الاحد 15 رجب 1423 هـ الموافق 22 سبتمبر 2002 على قاعدة الانتفاضة والصمود الفلسطيني تحطمت استنساخات اتفاقيات أوسلو، وتحول اتفاق أوسلو ذاته الى أشلاء. وعادت الى الصدارة قضية فلسطين باعتبارها قضية عادلة ونبيلة لحركة تحرر وطني أمام جبروت القوة الطاغية. وفي هذا الميدان من الصراع الدامي مع الاحتلال تكرست حقيقة أن: لا حل ولا تسوية في المنطقة بأسرها من دون الاقرار الاسرائيلي والأميركي بالحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني، وعلى الأخص منها حق اللاجئين في العودة. فقد حركت الوقفة الجبارة للشعب الفلسطيني في الداخل وتعاظم دور اللاجئين الفلسطينيين حلم العودة المشروع في أفئدة الملايين من أبناء فلسطين المشتتين منذ عام النكبة على قوس واسع في الجوار المحيط بالأرض الفلسطينية (143). وبعد انتقال ثقل العمل الوطني الفلسطيني من الشتات الى الداخل، وهو تحول نوعي كبير بكل المقاييس، وبعد أكثر من عقد على مسيرة تسوية (مدريد ـ أوسلو) المختلة والمختنقة على مسارها الفلسطيني ـ الاسرائيلي عند حدود ما آلت اليه الأمور، انهارت تسوية أوسلو ـ مدريد، وانطلقت الانتفاضة الفلسطينية ـ انتفاضة الأقصى والاستقلال بعد احتقان طال وامتد على مسار اكثر من عشرة أعوام من عمر التسوية الجارية، وعليه جاء الانهيار شبه الكامل لنهج التفاوض بين الطرفين الذي انحكم لسياسة الخطوة خطوة، وأسلوب تجزئة مراحل الحل وترك القضايا المصيرية الجوهرية معلقة في الهواء كقضية الاستيطان الجائر وقضية اللاجئين (144). وفي الجانب الآخر من ضفة الصراع أطلق رئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون بعد وصوله الى موقع القرار في الدولة العبرية موقفه الداعي للتوصل الى حل مرحلي طويل الأمد مع الطرف الفلسطيني، ناسفاً المرجعية الشرعية وقرارات الأمم المتحدة، كما كرر هذا الموقف في زياراته التي تواترت الى واشنطن، وأثناء لقائه مع الرئيس جورج بوش بعد اتمام المرحلة الأولى من اجتياح «السور الواقي» (145). عركة سياسية قاسية في سياق سلسلة عمليات شطب وانهاء منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الوطني الكبير الجامع والموحد لكل الشعب الفلسطيني بين الداخل والشتات، جاءت المخاطر متزايدة نتيجة شطب والغاء بنود الميثاق الوطني الفلسطيني بأكثر من 28 مادة من أصل 33 مادة هي مواد الميثاق وبنوده (146). والحدود لا تقف عند الغاء الميثاق، فالميثاق قابل للتعديل فلسطينياً من دون المساس بالثوابت والأساسيات (147)، لكن سلطات الاحتلال ومعها الولايات المتحدة تريدان انهاء الصفة السياسية التوحيدية الجامعة والناظمة لكل الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في اطار منظمة التحرير، والغاء الميثاق خطوة رئيسية في سياق تبديد النواظم التي توحد الشعب الفلسطيني، وتثير الانقسام في صفوفه، والاجهاز على ما تبقى من هياكل لمنظمة التحرير واحلال سلطة الحكم الذاتي مكانها كممثل للفلسطينيين في الداخل وترك الشتات الفلسطيني بدون مرجعية وتحت رحمة مشاريع التوطين والتهجير. ان المعادلة اللامتوازنة أوجدت منطق الاختلال في التعاطي مع الوضع الحالي من جانب الادارة الأميركية عندما تم القفز عن حقيقة ان الدولة الصهيونية يجب ان تبدأ من ذاتها أولاً بالغاء اعلان قيام دولة اسرائيل الذي أعلنه بن غوريون عام 1948، وهو الاعلان الذي يعتبر ان الدولة اليهودية هي الوريث الكامل لفلسطين التاريخية فضلاً عن اعتباره بأن حدود التوسعة الاسرائيلية مفتوحة الى الحدود التي تستطيع ان تصل اليها أقدام جنود جيش الاحتلال. ومع هذا لم نسمع من أحد من دعاة الغاء الميثاق يطالب الدولة الصهيونية بالغاء بنود اعلانها كما أطلقه بن غوريون في 15 مايو 1948، والغاء قانون «العودة الاسرائيلي الصهيوني». وعلى هذا الأساس فان الحفاظ على قضية اللاجئين وحقهم في العودة الى أرض الوطن يقتضي بالضرورة الحفاظ على الحاضنة الوطنية الفلسطينية وعلى الكيان التمثيلي للشعب الفلسطيني الواحد الموحد ومواجهة عملية الغاء الميثاق بموقف جدي يعيد الاعتبار للثوابت الجامعة التي توحد الشعب الفلسطيني، وترفض عملية التزوير التاريخي البشع التي يراد من خلالها قولبة ميثاق جديد لا علاقة له بالشعب الفلسطيني ولا بحقائق المنطقة والصراع المستمر ضد المشروع الصهيوني. وبكل الحالات، يواجه الفلسطينيون في المرحلة التي تلت عملية «السور الواقي» الشارونية (148) «عركة سياسية» قاسية تستكمل ما تم انجازه اسرائيليا وأميركياً على صعيد تهميش قضية اللاجئين وباقي القضايا الجوهرية، وعنوانها اعادة قولبة الوضع القيادي الفلسطيني ليصبح في حالة استجابة مرتفعة لما هو مطروح اسرائيلياً وأميركياً، وعلى هذا تتكثف الجهود الأميركية الساعية لتحقيق عدة أغراض دفعة واحدة يقف على رأسها انزال المزيد من التفكك والانقسام داخل صفوف منظمة التحرير والايغال أكثر فأكثر في تهميشها وازاحتها عن الطريق، وتصنيع قيادات وأطر ومؤسسات فلسطينية أمنية وعسكرية بل وسياسية «تهبط عليه بالمظلات» وممسوكة باليد الاسرائيلية الأميركية. ومن هنا فان مصائر الشعب الفلسطيني، ونتائج الحراك الهائل الدائر على أرض الضفة والقدس والقطاع مع انفلات القمع الفاشي الاسرائيلي وتواصل الفعل الانتفاضي الفلسطيني بتجلياته المختلفة، تتوقف في جانب مهم منها على قدرة الفلسطينيين على اعادة توحيد الصف السياسي، ونقل الوحدة الميدانية التي تجلت في الانتفاضة من مستوى التنسيق على الأرض الى وحدة وطنية وسياسية في اطار منظمة التحرير والقرار المشترك، الأمر الذي يقتضي اعادة احياء منظمة التحرير وبعث الروح بكافة هيئاتها ومؤسساتها. فالسلطة الفلسطينية تمثل جزءاً من الشعب على جزء من الأرض بينما تمثل منظمة التحرير كل الفلسطينيين في الداخل والشتات، وتشكل ضمانة قوية لوحدة الطاقات الفلسطينية واستمرار الترابط بين الداخل والشتات وابقاء قضية العودة وحق اللاجئين حية أمام محاولات شطبها.ونستطيع القول ان وصول المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية الى عنق الزجاجة لم يأت بفعل التباين على تفسيرات اتفاق أوسلو واستنساخاته، بل نتيجة منطقية للتصادم بين البرنامج الوطني الفلسطيني المنسجم مع قرارات المرجعية الدولية، وهو البرنامج نفسه الذي أطلقته منظمة التحرير عام 1974 وحق الشعب الفلسطيني في العودة والاستقلال وتقرير المصير، وبين برنامج التسوية الاسرائيلية للحل الدائم، وهو البرنامج القائم تحت سقف معادلة القوة كما يعمل شارون له الآن بقوة البارود والنار(149). ان استعصاء المفاوضات عند عدد من العناوين يؤشر بوضوح الى عمق الأزمة التي وصلت اليها المفاوضات المختلة كنتيجة حتمية للقفز على قرارات الشرعية الدولية، وخاصة القرارات التي تستجيب لحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال وتقرير المصير، والقرار 