الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 الطرف الغربي الذي سرب صيغة بيان حركة فتح في الاسبوع الماضي، والذي تدعو فيه الحركة الى التوقف عن التعرض للمدنيين الاسرائيليين، كان يقصد عمل الخير بالتأكيد. ربما رغب في حث نشطاء فتح الذين طالت نقاشاتهم الداخلية ومداولاتهم مع المستشارين الغربيين وبدأ موقفهم غير المعلن يفقد حيويته السياسية. ربما أراد ذلك الطرف ـ الذي سرب صيغة البيان بالانجليزية لوسائل الاعلام الغربية (وهناك من يقول مسودة البيان) وليس العربية كمحطة الجزيرة مثلا ـ ان يبرهن للرأي العام في الولايات المتحدة واسرائيل تحديدا ان «هناك من يمكن التفاوض معه». ولكن هرولته نحو وسائل الاعلام برهنت على ان فهمه للسياسة الفلسطينية مصاب بالنقص، وان اكتراثه لهذه السياسة أقل من اهتمامه بنفوس الاسرائيليين. طوال العامين الماضيين كان ممثلو الدول المانحة يحثون ياسر عرفات بشكل متواصل على التوجه بصوته ولغته لوسائل الاعلام الفلسطينية بعبارات الشجب للمس بالمدنيين الاسرائيليين. فلماذا لا يكون ما ينطبق على ياسر عرفات ملائما لحركته ايضا؟ لماذا يجب الافتراض ان البيان موجود فقط لان طرفا غربيا فقط يقوم بتسريبه بالانجليزية والنسيان ان الرأي العام المستهدف يجب ان يسمعه لأول مرة بالعربية ومن دون خاتم صلاحية غربي؟. من المحتمل ان يكون التسريب قد حدث بعد ان قامت أطراف في فتح من الذين شاركوا في اعداد البيان باعطاء الطرف الغربي ضوء اخضر للنشر. ولكن الجدل حول التسريب عاد ورفع من مستوى الاحتكاكات الشخصية التي تميز حركة فتح. هذه هي بالضبط الاحتكاكات التي ملها مسؤولو فتح المشاركون في المداولات حول البيان. والمداولات بين اعضاء فتح في الاشهر الاخيرة حول الحاجة للتغيير سبقت طلب الجهات الغربية هذه، وسبقت العلاقات التي انشأها هؤلاء الغربيون مع اثنين أو ثلاثة من المسئولين في فتح. تركيز الجهات الغربية على «اسم» واحد أو اثنين من النشطاء الكبار باعتبارهم مهمين وممثلين للحركة لا يتلاءم مع المزاج السائد الآن في فتح: فلم يعد في الحركة نجم واحد يقرر للباقين، وانما مجموعة ذات حقوق وواجبات متماثلة لكل فرد من أفرادها. التسريب حول البيان جاء في ذروة الخطوة التي اتخذها اعضاء فتح في المجلس التشريعي - التصويت بحجب الثقة عن الحكومة التي شكلها عرفات. وللمرة الاولى منذ سنوات يتمسك الجميع بقرارهم ويعملون كجسم واحد. ولم يكن صدفة ان أبرزهم كانوا ايضا مشاركين ونشطين في المداولات حول البيان الذي تم تسريبه. موقفهم السلبي من المجلس الوزاري الذي شكله عرفات واسلوب حكمه الفردي، وموقفهم القائل ان المس بالمدنيين الاسرائيليين يتناقض مع حل الدولتين الذي ينادون به، نابع من المصدر نفسه: من الادراك والاعتراف ان القيادة الفلسطينية كلها بما فيها حركتهم وهم انفسهم، قد فشلت في السنوات الاخيرة في وضع استراتيجية واضحة، ومن الاعتراف بأنهم قد انجروا وانقادوا ولم يقودوا. ترتيب الخطوات المرغوب في نظرهم كان مغايرا لما أملته وفرضته عملية التسريب: أولا نجاح سياسي في المجلس التشريعي وبعدها التوجه مباشرة الى الشعب الفلسطيني (فقط بعد توسيع اللقاءات مع القاعدة والضواحي الأكثر قربا من الشبان المتطوعين في كتائب شهداء الاقصى)، وبعد ذلك فقط عقد مؤتمر صحافي معد جيدا وبالعربية. احدى الظواهر السلبية في حركة فتح كانت الرسائل المختلطة المتناقضة التي طرحتها على الجمهور في العامين الاخيرين. المسئولون انجروا وراء النشطاء المحليين الذين أصابتهم الغيرة من «حرية الانتحار» التي تتمتع بها حماس وأصابهم الاحباط من قدراتهم العسكرية الشحيحة في مواجهة الجيش الاسرائيلي. صحيح ان المسئولين في فتح قالوا في عدة مناسبات انهم يعارضون المس بالمدنيين، ولكنهم عرفوا ايضا انهم غير قادرين على المطالبة وفرض عدم المس بالمدنيين. وهؤلاء القادة ملتزمون تجاه أتباعهم حتى وان لم يصغوا للتحذيرات السابقة: مسئولين تجاه المعتقلين والسجناء من اعضاء فتح، وتجاه المطلوبين «الكبار» و «الصغار» الذين يعرفون انهم قد يلقوا حتفهم في عملية اغتيال. وخلافا لتقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية، هناك اقتناع عند الفلسطينيين ومنهم قادة فتح، ان غياب احتمالات حدوث تقدم سياسي سيجدد العمليات الموجهة ضد المدنيين الاسرائيليين. لذلك يتوجب على قادة فتح هؤلاء ان يبرهنوا لجمهورهم على ان مواقفهم في قضية العمليات وفي قضية تبني الديمقراطية الضرورية في الحكم الفلسطيني ليست نابعة بالأساس من اعتبارات شخصية تدور حول اعادة توزيع الكعكة، وانما من اقتناع داخلي بأن هذا هو الطريق الصحيح للخلاص من الأزمة العسكرية والوطنية. لذلك كان من الأجدر ان يتوجهوا لجمهورهم أولا، لا ان يثيروا الانطباع بأنهم خائفون من قول موقفهم جهارا، وألا يختبئوا خلف أطراف غربية. بقلم: عميرة هاس عن «هآرتس» الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |