الاثنين 16 رجب 1423 هـ الموافق 23 سبتمبر 2002 لا يعيد اجتماع وزراء النفط في دول اوبك في أوساكا اليابانية تذكير العالم بقوة هذا التجمع الدولي فحسب، بل هو يذكر على نحو أبعد بقوته ازاء مضيفيهم اليابانيين، فعلى الرغم من قضاء اليابان لعقود من الزمان وهي تحاول تطوير مصادر أخرى للطاقة، حيث تستورد كامل احتياجاتها من النفط فإنها أكثر اعتماداً على النفط الخام من الشرق الأوسط مما كانت عليه في عام 1973 الذي شهد فرض أول حظر نفطي على العالم. ففيما هزت تلك الصدمة الاقتصاد الياباني، فإنها ايضاً أدت لارتفاع كبير في الاسعار، ودفعت المستهلكين للتهافت على تخزين السلع اليومية من مساحيق الغسيل الى السكر والمناديل. هذه الذكريات التي تعتبر تاريخاً قديماً في اليابان، عادت الى واجهة الاحداث، فيما الحديث عن حرب جديدة في الشرق الأوسط يتصاعد، فالاقتصاد الياباني يعتمد الى حد كبير على صادرات الآليات والفولاذ وغيرها من السلع حتى ينمو. وفيما تتراجع حصص انتاج أوبك على مدى الـ 11 عاماً الماضية، فإن أي انقطاع لتدفق النفط من الشرق الأوسط يمكن ان يشل المصانع اليابانية، ويعيد اليابان الى الركود الاقتصادي من جديد. إن نفط الشرق الأوسط عامل محوري بالنسبة للاقتصاد الياباني الذي يعطي طوكيو دورها العالمي. ولم يكن رئيس الوزراء الياباني في كونشيرو كويزومي المتردد في اثارة مشاعر الدول المنتجة للنفط إلا انه أكد دعمه لحملة الرئيس جورج بوش ضد العراق، غير ان المحللين يقولون ان اليابان قد لا توفر في نهاية الأمر أكثر من دعمها المعنوي لهذه الحرب. ولاتزال اليابان واثقة انها قادرة على ضمان امدادات كافية من النفط لتعويض أي تراجع مؤقت في امتدادات النفط من الشرق الأوسط. فالبلاد تحتفظ بخزين هائل يكفيها 171 يوماً. كما ان اليابانيين يفترضون ان بعض المنتجين سيزودون من انتاجهم لتعويض التراجع عند منتجين آخرين وهو ما فعلته السعودية خلال حرب الخليج. كما ان اسواق الامدادات الفورية هي خيار أكثر تكلفة. غير ان العديد من المحللين يقولون ان الاعتماد على مثل هذه المصادر لا يوفر إلا احساساً زائفاً بالأمن. فرئيس الوزراء الياباني الأسبق تسوتومو هاتا يتذكر كيف ان المقاطعة النفطية في السبعينيات قد هوت بالاقتصاد العالمي. وقال وهو يستذكر عمليات التسوق المذعورة في اليابان والطوابير الطويلة الممتدة أمام محطات البترول في أميركا ان السياسيين وشركات النفط لم تبد سوى أداء ضعيف للبحث عن بدائل نفط الشرق الأوسط. ويقول هاتا: «من الخطر جداً بالنسبة لدولة تستهلك هذا القدر من الكهرباء، مثل اليابان، ان تعتمد الى هذا الحد البعيد على نفط الشرق الأوسط». وكانت الاحداث التي شهدها العام قبل عشرين عاماً قد أصابت هاتا بالصدمة حتى انه خلال الصيف أخذ يلبس بدلة رسمية بنصف كم، ليحث مواطنيه على ايقاف عمل مكيفات الهواء لديهم. بالتأكيد بذلت اليابان جهوداً أكثر من أي دولة اخرى لتنويع استراتيجية الطاقة لديها على مدى العقود الثلاثة الماضية. فقد بنت محطات نووية للطاقة وزادت وارداتها من الغاز الطبيعي. وبدافع من السياسات التشريعية، لم تفلح اليابان في تقليص استهلاكها من الطاقة فحسب، بل طورت ايضاً سيارات والكترونيات وآلات اقتصادية جداً في استهلاك الطاقة. وتعتمد اليابان الآن على النفط لتوفير 52% من احتياجات الطاقة فيما كانت النسبة 73% في أواسط