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة. فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر من عام 1948 قرارها الرقم 194 ( د ـ 3) الذي ينص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم وممتلكاتهم، ومنذ صدور هذا القرار والجمعية العامة للأمم المتحدة تجدد التأكيد عليه في كل دورة من دوراتها الاعتيادية، فأعادت الأمم المتحدة تأكيدها على القرار المذكور 110 مرات منذ صدوره باجماع العالم بما في ذلك الولايات المتحدة بعد توقيع اعلان المبادئ (اتفاق أوسلو الأول) في 13 سبتمبر 1993، بينما تمتنع اسرائيل عن التصويت حيث ان قبول عضويتها في الأمم المتحدة تم ربطه بعدم اعتراضها على القرار194. والان تحولت الولايات المتحدة من موقف التأكيد على القرار الى الامتناع عن التصويت، وذريعة واشنطن في هذا التحول : ترك الأمور لمسار المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية، وباعتبار ان قضية اللاجئين مدرجة على جدول الأعمال في المفاوضات متعددة الأطراف في اطار لجنة اللاجئين، ولا يخفي هذا الموقف حقيقة سعي الولايات المتحدة لتكريس تسوية بعيدة عن قرارات ومرجعية الشرعية الدولية، وشطب قرارت الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين تحت يافطة توصل الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي الى تسوية وسلام. التجاوز الرباعي ان القرار 181 الصادر في 29 نوفمبر لعام 1947 عن هيئة الأمم المتحدة، والقاضي بتقسيم فلسطين التاريخية الى دولتين، واحدة عربية فلسطينية، والثانية يهودية مع بقاء جميع مواطنيها العرب الفلسطينيين فوق أرضهم، اضافة لجيب دولي في منطقة القدس يعني في جملة ما يعنيه ضرورة عودة من غادر فلسطين قسراً من أبنائها (150). وهذا القرار الدولي الذي لايزال من الناحية القانونية يحتفظ بقوته الشرعية تجاوزته الدولة الصهيونية أربع مرات : ـ المرة الأولى في حرب 1948 حين توسعت الدولة اليهودية العبرية على امتداد 77 بالمئة من ارض فلسطين التاريخية، بينما القرار الخاص بالتقسيم، لم يعطها اكثر من 55.5 بالمئة من المساحة جلها، في منطقة النقب، وتجاوزته بتهجير اكثر من 800 ألف من المواطنين الفلسطينيين أصحاب الأرض من المناطق المخصصة للدولة اليهودية، بالرغم من ان قرار التقسيم يؤكد على حقهم في البقاء فوق أرضهم داخل المساحات المخصصة للدولة اليهودية. ـ وتجاوزته مرة ثانية، في العاشر من مارس 1949، باحتلال شريط منطقة أم الرشرش ( ايلات ) المصرية بعملية عسكرية قادها الجنرال اسحاق رابين، وعرفت باسم عملية «عفوداه» وهي كلمة عبرية تعني الأمر الواقع. وتبلغ مساحة هذا الشريط المحتل منذ عام 1949 ما يقارب مساحة الجزء المحتل من هضبة الجولان السورية، أي بحدود 1280 كيلو متراً مربعاً. والزحف المستمر في منطقة خط الهدنة مع سوريا على طول المنطقة الممتدة من جنوب بحيرة طبريا مروراً بسهل الحولة، حتى منابع المياه في جبل الشيخ. ـ وتجاوزته مرة ثالثة في حرب 1956 بالتمدد وقضم أجزاء من مناطق شمال شرقي قطاع غزة وريف الضفة الغربية، خاصة في الأراضي الريفية المحاذية لمنطقة المثلث. ـ وتجاوزته مرة رابعة، بالاستيلاء التام على كامل ارض فلسطين التاريخية أثناء عدوان يونيو 1967، فضلاً عن التوسع على الأراضي العربية في الجولان وسيناء واجزاء من أغوار الأردن ( منطقة الباقورة ) وجنوب لبنان. والتجاوزات التي وقعت بعملية «الليطاني» 1978 بغزو جنوب لبنان، وعملية «السلام للجليل» بالغزو الشامل عام 1982، وقبل ذلك ضم أجزاء من منطقة العرقوب جنوب لبنان، في مناطق مزارع بلدة شبعا اللبنانية، بالزاوية الضيقة لجبل حرمون (الشيخ) في المثلث السوري ـ الفلسطيني ـ اللبناني عام 1968. وفي سياق النضال الفلسطيني والعربي من أجل حق العودة يمكن للقرار 181 ان يستعيد حضوره بشكل مؤثر، فالقرار نفذ في شق واحد منه باقامة الدولة اليهودية العبرية وبحدود توسعية تجاوزت القرار مرات عديدة، بينما تم تعطيل الشق الآخر من القرار القاضي باقامة الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى أرضهم التاريخية ضمن المساحات المخصصة للدولة العبرية. ان الأوساط الاسرائيلية الحاكمة وغير الحاكمة يتزايد قلقها من بعض الاشارات العربية والدولية المؤثرة بشأن القرار رقم 181 للجمعية العامة للأمم المتحدة للعام 1947، ومن امكانية انبعاث موقف عربي جديد في وقت لاحق، يتبنى اعادة طرح القرار بقوة في المجتمع الدولي. ان العدو الاسرائيلي يجب ان يجد نفسه أمام احياء مشروعية الدولة الثانية، الدولة العربية الفلسطينية، التي نص على اقامتها القرار 181، وفي مساحات من فلسطين التاريخية، تفوق كثيراً مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة وتصل الى نسبة 47 بالمئة من مساحة ارض فلسطين التاريخية. وهنا، لا يفهم بأن الأوضاع الذاتية والدولية والاقليمية المحيطة، تسمح للشعب الفلسطيني وقيادته في اطار منظمة التحرير الفلسطينية ان يكونا على أبواب تطبيق القرار181 (151).. فموازين القوى المناسبة غير متوفرة حتى الآن، لا محلياً ولا اقليميا ولا دولياً. ولكن المهم هو المبدأ، هو التشكيك الدائم في الرواية الاسرائيلية المزورة للتاريخ، وللشرعية الدولية، وفي استمرار الاستهتار الاسرائيلي بالموقف الدولي للعالم بأسره، وليس فقط في الموقف الفلسطيني. طريق المراجعة النقدية هذا الطريق، طريق المراجعة النقدية الجادة لاحياء المرجعية الواحدة الموحدة المسئولة والمعنية برسم مصير ومستقبل الشعب الفلسطيني وفي المقدمة التمسك بحق اللاجئين في العودة، وانتشالها من سباتها العميق، يمكّن من تجميع عناصر القوة الفلسطينية من جديد، بدلاً من ترك الأوراق الفلسطينية متناثرة هنا وهناك، ويسهم بتوليد مناخات ايجابية اقليمية عربية يتم من خلالها امكانية استحضار القرارات الدولية، خاصة منه القرارين 194 و181، اللذين يشرعان حق اللاجئين في العودة وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة. وفي العودة الى الوراء قليلاً، فقد ارتفعت مكانة حق العودة عبر قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الشعب الفلسطيني : القرار2535/ب الصادر في 10 ديسمبر 1969. والقرار 2672/ج الصادر في 8 ديسمبر1970. والقرار3236 الصادر في 22 نوفمبر 1974، وفي الموقف الدولي الاجماعي الذي تواتر متواصلاً بعد العام 1974، وبعد الانتفاضة الفلسطينية الكبرى 1987 ـ 1993 والمعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق العودة للاجئين وتقرير المصير والاستقلال. وما زال الشعب الفلسطيني (واللاجئون الفلسطينيون جزء منه) يعلن تمسكه بهذا القرار الدولي الرقم 94، ويدعو المجتمع الدولي لتطبيقه ويرى في ذلك أحد الشروط الرئيسية لبناء تسوية سياسية متوازنة للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي وفق المنظور الراهن من ميزان القوى القائم في الشرق الأوسط، ولضمان الأمن والاستقرار لجميع بلدان وشعوب منطقة الشرق الأوسط. أيضاً، وفي سياق تكريس وتأكيد حق العودة، وفي الثامن من ديسمبر من عام 1949 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها 302 (د ـ 4) بتأسيس وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، وكان قرار الجمعية العامة بتأسيس هذه الوكالة مسنوداً بالقرار 194 ومرتبطاً به. لذلك فقد ظل الربط قائماً بصورة دائمة فيما بين استمرار الأونروا قائمة بتقديم خدماتها الى اللاجئين بجوانبها الثلاث وبقائها قائمة كوكالة دولية تتحمل مسئوليتها في ذلك الى حين تحقيق حق اللاجئين في العودة الى أرض فلسطين وفقاً للقرار194. ويظهر قلق اللاجئين في الظروف السياسية الراهنة، ويتعمق أكثر فأكثر على مستقبلهم وحقهم في العودة نتيجة لما يلمسونه من عملية مساومة تجري عبر قنوات الدبلوماسية السرية، وعبر الأفكار التي يتم طرحها بين الحين والأخر. ففي ردهات مفاوضات كامب ديفيد2 في يوليو2000 (152) قدم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ورقة عمل لطرفي التفاوض من الفلسطينيين والاسرائيليين تقفز عن قضية اللاجئين وحق العودة وتدعو الى حلول تتناقض مع مرجعية القرار 194. و في الورقة الثانية التي قدمها كلينتون أواخر ديسمبر2000 وقبيل مغادرته البيت الأبيض حيث طرح أفكارا قاتلة تدعو الفلسطينيين و قيادة منظمة التحرير الفلسطينية للقبول بانهاء حق العودة ، والقفز عنه بعودة بضع مئات من اللاجئين وتحديدا من لبنان على مراحل مقابل ما اسماه «تنازلات اسرائيلية» بصدد القدس ومنطقة الحرم القدسي الشريف. وبذا فقد قدم كلينتون مشروع مقايضة على حق العودة لا يستطيع أي فلسطيني ان يبتلعه، فكلينتون يقترح يوم 29 ديسمبر2000 حلولا لقضية اللاجئين تقوم على عودة البعض للدولة الفلسطينية (الكيان المرتقب)، و توطين اخرين منهم في بلاد المهاجر و الشتات (التوطين في البلاد المضيفة وتهجير اخرين نحو اصقاع الأرض) واستيعاب أعداد منهم في الأراضي التي ستعاد للكيان الفلسطيني في سياق صفقة تبادل الأراضي (صحراء حلوتسا جنوب شرق قطاع غزة مقابل أراضى كتل الاستيطان الكبرى في الضفة الغربية ومنطقة القدس الكبرى وفق الخرائط الاسرائيلية)، معتبرا بان خطوط الحلول المشار اليها تمثل الترجمة الكاملة للقرار 194. ومع صعود شارون رجل القمع الفاشي وزبدة التطرف في الدولة الصهيونية يوم 7 فبراير 2001، عادت اللاءات الاسرائيلية بقوة الى الشارع اليهودي بجنوحه المتتالي أكثر فأكثر نحو برنامج اليمين الصهيوني، خاصة تجاه حق اللاجئين في العودة، فخلق شارون ببرنامجه وتحت لاءاته أجواء الجنون والتهييج الهستيري ضد الشعب الفلسطيني وحق اللاجئين منه على وجه الخصوص. وبذا فان ما يسمى حكومة «الوحدة الوطنية» التي ضمت أوسع اطار ائتلافي داخل الدولة العبرية من الليكود الى أقصى قوى التطرف مروراً بما يسمى أحزاب «اليسار الصهيوني العمالي » (153) تقاطعت على مساحة واحدة يتصدرها الاجماع على رفض حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. وبات ائتلاف «الليكود ـ العمل» ائتلافاً واسعا يحظى بتغطية برلمانية مستقرة تجاوزت في البداية 67 عضوا لتصل الى 72 نائباً من اصل 120 من أعضاء الكنيست، فنالت حكومة شارون الثقة دون امتناع أحد. وكرر الأخير في خطاب نيل الثقة تعهده بانهاء الانتفاضة تحت عنوان «انهاء العنف الفلسطيني» ، و تحت ذريعة مواجهة التحديات الأمنية. وجدد رفضه المطلق