الجمعة 26 شعبان 1423 هـ الموافق 1 نوفمبر 2002 التاريخ هو التاسع من اغسطس 2002 والمكان هو ميناء شنغهاي الذي يعج بالنشاط وكأنه خلية نحل في يوم من ايام الربيع المشمسة، ففي حوض السفن، يتم تفريغ سفينة شحن ويتم تنزيل حمولتها المؤلفة من ثلاثة هياكل بطول 25 متراً لقطع رحلة قصيرة على متن شاحنات نقل كبيرة وهذه الهياكل مغطاة بقماش التربولين، ولكن يتضح من شكلها المخروطي هويتها الحقيقية ويمكن للمشاهد العادي ان يعرف ان هناك قطارات تحت الاغطية ولكنه قد لا يعرف على الارجح انها الاسرع على وجه الارض، حيث تستطيع السير بسرعة تفوق 400 كيلومتر في الساعة. لقد وصلت هذه القطارات الى الصين بعد رحلة في البحر استغرقت 40 يوماً قادمة من كاسيل، وهي مدينة تقع وسط ألمانيا. وفي كاسيل، تم تفكيكها الى اجزاء من اجل شحنها بصورة آمنة، واول مهمة ستواجه الفنيين الصينيين هي اعادة تجميع تلك الاجزاء معاً وفي مركز للصيانة يبعد 3 كيلومترات عن مطار بودونغ، سيبدأ المهندسون الصينيون ونظراؤهم الألمان العمل الشاق باعادة تجميع الهياكل فائقة القوة وتركيب وحدات الدفع غير التقليدية الخاصة بها فهذه القطارات لا تحتوي على محركات. وعوضاً عن ذلك، فإنها مركبات ترتفع في الهواء بفعل القوة المغناطيسية ومصممة للتحليق عبر الهواء فوق مسار مركب بصورة خاصة يدعى «الطريق الموجه». ان السباحة في الهواء بفعل القوة المغناطيسية تعتبر فكرة قديمة ومغرية للغاية، وكما يعلم الجميع من دروس العلوم في المدرسة، فإن القطبين الشمالي والجنوبي للمغناطيس يجذب بعضهما الآخر وفي المقابل، فإن القطبين المتشابهين يتنافران بقوة مذهلة. واذا استطعت ان تدفن خطاً من المغناطيس في الارض وتضع خطاً ثانياً تحت عربة خفيفة الوزن، فإن باستطاعتك ان تبني وسيلة مواصلات بدون وسائل اسناد مرئية. صورة خادعة وفي الدوائر العلمية، كانت هذه الفكرة البسيطة بصورة خادعة مطروحة منذ عقود. وكان اول من حلم بهذه التقنية بشكل رسمي هو روبرت غودارد، وهو عالم صواريخ أميركي، وذلك في بداية القرن العشرين. ووصف البحث الذي اجراه غودارد قطارات تسبح فوق سككها مغلفة بأنبوب فولاذي مفرغ لازالة اية مقاومة من الهواء وحظيت الفكرة بدفعة اضافية في عام 1910 من خلال براءة اختراع قدمها الفرنسي اميل باشليت. وشأن قطار غودارد المغناطيسي، فإن قطار باشليت سيتم تزويده بالطاقة من خلال القوة الكهرومغناطيسية، بتيار كهربائي متناوب يوفر وسيلة دفع اقوى من قدرة اي مغناطيس تقليدي وحتى في هذه المراحل المبكرة، لم يكن العلماء الألمان متخلفين عن الركب ففي عام 1935، سعى مهندس ألماني يدعى هيرمان كيمبر الى الجمع بين المزايا المرغوبة في الطائرة والقطار وتوظيفها في نوع جديد من المركبات عالية السرعة. ان الميزة الأساسية لتقنية السباحة بفعل القوة المغناطيسية هي غياب الاحتكاك ولأن القطارات تحوم في منتصف الهواء، فإنها لا تتلامس مع السكة والقوة الوحيدة التي تعمل على ابطاء سرعتها هي مقاومة الهواء، وبالتالي، فإنه من ناحية نظرية يمكنك ان تجعل هذه القطارات تسير بالسرعة التي تريدها ولكن الامر المؤسف هو ان نوعاً آخر من القوة هو الذي أعاق تقدم تلك الفكرة الى يومنا هذا الا وهو الاقتصاد فالقطارات السابحة لا يمكن ان تسير على سكك عادية، مما يعني ان هناك ضرورة لبناء طرق موجهة جديدة ومحطات مكرسة لهذا الهدف والدول الاوروبية تملك بالفعل شبكات واسعة من السكك الحالية، ولهذا يبدو انه من الاجدى من ناحية مالية شراء قطارات تقليدية عالية السرعة يمكنها ان تسير الى اي مكان. تنفيذ المشروع لكن الصينيين لديهم الامكانيات المالية الكافية لتنفيذ هذا المشروع فالقطارات التي جرى تسليمها في اغسطس الماضي ستعمل على مسافة تبلغ 30 كيلومتراً بين محطة انفاق طريق لونغ يانغ في وسط شنغهاي ومطار بودونغ الدولي ويقع المطار الى الغرب من نهر هوانغبو الذي يصب في بحر الصين الشرقي وبالنسبة للصين، فإن هذا المشروع يعتبر مشروعاً رفيعاً يخدم هدف التفاخر ناهيك عن كونه حلاً محتملاً للمشكلة المتنامية لنقل الناس من نقطة الى اخرى في شوارع المدينة المزدحمة وبعملية حسابية، فإن الوقت المستغرق لنقل الركاب الى المطار او منه بالحافلات وسيارات الاجرة يبلغ 45 دقيقة بينما يقطع القطار الذي يسير بسرعة 430 كيلومتراً في الساعة المسافة في ثماني دقائق. ويقوم ائتلاف من الشركات الألمانية بتنفيذ المشروع والاشراف عليه. وتبلغ التكلفة الاجمالية المتوقعة للمشروع مليار جنيه استرليني وتفيد التوقعات الصينية بأن تساعد القطارات السريعة الجديدة في حل ازمة الاختناقات المرورية حيث ان القطار الجديد مصمم لحمل 574 راكباً في عرباته التي سيتم زيادة عددها الى ست عربات وينطلق كل 10 دقائق ويتوقع ان يحمل القطار بحلول عام 2005، 10 ملايين راكب في السنة، وهو رقم يتوقع له ان يتضاعف الى 20 مليون في عام 2010. ضرار عمير