الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 عملية الجيش الاسرائيلي في المقاطعة في رام الله، - التي وضعت رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات تحت حصار مشدد أكثر من الحصار الاول على قيادته بدءا من نهاية مارس الماضي - تعتبر في نظر اجهزة الامن كمرحلة اخرى جاءت من اجل اطفاء جذوته كزعيم وذلك بعد الاعتقاد الاسرائيلي بأنه يمنع محاولات وقف اطلاق النار ودفع الاصلاحات في السلطة، وفي اسرائيل يفترضون ان عزل عرفات واعتقال الموجودين معه من شأنه ان يسهل على شخصيات فلسطينية تدعو الى وقف النار الكامل أو الجزئي مع اسرائيل. حتى كتابه هذه السطور لم يستسلم أحد من الـ 19 مطلوبا الذين يدعوهم الجيش الاسرائيلي بمكبرات الصوت لتسليم انفسهم وليس هناك أحد من بين الـ 40 فلسطينيا الذين خرجوا من المقاطعة وسلموا انفسهم للجيش، يندرج في قائمة المطلوبين ويبدو ان المطلوبين وكذلك عرفات، ينتظرون تدخل اوساط دولية للعمل على الافراج عنهم مثلما حدث اثناء الحصار الاول لـ «المقاطعة»، ولكن، لم تتلق اسرائيل حتى الآن أي توجه جدي وبالتأكيد ليس هناك ضغط سياسي للافراج عن رئيس السلطة الفلسطينية مرة اخرى من الحصار.وكانت الادارة الاميركية قد طلبت من اسرائيل توخي «الحذر» في خطواتها، أي عدم الرد على العمليات الفلسطينية بخطوات عسكرية تتسبب في توسيع المواجهة. وفي اجهزة الامن الاسرائيلية يقولون ان الوقت لصالح اسرائيل وانهم لا يستبعدون امكانية ممارسة القوة في مرحلة معينة من اجل ضبط «المطلوبين الكبار». ويبدو ان السلطة الفلسطينية تحاول اجراء مفاوضات لتحرير هؤلاء المطلوبين مثلما فعلت اثناء الحصار الاسرائيلي على كنيسة المهد في بيت لحم، وقال ضابط كبير في الجيش الاسرائيلي انه بالنسبة لجانب من المطلوبين يمكن اجراء مفاوضات حول اخراجهم الى بغداد، فيما سيقدم الآخرون للمحاكمة في اسرائيل بتهمة التورط في اعمال «ارهابية». وقد عمل الجيش الاسرائيلي على هدم مبان في المقاطعة بعضها أقيم بعد رفع الحصار الاول عن المكان بواسطة جرافات ثقيلة من وحدات الهندسة، وفي العملية دمر 15 مبنى، كل الكرفانات في الموقع وكذلك الجسر المؤدي من مكتب عرفات في مبنى الشرطة القديم الى المبنى الجديد، حيث تقع مكاتب مختلفة لقيادته، وبعد تدمير الجسر استولى الجيش على المبنى الجديد لمكتب عرفات. ولم يطلب الفلسطينيون في المقاطعة بعد السماح بادخال المواد الغذائية، ويوجد في المكان مياه وكهرباء وخطوط هاتفية واجهزة لاسلكي، وقررت اسرائيل عدم السماح بدخول زوار لعرفات ومنع دخول الصحفيين للمكان، في السابق لم تصمد اسرائيل في النهاية تحت وطأة الضغط لرفع الحصار عن المقاطعة وانتهى في أعقاب توجه الرئيس الاميركي جورج بوش اثناء زيارة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله الى الولايات المتحدة، وبالمقابل وافقت اسرائيل آنذاك على خروج المشتبه بهم بقتل الوزير رحبعام زئيفي، وكذلك سكرتير الجبهة الشعبية أحمد سعدات من المقاطعة الى أريحا وأدخلوا هناك الى السجن. والعملية الانتحارية في تل ابيب مؤخرا أعطت الاشارة اسرائيليا لادخال عرفات مجددا تحت الحصار، وتوجيه الجهد العسكري ضد الزعيم الفلسطيني وقيادته نفذت عمليا بدل عملية عسكرية واسعة جدا ضد اهداف مختلفة في قطاع غزة أرادت اسرائيل تجنبها الآن على ضوء امكانية هجوم اميركي على العراق. وفي قطاع غزة عملت قوات عسكرية ضد اهداف محددة فقط، ولكن هذا لا يعني ان العمليات ستتوقف الآن بسبب استئناف الحصار على المقاطعة، ففي اسرائيل يدعون ان الحصار على عرفات استؤنف بسبب نشاطاته المتواصلة التي جاءت لتشويش كل جهد لدفع وقف اطلاق النار أو كل خطوة في الاصلاحات التي من شأنها اضعاف مكانته كزعيم يقود الفلسطينيين، وفي جهاز الامن يقولون ان عرفات وبخ هؤلاء الذين يسعون للتفاهم مع رجال حماس في القطاع لوقف اطلاق قذائف الهاون وانه حاول عرقلة الهدوء القائم في بيت لحم في اطار خطة «غزة - بيت لحم أولا» وانه يحاول تشويش محاولات وزير الداخلية الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى لاحراز وقف اطلاق نار عام. وهذه الخطوات جاءت من اجل منع نقاش فلسطيني داخلي بشأن استمرار المواجهة العسكرية مع اسرائيل، وعزل عرفات سيؤدي الى الاثقال عليه، ولكن في اسرائيل يبدو الكثيرون غير واثقين من ان هذا سيحدث حقا، وان الفلسطينيين الذين يسعون لوقف اطلاق النار الحقيقي سيشعرون بالأمان بشكل اكبر. بقلم: زئيف شيف عن «هآرتس»