلى التوتر. وينهي المؤلف كتابه بفصل تحت عنوان «الطبقة المبدعة تنمو» ويبدأ هذا الفصل بعبارة لكارلوس فونتيل حازت الشهرة وهي «ان التاريخ لم ينته بعد». ويقول: ان «الطبقة» كلمة سيئة في الولايات المتحدة، فالكثير المعلقين والقادة السياسيين يفضلون ان يدّعوا ان هذه الكلمة لم تعد موجودة، ويسارعون بادانة أي شخص يتحدث عن الخلافات الطبقية أو يستخدم عبارة الوعي الطبقي. لكن بالنسبة للطبقة المبدعة، والمجتمع ككل، فإن قليلاً من الوعي الطبقي يصلح المجتمع، حيث يساعدنا على ان نعرف من نحن وأين موقعنا إلى جانب الاخرين، كما يساعدنا على التخطيط الجيد للمستقبل بطريقة منظمة. ان أعضاء الطبقة المبدعة اليوم في حاجة إلى ان يروا ان اداءهم الاقتصادي يجعلهم بحق القادة الطبيعيين لمجتمع القرن الحادي والعشرين. لكن، للأسف الشديد، فإن الطبقة المبدعة ليس لديها الوعي الكامل بنفسها كطبقة، وهي في حاجة إلى ذلك. لقد آن الأوان بالنسبة لطبقة المبدعين لكي تنمو، ويجب ان يعلم اعضاء هذه الطبقة تماماً انه على الرغم من الاختلافات العملية فيما بينهم الا انه يجمع بينهم مصالح واهتمامات مشتركة، ويجب على هذه الطبقة ان تخترع اشكالاً وانماطاً جديدة للعمل الجماعي. ويشك المؤلف في ان هذه الطبقة يمكن ان تؤلف حزباً اسمه «الاتحاد الفيدرالي الاميركي للعمال المبدعين» أو «حزب العمال المبدعين». فالطبقة المبدعة لديها ثلاث قضايا تواجهها: 1 ـ الاستثمار في الابداع للتأكيد على النمو الاقتصادي طويل الاجل. 2 ـ التغلب على الانقسامات الطبقية التي تضعف الوضع الاجتماعي وتهدد الرخاء الاقتصادي. 3 ـ اقامة اشكال جديدة للتماسك الاجتماعي في عالم بات يعرف بأنه عالم الاختلافات والنزاعات ويمكن تحقيق ذلك فقط عن طريق التأكيد على ان فوائد عصر الابداع سوف تشمل الجميع. تأليف: ريتشارد فلوريدا