السبعينيات. كما ان اليابان لا تستمد سوى 1% فقط من وارداتها النفطية من العراق وهو ما تبين أهميته اليوم. ومع ذلك تبقى اليابان شديدة التأثر الى حد الخطر بالاحداث في الشرق الأوسط، فهي تستورد الآن 87% من نفطها من المنطقة وهو المعدل الأعلى منذ عام 1969. والسبب الرئيسي في ذلك هو المنافسة المتزايدة على مشتريات النفط التي تواجهها مع الصين واندونيسيا وماليزيا التي قللت صادراتها النفطية وزادت وارداتها لتدوير عجلة اقتصادياتها. ويتوقع ان يصبح النفط عام 2020 مصدراً أكبر للطاقة في الصين مما هو في اليابان تبعاً لتقديرات معهد اقتصاديات الطاقة الياباني. وبخلاف اليابان التي تواجه المصاعب في العثور على بدائل محلية للطاقة، تستطيع الولايات المتحدة زيادة وارداتها النفطية من المكسيك وكندا وغيرها من دول الجوار اذا ما توقف الامداد من الشرق الاوسط كذلك فإن الدول الاوروبية تستطيع تعويض النقص من مصادر النفط في بحر الشمال وروسيا وافريقيا. ومع تضييق خيارات الشراء في السنوات الخمس عشرة الماضية عدلت المصافي اليابانية من عملياتها لتتعامل مع النفط الشرق اوسطي ومما زاد المشكلة ان سوق النفط الياباني الداخلي قد فقد جزءاً من القوانين الناظمة لعمله عام 1996 مما اجبر مصالح النفط التي ظلت محمية من المنافسة الدولية طويلاً على تقليل سعتها الانتاجية، ومع تضييق هوامش العمل، اصبح معظمها مترددا في الاستثمار بالتجهيزات اللازمة لمعالجة انواع اخرى من النفط المستورد من روسيا والمكسيك وغيرها. وقد فشلت الى حد كبير جهود الحكومة اليابانية لمساعدة الشركات على العثور على موارد نفط جديدة وهي النقطة التي اصبحت موضع جدل في البلاد حينما خسرت شركة النفط العربية اليابانية موطيء قدمها في حقول النفط على الحدود الكويتية السعودية، كما ان اليابان لاتزال تفتقد لشركات النفط التي تمتلك رأس المال والتقنية اللازمين للكشف عن كميات وافرة من النفط، وطوال عقود وفرت شركة النفط الوطنية اليابانية المدعومة من الحكومة تحويلاً منخفض التكلفة لمساعدة مصافي النفط. ومع ذلك فإن هذه الشركة العامة قد تعرضت لهجوم شديد نتيجة تراكم الديون عليها وتشجيعها الشركات على الاستثمار في مشاريع ما كانت لتدخلها لولا هذا التشجيع. يقول كيتشي يوكوبوري المدير التنفيذي لمعهد البحوث والابتكارات في طوكيو «شركات النفط اليابانية تمثل مشروعات عالية المخاطرة ربما كانت هناك مجازفة معنوية لان مصافي النفط شعرت انها تستطيع احتواء اي مخاطر بوجود الحكومة معها». يذكر ان 25 في المئة فقط من واردات النفط اليابانية تأتي من حقول لشركاتها حصة فيها، وقد تخلت الحكومة عن هدفها السابق برفع هذه النسبة الى 30 في المئة. ودفع فقدان حصص النفط العربية اليابان لمحاولة الوصول الى حقول النفط في ليبيا وايران وعدة دول اميركية لاتينية. لكن هنا ايضا توجب على الشركات اليابانية ان تزاود على عمالقة عالميين مثل اكسون مويبيل ورويال دوتش/شيل وان تتكامل مع مصافي نفط ذات جذور اعمق في المنطقة وفي اقتصاديات كبيرة للتربح من النفط. وقد ركزت اليابان بدلاً من ذلك للابقاء على الحركة في مصانعها ومستوى المعيشة عند مواطنيها على تشكيل عادات استهلاك محلية وتنويع مصادر الطاقة، والابرز في هذا المجال هو دعمها الطاقة النووية التي تضاعفت ثلاث مرات في العقدين الاخيرين لتصل الى 12 في المئة من