السبت 21 رجب 1423 هـ الموافق 28 سبتمبر 2002 اصبح من الصعب جداً ان يكون للشريك الاميركي اصدقاء مخلصون ومع كل ما تثيره الذكرى الاولى لهول الحادي عشر من سبتمبر من عاطفة إلا ان الهوامش لا تضيق فحسب بل ان الذين لديهم شيء يقولونه، انطلاقا من مواقع تضامنية لكن برأي حر، يشرعون بالعبور الى معسكر المدانين في الارض. ومثلما فعلت قبل عام مضى سأكرر ان التضامن غير المشروط مع ضحايا ذلك القتل الجماعي لا غنى عنه، بما فيه ذلك مع الم الشعب الاميركي وممثليه. لكن هذا التضامن لا يمكن ولا يجب ان يختلط مع القبول بلا شروط فيما يتعلق بمبادرات ادارة الرئيس جورج بوش في حملتها ضد الارهاب ويبدو ان رئيس الحكومة الاسبانية قد توصل الى هذه النتيجة «والاعتراف» مضيفاً بأسلوب استثنائي ومهدد ان اولئك الذين يختلفون مع الموقف الذي يحافظ عليه سيكونون مسئولين عن الاعتداءات المقبلة في حالة حدوثها او بالاحرى ناقلاً مسئولية ما يحدث الى الآخرين وليس الى الذين يتخذون القرارات التي تستجيب لمسئوليتهم. ويستمر بالحدوث خلط رهيب بين شرط الاصدقاء بل والشركاء والقبول الخاضع لاقتراحات ادارة بوش لكن الخضوع يتنافى مع الصداقة لانه ينكر امكانية المساعدة في تحقيق الهدف المنشود بطريقة مكشوفة. ومنذ حرب فيتنام لم تعرف موجة رفض للولايات المتحدة اكثر ضراوة وتعارضا مثل ما يحصل الآن وهي موجة متعارضة بفعل ان ملايين كثيرة من المواطنين يشتركون في مشاعر الألم بسبب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر الامر الذي لم يحدث في ذلك الصراع المؤسف بينما يتنافى رفضهم وعدم تفهمهم للموقف الاحادي والمتغطرس للقوة العظمى العالمية الوحيدة في اعقاب الحرب الباردة. لقد مضى عام كامل على احداث الحادي عشر من سبتمبر وعلى الرغم من غياب اعتداءات بتلك المواصفات، إلا ان احداً لم يؤكد انه قد تم التقدم في طريق القضاء على التهديد الذي تمثله، ففي رحم الولايات المتحدة نفسها، بدأت تعلو اصوات تحذر من اخطاء الطريق الذي تسلكه الادارة الاميركية، وهذه الاصوات آخذة بالتنامي مع الازمة المستعرة فيما يتعلق بالعراق وذلك على الرغم من العوائق التي يفرضونها على هذه التحليلات. ومثلما لا يتعين علينا ان نكون مستعدين لقبول مفهوم من ليس معي فهو ضدي ولا الخنوع الغبي وغير المجدي لأي غرض ولا نقول مسئولية اولئك الذين لا يتطابقون مع مواقفي سيكونون مسئولين عن كل ما يحدث من سوء علينا ايضا التأكيد على مواقف تساعد على تبديل المسار ورفع امكانيات محاربة الميدان الخطير الذي يمثله الارهاب العالمي بالبيئة للجميع وليس بالنسبة للولايات المتحدة وحدها.وفي الازمة العراقية من الممكن بل ويجب علينا تقاسم ضرورة ان تلتزم حكومة ذلك البلد بقرارات مجلس الامن التابع للامم المتحدة وذلك بدون عناصر يشترطونها في مهمات التفتيش والمراقبة على احتمال تطوير اسلحة تدمير شامل، فلقد مضى علينا في هذه العقدة وخط السير هذا عقد زمني طويل دفع عواقبه المواطنون العراقيون. لكن هذه المسألة مهما كان القرار الذي يتبناه مجلس الامن، مغايرة بوضوح لاحداث الحادي عشر من سبتمبر، فلا شيء يثبت ان العراق كأمة هو الذي يقف خلف استراتيجية الرعب هذه لكن في المقام الاول فإن محاولة اقتناء اسلحة نووية ـ كما فعلت باكستان اثر الهند وقبلهما اسرائيل لا تمت بصلة للادوات المستخدمة من قبل الارهابيين في البرجين التوأم والبنتاغون. اننا بصدد تهديدات مختلفة تتطلب معالجات مختلفة، هذا اذا لم نرغب برفع وتيرة الخواء العالمي الناشيء الى حدود الشبهة لكن علينا كذلك الخروج باسرع وقت ممكن من الخلط بين الاسلام والتهديد الارهابي وكبداية نقول ان العرب لا يتجاوزون ما يزيد على ربع العالم الاسلامي، حيث يعتبر العرب اجانب في افغانستان، بمن فيهم بن لادن نفسه، وفي المناطق الاكثر حساسية للصراعات المفتوحة ـ الهند وباكستان مع قضية كشمير او النزاع الروسي مع الشيشان ـ نحن لا نتحدث عن عرب، وكذلك الامر عندما يشار الى ايران. اسف للتحدث بمصطلحات بديهية بهذا القدر لكننا نساهم بشكل خطير برفع وتيرة الميل الى تقليص مفاهيم بسيطة في رؤيتنا كغربيين عندما يتم تحليل الآخر المختلف، حيث لا شك بأن هذا الانسياق يقودنا الى صراع الحضارات بدون حقائق تبرره. وفي حال نجم في غمار هذه الاحداث هجوم على العراق ابعد من بغض الحكومات العربية وقبولها الظاهري، فإن موجة احتجاجات وثورات ملايين الاشخاص ستكون لابد منها وستكون هذه مثل هدية مجانية لابطال الارهاب العالمي. اذ ان ذلك يمكن ان يتحول الى لعبة دراماتيكية لنتائج لا يمكن السيطرة عليها سواء بالنسبة لاستقرار الحكومات امام الحركات المتشددة او بالنسبة الى تنامي التهديد الذي نحاول محاربته. ولسوء الحظ ان الاتحاد الاوروبي يبدو قد اخفق في مواقفه فيما يتعلق بالانسياق الذي تفرضه ادارة بوش بشكل احادي ما يعني ان خسارة اهميتها في المسرح العالمي الجديد ستتنامى واخشى ان اخفاق المواقف في موضوع اساسي مثل تعريف النظام العالمي المستقبلي «أو الفوضى» سيؤخر بشكل نهائي اي تقدم في السياسة الخارجية والامن المشترك حيث ليس صعبا استخلاص النتيجة فلن يكون هناك اتحاد سياسي بدون سياسة خارجية توحدنا.البعض يعتقد ان الولايات المتحدة سوف تتفوق على ضعف سياسة الاتحاد الاوروبي هذا، لكن وجهة نظري كشريك مخلص، فإن هذا الاستنتاج مغلوط بالنسبة لكلا الجانبين على الرغم من انه اكثر ضررا بالنسبة للمصالح الاوروبية بشكل واضح، وابعد من اوروبا التي ستستمر كونها شريكاً اساسياً، على الرغم من ان ذلك يتم بدون الاخذ بعين الاعتبار شاطيء الاطلسي الآخر، فإن الولايات المتحدة لا تكسب ود مناطق اخرى من الكرة الارضية، بل بالاحرى عكس ذلك تماما. والبلدان العربية لا تتوقف عن التحذير بحزم اكثر او اقل حسب ضوابط عديدة من المخاطر التي تحيق بالسياسات المعلنة من قبل بوش، وغالبيتها اكثر من مستعدة للتعاون في قطع دابر التهديدات الارهابية التي نجد جذورها في افاق مناطقها لكن هوامش المناورة الخاصة بهذه البلدان تصبح اكثر صعوبة مع كل يوم يمضي بينما يزيد النزاع بين اسرائيل وفلسطين وبقوة خطر رفض الولايات المتحدة وذلك مع انسداد صمام خروج طموح السلام الى افق التحقق.وستجد هذه الحكومات نفسها حتى لو كانت معتدلة في مواجهة مع مواطنيها انفسهم عالقة بين ضرورة الاصطفاف مع السياسات الاميركية، وحظر الانجرار وراء الشعور بعدم الرضا، والسؤال هو: اليس من الممكن ان هذا المشهد لا يتأمله صقور الولايات المتحدة الذين يجرون بلادهم الى مأزق صعب لا مخرج له؟ اليس من الممكن ألا يفعل الخاضعون بدون شروط، جيران هذا الواقع شيئا لمنع هذا الانسياق؟ اما في المنطقة الايبيرية ـ الاميركية الاقل اهمية بالنسبة للتهديد الذي تشعر به الولايات المتحدة فإن عمق الازمة وجسامتها ـ امام ما يحسون به كعدم اكتراث من الشمال، اذا لم يكن لوماً مثلما يحدث في الارجنتين ـ وتيارات وجهات النظر هناك هي اقل ملاءمة في كل مرة اكثر من سابقاتها حيث تستطيع الولايات المتحدة وبجهد بسيط استعادة جزء من الميدان الذي تخسره في الرأي العام، على سبيل المثال تغيير موقفها في صندوق النقد الدولي والسماح لاقتصادات اميركا الاخرى باستغلال هوامشها الداخلية دون ايجاد مشكلات في التوازنات مع الخارج فكيف للارجنتين ان تدفع ديونها اذا كانت غير قادرة على تنمية اقتصادها الداخلي؟ لن يتحسن الوضع إلا بما تستطيع بلدان المنطقة فعله مما تفعله الولايات المتحدة في كفاحها ضد ازمتها الخاصة لكن متجاوزين اللحظات الصعبة جدا تستحق هذه البلدان عناية خاصة من الجار الشمالي لان مصيرها يؤثر بالباقي وبالذهاب الى ما هو ابعد من أولياتها المباشرة والمسيطرة، فإن الولايات المتحدة تحتاج الى اميركا اللاتينية مع تطور اقتصادي وديمقراطي يوحد مصير بلدان الوسط، وذلك بالقضاء على الفقر وباستغلال رأس مالها الانساني الهائل وثرواتها الطبيعية لخير الجميع، كما اننا نحن الاوروبيين نحتاج الامر ذاته ايضا. بل على العكس، ذلك ان ازمة هذه المنطقة من العالم ستضع صعوبات امام استعادة الولايات المتحدة واوروبا عافيتها. وفي هذه المناطق من العالم مثلما هي الحال في مناطق اخرى تستطيع الولايات المتحدة زيادة عدد حلفائها لكن يبدو انها تفضل عدداً مخفضاً من الخاضعين بلا شروط الذين لن يكونوا اوفياء في آخر الامر للتعبير عن اختلافاتهم على الرغم من وجودها لديهم حيث لا شيء يسير في هذه العولمة إلا اننا نسير باتجاه مخرج جيد ولا حتى بعناصره السياسية والامنية في مواجهة الارهاب ولا في عناصره الاقتصادية، لذلك يفرض تغيير في مسار متوافق لتنظيم هذا الحيز العالمي الذي نتقاسمه بشكل محسوس. بقلم: فيليبي جونزاليس ترجمة : باسل أبوحمدة عن «كلارين» ـ الارجنتين