الثلاثاء 17 رجب 1423 هـ الموافق 24 سبتمبر 2002 يتم التأكيد على نطاق واسع ان هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد غيرت العالم بطريقة دراماتيكية بحيث انه ما من شيء سيكون بهذا القدر من الملاءمة للدخول في «عصر الارهاب» وهذا الاخير هو عنوان مجموعة من الابحاث الاكاديمية المعدة من قبل باحثين من جامعة يال وكتاب غيرهم يعتبرون ان الهجوم بالجمرة الخبيثة او الانثراكس هو امر اكثر فظاعة ويحوم في الافق. لا احد يشك في ان فظاعات الحادي عشر من سبتمبر كانت حادثة ذات اهمية تاريخية، ولسوء الحظ ليس بسبب اتساع نطاقها بل بسبب اختيار ضحايا ابرياء لها. وعرف منذ بعض الوقت انه مع التقنية الجديدة كان من الممكن ان تفقد القوى الصناعية احتكارها المفترض للعنف لتتبقى لها سيطرة هائلة فقط. فما من احد استبق الطريقة الخاصة لامكانية حدوث تلك التوقعات، لكنها حدثت عمليا. وللمرة الاولى في التاريخ الحديث، اخضعت اوروبا والذين انطلقوا منها للعام الجديد في عقر دارهم، لنوع من الفظاعات التي يرتكبونها هم عادة بحق طرف آخر. لذلك كانت مراجعة التاريخ المذكور لتكون امرا مألوفا اكثر مما ينبغي على الرغم من ان الغرب ينزع الى ازدرائه، اما الضحايا فلا. ومن المؤكد ان الافلاس الحاد للتيار التقليدي ينعكس في النظر الى الحادي عشر من سبتمبر على انه حادث تاريخي، وبالتالي فانعكاساته ذات دلالة كبيرة جدا. لكن هناك عدة اسئلة صادمة تظهر في هذا السياق: هي على التوالي : 1) من هو المسئول؟ 2) ما هي الدوافع؟ 3) ما هو رد الفعل المناسب؟ 4) ما هي العواقب في المدى الطويل؟ اذا تأملنا علامة الاستفهام الاولى فسوف نجد انه تم اعتماد ان القائمين بالهجمات هم اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، وهذا امر معقول. فما من احد يعرف من هم هؤلاء افضل من المخابرات المركزية الاميركية التي جندت مع نظرائها في الدول الحليفة للولايات المتحدة عناصر متشددة من دول كثيرة وتم تنظيمها كقوى عسكرية تستخدم حسب الحاجة، ليس من اجل مساعدة الافغان على مقاومة الاعتداء السوفييتي، الامر الذي كان من الممكن ان يكون هدفا شرعيا، وانما في سبيل الاسباب الاعتيادية للدولة، التي كان لها عواقب سلبية بالنسبة للأفغان لدى وصول المقاتلين المتصارعين الى السلطة. ومن المؤكد ان المخابرات الاميركية تابعت عن كثب فظاعات هذه الشبكات، وخاصة بعد ان اغتالت عناصر معروفة الرئيس المصري انور السادات وتابعتها بشكل مكثف اكثر منذ محاولة تفجير احد برجي المركز التجاري العالمي وأهداف اخرى مرغوبة جدا من قبل المتشددين في عام 1993. ومع ذلك وحتى لو كانت هذه الابحاث العالمية هي الاكثر حدة في تاريخ اجهزة الاستخبارات، الا انه لم يكن من السهل العثور على بيانات «تعرف بمرتكبي اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر». فبعد عام من التفجيرات يعتقد روبرت ميللر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي ان المؤامرة حيكت في افغانستان، لكن خططت ونظمت في جزء آخر من العالم وبعد ان تم تحديد مصدر هجوم الجمرة الخبيثة في المخابر الاميركية المصنعة للأسلحة، لا يزال اصله غير واضح تماما وهذا يدلنا على مدى صعوبة ابطال النشاطات الارهابية المستقبلية. ومع ذلك وعلى الرغم مما هو صعب في مجال توضيح صورة المشهد الحقيقي، الا ان الاستنتاج المبدئي فيما يخص الحادي عشر من سبتمبر من الممكن ان يكون صحيحا. وفيما يتعلق بطبيعة دوافع القائمين بالهجمات تجمع الاوساط الاكاديمية على ادراج الارهابيين في عالم خاص بهم، عالم يقرن من وجهة نظر هذه الاوساط بنشاطات الارهابيين انفسهم خلال العشرين عاما الاخيرة، والتي تهدف كما يقولون الى طرد القوات الغربية واسقاط الحكومات المتعاونة مع الغرب واقامة انظمة مختلفة. وعلى الاقل بالنسبة للذين يتطلعون الى تقليص امكانية ارتكاب جرائم مستقبلية ذات طبيعة مشابهة، فإن الامور الاكثر دلالة هي ظروف السياق التي نشأت فيها هذه المنظمات الارهابية، مما يفترض اختياطياً واسع النطاق لفهم واضح لبعض اجزاء رسالتهم، حتى من جانب بعض الذين يزدرونهم او يخشونهم. ومن اجل وضع هذا في سياق لهجة جورج بوش الحالية نتذكر قوله: «لماذا يحقدون علينا؟»، وهو سؤال ليس جديدا والاجوبة عليه ليس من الصعب إيجادها. فقبل 45 عاما، ناقش الرئيس ايزنهاور وفريقه ما اسماه هو «حملة الحقد ضدنا» في العالم العربي ليس من جانب الحكومات وانما من الناس وحذر مجلس الامن القومي من ان الدافع الرئيسي يأتي من كونهم ادركوا ان الولايات المتحدة تدعم حكومات لا تتبنى الديمقراطية والتطور، وذلك على مذبح القلق على «حماية مصالحها النفطية في الشرق الاوسط». كما وجدت صحفية وويل ستريت جورنال الشيء نفسه تقريبا عندما استقصت في مواقف المسلمين الذين هاجروا الى المغرب بعد الحادي عشر من سبتمبر مشاعر هي اليوم ساخطة جراء السياسات المحددة للولايات المتحدة فيما يتعلق بكل من اسرائيل وفلسطين والعراق. ويفضل المحللون عموما جوابا اكثر تشددا فهناك غيظ يضرب جذوره في الاستياء في حريتنا وحبنا للديمقراطية ومن عجزهم عن تشكيل جزء من الـ «عولمة» يشاركون فيها وهم سعداء وأمور اخرى مشابهة. وهذا رد متشدد لكن ليس فيه من الحكمة شيء.وفيما يتعلق بما هو الرد المناسب فإن جميع الاجوبة قابلة للجدل، لكن يتعين ان تكون جميعها مقرونة على الاقل بالاعتبارات الاخلاقية الأكثر اساسية التي تنعكس في السؤال التالي: اذا كان فعل ما صحيحا بالنسبة لنا أليس صحيحا بالنسبة للآخرين ايضا؟ ان الذين يرفضون ذلك الاعتبار يعلنون ببساطة ووضوح ان الافعال تبررها القوة، وبالتالي من الممكن تجاهله في اي نقاش يتناول ما هو مقر وما هو صحيح او خاطيء في فعل ما وإذن يتساءل المرء عما تبقى من وابل التفسيرات النقاشات الدائرة حول الـ «حرب العادلة» اذا ما تبينا هذا الرأي البسيط. لنبين هذه النقطة ببعض الامثلة غير القابلة للمجادلة لقد مرت اربعون سنة منذ ان امر الرئيس الاميركي الاسبق جون كيندي ببسط «اهوال الارض» على كوبا حتى يتم القضاء على قيادتها وهو ما يعكس غياب الاخلاقيات امام المقاومة الناجمة للعدوان المحمي من قبل الولايات المتحدة. وكانت هذه الاهوال جدية جدا وتواصلت حتى مطلع التسعينيات. ولقد مرت عشرون عاما منذ ان اطلق الرئيس الاميركي رونالد ريجان حربا ارهابية ضد نيكاراجوا مرتكبا فظاعات بربرية وتدميرا واسع النطاق مما اسفر عن عشرات الألوف من الموتى وخلف وراءه بلدا مدمرا، ربما بدون امكانية ان يسترد انفاسه مجددا مما ادى ايضا الى جعل محكمة العدل الدولية ومجلس الامن التابع للأمم المتحدة يدينان الولايات المتحدة بالارهاب الدولي (القرار الذي استخدم فيه البلد المذكور حق النقض). لكن ما من احد يعتقد ان كوبا او نيكاراجوا كان لهما الحق ببث قنابل في واشنطن او نيويورك او باغتيال قادة سياسيين اميركيين. ففي النهاية سيكون من السهل جدا اضافة اشياء عنيفة اخرى تصل حتى الوقت الحاضر. وبالنسبة لأولئك الذين يقبلون بالعناصر الاخلاقية الاساسية اكثر من غيرها فمن الصعب اثبات ان الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى كانتا بازاء ما هو عادل لدى قيامهما بقصف الافغان لدفعهم الى تسليم اشخاص تشك الولايات المتحدة في انهم اقترفوا افعالا اجرامية. هذا كان الهدف الرسمي للحرب المعلن من قبل الرئيس الاميركي عندما بدأ القصف او الاطاحة بحكامهم، هدف الحرب المعلن بعد بضعة اسابيع من بدء العملية العسكرية. اضافة الى ذلك فإن وجهة النظر الاخلاقية ذاتها قابلة للتطبيق على اقتراحات ملونة اكثر مما يتضمن اقتراحا ملائما للفظاعات الارهابية. فلقد اقترح مايكل هوارد مؤرخ الشئون العسكرية عملية بوليسية ترعاها الامم المتحدة.. في مواجهة مؤامرة اجرامية لملاحقة اعضائها واحضارهم امام محكمة دولية يواجهون فيها محاكمة عادلة، وعندما يتضح انهم مذنبون، تطبق عليهم عقوبة مناسبة. وهذا يبدو عقلانيا لكن ماذا سيكون رد الفعل اذا اقترحنا ان يطبق الاقتراح المذكور بشكل عالمي. ان ذلك سيكون عصيا على التفكير وسيوقظ غضبا ورعبا عارمين. وهناك اسئلة مشابهة تظهر حول «عقدة بوش»: الضربة الوقائية ضد تهديدات مزعومة حيث يجب التذكير بأن هذه النظرية ليست جديدة. فمعظم المخططين الاميركيين رفيعي المستوى هم بقايا من ادارة ريجان برهنوا في السابق على ان قصف ليبيا كان مبررا في ظل مقدمة الامم المتحدة المتمثلة في «الدفاع عن النفس ضد هجوم مستقبلي» كما نصح مخططو كلينتون بـ «رد احترازي» (بما في ذلك شن اول هجوم نووي). والنظرية قيد النقاش لديها سوابق بعيدة اكثر. ومع ذلك فإن الجديد في الامر هو التأكيد الفظ على الحق المذكور، وليس سرا ضد من يوجه هذا التهديد اذ ان الحكومة والمحللين يتشدقون بملء حناجرهم بأنهم ينوون تطبيق تلك النظرية على العراق.وبالتالي ظهرت وجهة النظر الاساسية لتبرر ان العراق سوف يطلق ارهابا احترازيا ضد الولايات المتحدة. طبعا ما من احد يقبل بهذا الافتراض. ومن جديد اذا كنا مستعدين لتبني مباديء اخلاقية اساسية، فإن اسئلة واضحة تعترض طريقنا، حيث يتعين علينا مواجهة من يشهرون او يستبيحون نسخة انتقائية لنظرية الـ «الرد الاحترازي» الذي يقدم للأقوياء بما فيه الكفاية الحق بممارستها حيال ما يمكن للعالم ان يفكر به. وبالمناسبة فإن هناك دائما المخرج السهل امام هذه الحجج اي القول: نحن اخيار وهم اشرار. مع ان هذا المبدأ المفيد يدوس اي براهين عملية، فالتحليلات التي يقوم بها المحللون وآخرون كثر من المجمع الاكاديمي تكشف النقاب عن ان مصدر المشكلة يتجذر في ذلك المبدأ الحاسم الذي لا يبرهن ولا يؤكد شيئا. ما هي العواقب على المدى الطويل؟ بالتفكير في المدى الطويل اشك في ان جرائم الحادي عشر من سبتمبر سوف تعجل بتيارات اصبحت لديها مسافة مقطوعة، فنظرية بوش التي اشرت اليها للتو توضح هذه النقطة. فكما تم التكهن في وقت من الاوقات اخذت الحكومات في جميع انحاء العالم الحادي عشر من سبتمبر كنافذة تطل منها على برامجها المتشددة او القمعية، حيث انضمت روسيا الى الائتلاف ضد الارهاب آملة بالحصول على تصريح من اجل مواصلة فظاعاتها الرهيبة في الشيشان ولم يخيب احد املها.كما انضمت الصين لاسباب مشابهة وكانت تركيا البلد الاول في تقديم قوات للمرحلة الجديدة من «الحرب على الارهاب» الخاصة بالولايات المتحدة وذلك كبادرة امتنان، كما اوضح رئيس وزرائها للمساهمة الاميركية في الحملة التركية ضد الشعب الكردي وهي حرب ممتدة بفضل التدفق الهائل لاسلحة الولايات المتحدة، وبذلك تقدم التسهيلات لتركيا على نطاق واسع لتحقيق انجازاتها في حملات تشتمل على اسوأ ما ارتكب في ظلال التسعينيات، ومنحت الولايات المتحدة نفسها صلاحية حماية «كابول» من الارهاب برعاية القوة العظمى ذاتها التي هيأت الوسائل العسكرية والدعم الدبلوماسي والايديولوجي لارتكاب فظاعاتها الراهنة، ولقد اعترفت اسرائيل بأنها ستكون في ظروف افضل لسحق الفلسطينيين بشكل اكثر وحشية مما هو عليه الحال بعد مع دعم راسخ اكثر من واشنطن وهكذا يحصل الامر نفسه في جميع انحاء المعمورة. اتخذت المجتمعات الاكثر ديمقراطية، بما فيها الولايات المتحدة، اجراءات من أجل فرض الانضباط على سكانها ومن اجل تثبيت اجراءات غير شعبية بهدف «محاربة الارهاب» مستغلة جو الخوف والمطالبة بالـ «وطنية». مما يعني على الصعيد العملي: «عليكم بالصمت أما أنا فسأتابع اجندتي بشكل لا يرحم!». فلقد استغلت حكومة بوش الفرصة من اجل بسط هجومها ضد غالبية السكان في خدمة المصالح الغليظة الخاصة بالجهات المسيطرة على حكومته الى درجة تذهب الى ما هو ابعد من المعتاد. خلاصة القول، ان التنبؤات الاساسية مؤكدة بشكل واسع، اذ ان احد الانجازات الرئيسية يتمثل في انه اصبح للولايات المتحدة ولاول مرة قواعد مهمة في اسيا الوسطى، وهذه القواعد اساسية من اجل فرض الشركات الاميركية متعددة الجنسيات، بشكل مؤات، في الـ «لعبة الكبرى» الراهنة للسيطرة على موارد المنطقة المعتبرة، لكن ايضا من اجل اغلاق الدائرة التي تمتد لتطال الموارد الكبرى للطاقة في العالم، والموجودة في منطقة الخليج. فنظام القواعد الأميركية الذي يضع الخليج كهدف له، يتطاول من المحيط الهادي الى «دييجوجارسيا» والآن تحسن موقعها كثيرا الى درجة انه اذا اعتبر تدخل ما ملائما ويكون الانتشار اسهل بكثير. ان حكومة بوش تدرك هذه المرحلة من الـ «حرب ضد الارهاب» التي تتجاوب الى حد بعيد مع الـ «الحرب ضد الارهاب» المعلنة من قبل ريجان قبل عشرين عاما خلت وتدرك كذلك الفرصة من أجل بسط شروطها العسكرية، التي اضحت مسيطرة بذاتها، على باقي العالم، وذلك للانتقال فيما بعد الى اساليب اخرى تضمن لها السيطرة الشاملة. لقد تم عرض فكرة الحكومة الأميركية بوضوح على لسان مسئوليها المرموقين وحسب الـ «نيويورك تايمز» اوضح احد هؤلاء المسئولين انه «اذا بدا للسياسيين العرب اننا كنا اقوياء في « عاصفة الصحراء»، فاننا الآن اقوى بعشرة اضعاف. وكان هذا من اجل اعطائه فكرة عما عنته افغانستان فيما يتعلق بامكاناتنا». ولقد فسر محلل مخضرم في شئون الدفاع ذلك ببساطة قائلا: «سيحترمنا اخرون بسبب فظاظتنا، ولن يتحدونا». وذلك الموقف له سوابق كثيرة، لكن اعتبارا من الحادي عشر من سبتمبر، بدأ يأخذ قوة متجددة.نحن لا نعتمد على وثائق داخلية، لكن من المتيسر التأمل ان تلك العواقب كانت احد الاهداف الاصلية لقصف افغانستان، اي تحذير العالم مما تستطيعه الولايات المتحدة، اذا تجاوز احد ما الحد المعقول.وكان لقصف صربيا دوافع مشابهة، فلقد كان الهدف الرئيسي منه «التأكيد على مصداقية حلف الناتو» وذلك كما اوضح لنا كل من بلير وكلينتون ـ وهما لم يشيرا بذلك الى مصداقية النرويج او ايطاليا، وانما الى مصداقية الولايات المتحدة. وهذا شأن مشترك في فن الحكم وفي أدب العلاقات الدولية، وله اسبابه، مثلما يكشف لنا التاريخ بشكل واسع. وفي النهاية نقول ان العناصر الأساسية للمجتمع الدولي تبدو انها مستمرة كما كانت، لكن بدون شك، حرض الحادي عشر من سبتمبر على احداث تغييرات، وفي بعض الحالات، تبدو المقتضيات مهمة، لكنها ليست واعدة كثيرا. بقلم : نعوم تشومسكي ترجمة: باسل أبو حمدة عن «لاهورنادا» ـ المكسيك