اجمالي الطاقة المنتجة في البلاد. لكن هذا البرنامج تعرض لضربات نتيجة عدة حوادث من بينها حادث شمال طوكيو عام 1999 لقي فيه عاملان حتفهما، وتطور موقف اكثر عدائية من هذه الطاقة هذا الشهر حين اعترفت اكبر شركة طاقة نووية في البلاد وهي شركة طوكيو للطاقة الكهربائية بأنها زودت سجلات السلامة في محطاتها النووية لأكثر من 15 عاماً وكان هذا الكشف اكثر ارباكا للحكومة لان المشرعين كانوا يعرفون هذه الحقيقة منذ سنتين دون فعل شيء لاحاطة العامة به علماً. ونمو الطاقة النووية اليابانية مرشح للتراجع وليس التسارع فمع توقع نمو الاقتصاد بمعدل 1.5 في المئة سنويا على مدى العقد المقبل يتوقع ازدياد الطلب على الكهرباء، كما ان التكلفة المرتفعة لبناء وتشغيل وصيانة المحطات النووية سبب آخر تجعل اليابان تتوقع ان تبني حوالي 10 محطات نووية جديدة فقط حتى عام 2010 مقارنة بعشرين محطة كما كان مخططاً. كما وسعت اليابان من استخدامها للغاز الطبيعي الذي يوفر الآن حوالي 13 في المئة من الطاقة اللازمة لها، اي حوالي نصف المعدل السائد في الولايات المتحدة وأوروبا وهنا تلعب الجغرافيا دوراً مهماً اذ باعتبار ان موارد الغاز الطبيعي منخفضة جداً في اليابان تضطر لشرائه من اندونيسيا وغيرها، وحتى يمكن شحن هذا الغاز لابد من اسالته مما يزيد تكلفته. وللالتفاف حول هذه المشكلة مشكلة الشركات التجارية والنفطية اليابانية قام تكتل من الشركات بمد خط انابيب من اقليم ساخالين في شرق روسيا الى اليابان بطول يزيد على 200 ميل يعبر اجزاء من المحيط الهادي، وقد نشرت الشركة اليابانية للتنقيب عن النفط وهي كبرى شركات التكتل تقريراً الشهر الماضي يقول ان الخطة اثبتت جدواها الاقتصادية والتقنية، غير ان هذا الخط سيمر عبر بحار هائجة دون ان تفصح الشركات عن كيفية تعويضها للصيادين الذين يجوبون هذه المياه اذا ما اجبروا على الخروج منها. وقد يبدأ انشاء الخط الذي قدرت بعض المصادر تكلفته بحوالي 12 مليار دولار عام 2005، يوفر لليابان ما يوازي مليوني برميل من النفط، غير ان التكتل لم يحصل حتى الآن على ضمانات من الشركات لشراء هذا الغاز الذي يقول الخبراء انه سيكون مكلفاً لان بناة الخط يريدون تعويض استثماراتهم فيه.وعلى الرغم من هذه الصعوبات فقد حققت الحكومة بعض النجاح في مناوراتها، فنهاية العقد الحالي يتعين على المنشآت استهلاك نسبة ثابتة من الطاقة المتجددة مثل طاقة الشمس او الرياح على الرغم من أن اسعار مثل هذه الطاقة سيظل مرتفعا، كما ان القوانين الجديدة ستجبر الشركات الصناعية على زيادة كفاءة استهلاك الطاقة في الحاسبات ومكيفات الهواء وغيرها من الالكترونيات بنسبة تصل حتى 80 في المئة. كما ان شركتي تويوتا وهوندا بحث من الحكومة تقودان الآن الجهود الدولية في مجال صناعة السيارات لتطوير سيارات تعمل بالمحركات الهجينة، غير ان السيارات العاملة بخلايا الوقود وهي الهدف النهائي لهذه الجهود لاتزال مكلفة جداً للبدء في انتاجها ويعتقد خبراء صناعة السيارات ان محركات الاحتراق الداخلية الحالية ستبقى على مدى عقود قادمة على الاقل، وفي غضون ذلك تواصل حاجة اليابان للنفط المستخدم في التدفئة والمواصلات في الارتفاع بشكل يتجاوز الانخفاض الناجم عن جهود خفض الاستهلاك. ترجمة: جلال الخليل عن «نيويورك تايمز» الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |