الثلاثاء 23 شعبان 1423 هـ الموافق 29 أكتوبر 2002 الحدثان اللذان تصادف حدوثهما مؤخرا، دفعاني لاعادة التفكير في استخدام اسرائيل للقوة وفي أحداث اكتوبر 2000 وفي لجنة أور التي تشكلت بعدها وتبعات ذلك كله، الحدث الاول كان اخلاء مزرعة جلعاد، والثاني الذي لا يرتبط بالسياسة كان عمليات الرشق بالحجارة خلال لعبة كرة القدم من قبل أنصار أحد الفريقين، هذان الحدثان يرتبطان بعلاقة قوية مع تحركات وخطوات الشرطة وقوات الامن، المقارنة بين ضبط الشرطة لنفسها مؤخرا تجاه المواطنين اليهود وبين استخدام الذخيرة الحية مع عرب 1948 إبان اضطرابات شهر اكتوبر 2000، هي مسألة لا بد منها. لجنة أور التي شكلت للتحقيق في أحداث اكتوبر لم تستكمل مهمتها بعد، على الرغم من إنفاق موارد كثيرة عليها والاستماع في اطارها الى مئات الشهادات وتخصيص كيلومترات من صفحات الجرائد ومئات الأجزاء من الكتب الموثقة من مادة التحقيق، عمل اللجنة مهم وضروري وهذه مسألة لا مجال للتشكيك فيها، ولكن كما يحدث في مرات كثيرة وعلى الرغم من أشهر العمل الحثيثة تأتي الحياة ذاتها لتوفر لنا تفسيرا لتصرف قوات الامن في ذلك الحين والآن. كلا الحدثين في يوم السبت (مزرعة جلعاد ومباراة كرة القدم) برهنا بما لا يرقى اليه الشك ان التصدي للتظاهر في الوسط العربي لم يجر بصورة سليمة، وهما البرهان على امكانية التصرف بطريقة مغايرة، أضف الى ذلك ان كلا الحدثين يشيران بوضوح الى ان اسرائيل تميز بين العنف اليهودي وغيره من اشكال العنف، وهذه مسألة يتوجب الخوض فيها. كم عدد المرات التي سمعنا فيها من اولئك الذين اعتادوا تبرير كل خطوة تقوم بها قوات الامن ضد العرب الاسرائيليين أو الفلسطينيين بالتذرع بأن الحجر قادر على القتل، وان استخدام الذخيرة الحية ضد راشقي الحجارة مسألة مفهومة ومبررة وضرورية؟ ان كان الامر كذلك فلماذا لم نشاهد 13 كيسا من جثامين القتلى تنقل على وجه السرعة من ساحة الحدثين الاخيرين؟ لماذا لم تستخدم الذخيرة الحية ضد من يحملون الحجارة؟ لماذا لم ينسبوا لهم نوايا خفية وصريحة؟. والجواب على هذه الاسئلة واضح: على دولة القانون ان تعمل على منع العنف المدني بحكمة وتعقل حيث تكون الذخيرة الحية هي المخرج الاخير وفي حالة انقاذ الأرواح، ومن اجل ازالة الشكوك أقول انني اؤيد خطوات الشرطة المعتدلة وقوات الامن في كلا الجانبين ولكن بذلك يتضح الفرق بين رد فعل الشرطة في الحالات المختلفة وسياسة التمييز والكيل بمكيالين المتبعة. عدد المصابين في يوم السبت لم يتضمن ضحايا، وكانت الاصابات خلالها طفيفة فقط، وهذا هو البرهان القاطع على ان الاعتبارات المهنية التي استندت اليها قوات الامن كانت صحيحة، الدفاع عن حياة المواطنين هو أحد وظائف ومسؤوليات الدولة من دون تفرقة وتمييز بين مواطن وآخر، ومن حق المواطنين في الدولة الديمقراطية ان يعبروا عن رأيهم وان يحتجوا، ومن واجب الدولة ان تسمح بحرية التعبير من جهة وان تحافظ على النظام العام من جهة اخرى، فالحفاظ على النظام العام لا يتضمن استخدام السلاح الحي، لا ضد هؤلاء المواطنين أو اولئك، وجهاز الدفاع أثبت بنفسه ان من الممكن التصرف بطريقة مغايرة في حالة حدوث اعمال شغب ورشق للحجارة، وان درجة الخطر التي تحدق بالأرواح لا تبرر قتل المواطنين. وتطرح في هذه المسألة تساؤلات صعبة اخرى مثل الاتجاه الذي تسير فيه الدولة التي تتصرف بقسوة مقلقة مع أقلية قومية موجودة فيها، هل تستطيع الديمقراطية ان تحافظ على بقائها في ظل الازدواجية الاخلاقية التي تشجع الشغب وتآكل احترام القانون والنظام؟ اسرائيل الديمقراطية تستند الى حديث من طراز آخر اذ تزداد احتمالية زعزعة أركان الديمقراطية من دونه. في هذه الايام بين يوم الحداد العبري على رابين وبين التاريخ الاجنبي للقتل قد يكون من الأجدر لنا ان نتذكر كلمات رابين في يوم القتل: «العنف هو تآكل لأركان الديمقراطية الاسرائيلية، يتوجب التنديد به وشجبه وعزله، وهذا ليس الطريق الذي تسير عليه اسرائيل». هذه هي التركة التي خلفها لنا رابين، وعلى مواطني دولة اسرائيل وحكومتها وقواتها الامنية ملقاة مسؤولية التوصل الى الاستنتاجات واستخلاص العبر من مقارنة أحداث هذا الاسبوع مع أحداث اكتوبر 2000 على دولة اسرائيل واجب اخلاقي في اجراء فحص داخلي لنفسها وتحمل المسئولية. بقلم: رومان برونغمان عن «هآرتس»