الاحد 28 شعبان 1423 هـ الموافق 3 نوفمبر 2002 سيكون من الخطأ التعامل مع أعمال السلب التي يقوم بها المستوطنون لمحاصيل الزيتون التابعة للقرى الفلسطينية فقط كأعمال جنائية خطيرة. فهذا السلب الجماعي يرمز الى انعطافة في الصدام العسكري الراهن بين اسرائيل والفلسطينيين والى انقلاب في تاريخ الاستيطان بشكل عام. فهذه هي المرة الاولى في الصدام الراهن التي يضع الاسرائيليون فيها أيديهم فيصادرون غذاء الفلسطينيين. وحتى لو لم يعترفوا بذلك، فانه يمكن لنا ان نرى في ذلك إعداد البنية للترحيل، ليس من قبل الدولة الاسرائيلية بل من قبل مجموعة من المستوطنين. في قرية يانون جنوبي نابلس اضطر معظم السكان الى هجر منازلهم. في احدى التفافات النزاع في الماضي البعيد، في سياق الثورة العربية التي بدأت في العام 1936، كان الفلسطينيون هم الذين سعوا الى المساس بالوجود السكاني اليهودي من خلال حرق الحقول والمحاصيل. أما اليوم فان هذه الامور يقوم بها مواطنو اسرائيل التي تعهدت المرة تلو المرة أمام واشنطن وأمام الرئيس بوش، بمراعاة المشكلات الانسانية للسكان الفلسطينيين. لقد فهمت اسرائيل بأن هذا هو الجانب الآخر من الحرب ضد الارهاب، مكافحة الارهابيين ومسئوليهم ولكن ليس على حساب السكان. ووعودها، بما في ذلك تلك التي قطعها رئيس الوزراء، يسخر المستوطنون منها.بأفعالهم يقول السالبون رسالتهم، وقوامها انها ليست حرباً تلك التي تجري في المناطق ضد العنف، بل صراع لتعميق الفقر لدى السكان الفلسطينيين وتجويعهم. فهم يحرقون محصول الزيتون الذي جني، ويمسون بأشجار الزيتون ويمنعون الفلاحين من الدخول الى حقولهم الخاصة. هذه صيغة كلاسيكية لخلق المزيد من الارهابيين.ولماذا اضطروا هذا العام بالذات الى مثل هذه الاعمال؟ محصول الزيتون هذا العام ممتاز، بالقياس الى العام السابق الذي كان هزيلا جدا ولم تكن هناك أي جدوى من سلب محاصيل هزيلة. وحسب أحد التقديرات، فانه حتى نهاية موسم جني ثمار الزيتون في نهاية شهر ديسمبر يمكن للفلاحين ان يكسبوا نحو 200 مليون شيكل. وهذا ما يريد سالبو المحاصيل ان يمنعوه. والخبراء في الزراعة يقولون بأن نحو 600 ألف فلسطيني يعيش بهذا القدر أو ذاك على محاصيل الزيتون. ولتسويغ غايتهم جند السالبون الحاخام الرئيس السابق، مردخاي الياهو، الذي ذهب الى القول ان الاشجار التي غرسها الأغيار في ارض ورثها شعب اسرائيل، لا تعود ثمارها لهم. وفي أفضل الاحوال فانهم يحصلون على العشر. ان هذا لاغتصاب للدين اليهودي، فعل من أفعال عبدة الأصنام، والتحقير لشعب اسرائيل، يمين ويسار، علمانيين ومتدينين.قبل عدة ايام تمكنت الدانمارك، التي هي الرئيس الدوري للاتحاد الاوروبي من التأجيل لثلاث سنوات اخرى قرار مقاطعة المنتجات الاسرائيلية من انتاج المستوطنات. واذا كان سلب محاصيل الزيتون لن يتوقف فورا واذا لم يعوض المسلوبين، فلن يكون لاسرائيل الحق الاخلاقي للطلب من الاتحاد الاوروبي منع مقاطعة منتجات المستوطنات.ان سالبي المحاصيل يظهرون ان الاسرائيليين ايضا يساهمون في هدم سلطة القانون في المناطق. فلو كان السالبون قد صدوا في الحال لظهرت الامور على نحو مغاير. فعمق الانعطافة التي تحدثها هذه الافعال تجد تعبيرها في الوهن الذي يبديه الجيش الاسرائيلي. والعديد من الضباط يخجلون من هذا الوهن. فلا أهمية لاقوال رئيس الاركان في المداولات الداخلية في انه يدين سلب المحاصيل، اذا كان الجيش لا يمنع ذلك بحزم. فالجيش الخاص بالمستوطنين، ولا يدور الحديث فقط عن فتيان التلال، قد أخذ القانون في أيديه وبصق في وجه الجيش الاسرائيلي.اذا لم يتم وقف سلب الزيتون فانه سيكون بذلك لاول مرة، ذريعة مبررة للتدخل العسكري الدولي على الارض - ليس من مراقبين بل من قوة دولية ـ. وستكون الخسارة لنا جميعا ويمكن لنا ان نتعرف من خلالها على التطورات في المستقبل اذا ما سمح للمستوطنين ومؤيديهم قيادة السياسة الاسرائيلية. ان الانعطافة التي أحدثها سالبو المحاصيل تبين الى أي مدى من المهم ان تقف واشنطن بحزم في سبيل مطلبها بتجميد المستوطنات. بقلم: زئيف شيف عن «هآرتس»