لحق العودة للاجئين الفلسطينيين بشكل كامل، مع تأكيده على ضم المدينة المقدسة للدولة العبرية، وسعيه لحل انتقالي جديد طويل المدى مع الطرف الفلسطيني، لكسب المزيد من الوقت في سياق احداث التغييرات الديمغرافية الاستعمارية الاجلائية فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة، واحداث المزيد من التعقيدات الشائكة على مسار العملية التفاوضية المختلة أصلاً (154). وكان بيان طابا الهزيل الذي أعلنه كل من (155): احمد قريع، وشلومو بن عامي وزير خارجية حكومة باراك التي احتضرت قبل عمرها الرسمي يوم 27 يناير 2000 قد كرر ذات الخطوط، فبقيت عقدة العقد تتمثل بقضية العودة ولم يقر الاسرائيليون بمسئولياتهم التاريخية والقانونية والانسانية عن تشريد شعب بأكمله، فبرزت على سطح الخلاف تعقيدات ملف قضية اللاجئين و حقهم في العودة، فاسرائيل ترفض بالكامل حتى الاعتراف بأية مسئولية أخلاقية عن نكبة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرض وطنه عام 1948 وهو اصرار يلقى تغطية من الادارات الأميركية المتعاقبة (156). لكل هذه الاعتبارات لكل هذه الاعتبارات فان اللاجئين الفلسطينيين في سوريا (كما هو حال الشعب الفلسطيني واللاجئين الفلسطينيين عموماً) يرون ان معالجة موضوع اللاجئين يجب ان يستند الى تطبيق قرار الجمعية العامة 194، وضرورة استحضار القرار المذكور الى طاولة المفاوضات على مسارها الفلسطيني ـ الاسرائيلي كشرط رئيسي من اجل السير نحو تسوية سياسية متوازنة تضمن الأمن والاستقرار لجميع شعوب ودول المنطقة. ومن هذا المنظور ضرورة اضطلاع المجتمع الدولي خاصة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بدورهما من أجل احترام القرار 194 وتطبيقه، ودفع الدولة العبرية للنزول عند استحقاقات المرجعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، نقيضاً لمشروعات تقزيم الحقوق الوطنية الفلسطينية ووضعها تحت رحمة مشروع التسوية الأميركية ـ الاسرائيلية كما تطرحه الآن حكومة التحالف الائتلافي بين «الليكود ـ العمل». ان اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يعبرون في كل المجالات المتاحة عن تمسكهم باستمرار الأونروا قائمة كوكالة دولية مستمرة في تقديم خدماتها التعليمية والصحية والاجتماعية لما تحمله من دلالة واضحة كتعبير عن استمرار تبني المجتمع الدولي لحق العودة وفقاً للقرار194، والثاني بسبب المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي تتفاقم أعباؤها عاماً بعد آخر على أعداد واسعة اللاجئين المحرومين بسبب استمرار ابعادهم القسري عن وطنهم ومن مصادر عيشهم الطبيعية فوق أرض وطنهم. وفي الجانب الوطني المتعلق بدور مجتمع اللاجئين الفلسطينيين وابناء المخيمات في العملية الوطنية الفلسطينية، فقد لخص صحفي أميركي عاش فترة من الزمن تعدت الستة شهور متنقلاً داخل المخيمات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق الشتات الفلسطيني وصف حالة المخيم الفلسطيني بأنه «المجتمع المقاوم» في لفتة موضوعية تشير الى دور المخيم الفلسطيني في مسيرة الثورة الفلسطينية وبناء منظمة التحرير، وفي الدور المتعاظم في الوقت الراهن لأبناء المخيمات في الانتفاضة المتواصلة على أرض فلسطين منذ 28 سبتمبر2000. وقصة مخيم جنين فتحت الجرح المتقيح لقضية اللاجئين، وهو الجرح الذي راكم الاحتقان بشكل متواصل منذ انطلاقة تسوية مدريد ـ أوسلو مع التهميش الذي أصاب عنصراً أساسياً من عناصر القضية الفلسطينية، ومع العزوف العربي والفلسطيني الرسمي عن رعاية وحماية حق العودة. فقد أصاب التآكل صلب العملية التفاوضية التي انحدرت هبوطاً متتالياً عن حلول الشرعية الدولية، وأضحت قضية اللاجئين جزءاً منسياً داخل أدراج وملفات ماضية في سياق تسوية مدريد ـ أوسلو المختلة. ومخيم جنين كحال مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الـ 19 المنتشرة على أرض الضفة الغربية، والمخيمات الـ 10 المنتشرة في قطاع غزة (157)، تحول الى برميل بارود بوجه الاحتلال، ولخص مرة ثانية حجم القضية الفلسطينية، وأعاد مرة ومرة الى الصدارة قضية اللاجئين وحق العودة. فقضية اللاجئين الفلسطينيين لن تقف الى الأبد عند حدود الأمر الواقع الاسرائيلي، كما برهن على هذا صمود مخيم جنين، والدور الملحوظ والأساسي للاجئين الفلسطينيين وأبناء المخيمات بشكل خاص في المقاومة والانتفاضة داخل فلسطين. فقد شكّل المخيم الفلسطيني ومازال الخزان البشري ووعاء الطاقة الذي لا ينضب في رفد وتعبيد مسار الانتفاضة والنهوض الفلسطيني في اطار قوى منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها المقاتلة، والحركة الاسلامية في فلسطين التي انضمت بعد العام 1988 الى مسيرة العمل المقاوم. الهوامش (143) ـ وفق بيانات تعداد اللاجئين الفلسطينيين الصادرة عن وكالة الاونروا والدول المضيفة فان 87 بالمئة من الفلسطينيين في الشتات يقيمون في الدول المضيفة، وتحديداً في (سوريا، لبنان، الأردن) وعلى قوس نصف دائرة باتجاه المشرق العربي بعده عن مركز وسط فلسطين 500 كيلومتر. (144) ـ وفق اتفاق اعلان المباديء المعروف باسم اتفاق أوسلو الأول 13 سبتمبر 1993 تم ترحيل قضايا الحل الدائم، وهي القضايا الجوهرية ( اللاجئين، القدس، الحدود، المياه، الاستعمار الاستيطاني...) الى مفاوضات الحل الدائم. (145) ـ تم اللقاء في واشنطن يوم 7 مايو 2002. (146) ـ اجتمع المجلس الوطني في قطاع غزة ابريل 1996 بمقاطعة أغلبية القوى وعدد كبير من أعضائه بعد ان تم اغراق هذا المجلس بأكثر من 300 عضو جديد مضافاً لضمان تمرير قرارات تعديل الميثاق. واجتمع المجلس المركزي في قطاع غزة بحضور الرئيس بيل كلينتون والتصويت على الغاء وتعديل مواد الميثاق الوطني 12 ديسمبر 1998 برفع اليد. (147) ـ تم وضع الميثاق الوطني في 28 مايو 1964 اثر تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية، وحمل اسم : الميثاق القومي الفلسطيني. واجري عليه تطوير في الدورة الرابعة لأعمال اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في فبراير 1968 واصبح يحمل اسم : الميثاق الوطني الفلسطيني. (148) ـ بدء الحصار العملي العسكري الاسرائيلي الشامل للأراضي الفلسطينية المحتلة ومنطقة رام الله على وجه الخصوص يوم 6 ديسمبر 2001. أما عملية «السور الواقي» فقد بدأت صباح 29 مارس 2002، وتحديداً في اليوم التالي من انتهاء أعمال قمة بيروت العربية التي أطلقت مبادرة السلام العربية التي قدم أفكارها الرئيسية ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز. وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية قد ذكرت في عددها الصادر بتاريخ 25 فبراير 2002 ان شارون أعلم المجلس الوزاري الاسرائيلي بأن لديه خطة عمل ضد السلطة الفلسطينية ينتظر الوقت القريب لتطبيقها. وفي المقابل اعترف جنرال اسرائيلي في مقابلة مع القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي يوم 31 مايو 2002 بما سبق وتردد على لسان أكثر من مصدر عسكري وسياسي في اسرائيل، من ان عملية «السور الواقي» التي نفذت ضد المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية استندت الى خطة وضعها الجيش عام 1997 اثر الصدامات التي اندلعت في سبتمبر 1996 بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال بعد قرار فتح نفق المسجد الأقصى، وبالتالي لا علاقة لها البتة بالانتفاضة أو بما يسمى «مكافحة الارهاب». (149) ـ البرنامج الوطني المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في القاهرة ـ ابريل 1974. واصبح برنامج اجماع وطني في الدورة الرابعة عشرة للمجلس التي عقدت في دمشق ـ 1979. (150) ـ في قرار التقسيم شكل الجزء المخصص للدولة العبرية 5،55 من مساحة فلسطين التاريخية وبقوام سكاني مختلط يكاد يكون متساوياً (669 ألف يهودي + 668 ألف عربي). (151) ـ صدر اعلان الاستقلال الفلسطيني بتاريخ 15 نوفمبر 1988 عن أعمال الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني ـ الجزائر العاصمة. (152) ـ عقدت مفاوضات كامب ديفيد2 في يوليو 2000، واستمرت لمدة أسبوعين متتاليين بحضور الوفد الفلسطيني برئاسة ياسر عرفات، وبدون مشاركة ائتلافية من فصائل منظمة التحرير باستثناء مشاركة ياسر عبد ربه (ممثل حزب فدا) والوفد الاسرائيلي الذي كان يمثل ائتلاف البرلمان والحكومة برئاسة ايهود باراك. وبمشاركة طاقم الخارجية الأميركية برئاسة مادلين أولبرايت، و منسق عملية السلام في الشرق الأوسط دنيس روس. وفي كامب ديفيد 2 قدم كلينتون ورقة عمل لجسر الهوة بين الطرفين، حيث صبت بالكامل الى جانب الموقف الاسرائيلي خاصة تجاه قضيتي القدس واللاجئين. (153)ـ ضم ائتلاف «الليكود ـ العمل» برئاسة ارييل شارون: العمل 23 نائباً، الليكود 19 نائباً، اسرائيل بيتنا 7 نواب، شاس 17 نائب، اسرائيل بعليا 4 نواب. (154)ـ الشرق الأوسط اللندنية ـ 9 مار س2001 ـ ص 2. (155) ـ بيان طابا ـ صدر في يناير عن الاجتماعات التي تلت قمة كامب ديفيد 2 وفيه تراجع اضافي عن حق العودة واصرار اسرائيلي على الرفض المطلق لمناقشته من حيث المبدأ. مع ان يوسي بيلين قد تحدث داخل كواليس اجتماعات طابا عن «امكانية» اعتراف اسرائيل أخلاقيا بالمسئولية الجزئية عن ما وقع عام 1948 دون الالتزام بأية نتائج قد تترتب على هذا الاعتراف. (156) ـ الحياة اللندنية ـ العدد 13836 ـ تاريخ 31 يناير 2001. (157) ـ يبلغ عدد المخيمات الفلسطينية التي تعتمدها الـ الاونروا 59 مخيماً في مختلف مناطق عملياتها الخمس (سوريا : 10، لبنان : 12، الأردن : 10، قطاع غزة : 8، الضفة الغربية والقدس : 19) وتقدم الـ اونروا خدمات التعليم والصحة والاغاثة الاجتماعية للمخيمات المعتمدة ولمختلف مواقع التجمعات الفلسطينية اللاجئة غير المعتمدة، بينما بلغت أعداد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سجلات الاونروا 738،874،3 لاجئاً حتى نهاية يونيو 2001 وفق تقرير المفوض العام. ويلحظ بأن هناك أعداداً اضافية من اللاجئين الفلسطينيين مسقطة من سجلات الاونروا، وتحديداً اللاجئين فوق أرضهم في مناطق فلسطين 1948، وفي العراق باعتباره من الدول التي تستضيف فوق أراضيها 35 ألف لاجيء فلسطيني كانوا عام النكبة بحدود خمسة آلاف. الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |