الخميس 12 رجب 1423 هـ الموافق 19 سبتمبر 2002 «درع أخيل .. الحرب والسلام ومجرى التاريخ» كتاب صاغه البروفيسور فيليب بوبيت بمنهج رصين فبدا وكأنه وعاء يحوي حركة التاريخ من الماضي بشحناته وابداعاته وصولا الى التوصيفات السياسية والتاريخية المعاصرة، حيثعمد الى صبه وافراغه في قالب يبدو معه اقرب ما يكون لاسلوب وشكل «الالياذة» حيث يصنع هيفايستوس درعا عظيمة هائلة نحت عليها تاريخ صناعتها، وهي قصة صراع بطولية تفوح منها رائحة الدمار والموت، ويحول احد النقاد الدرع الى رمز ملحمي وقصة ينبغي الا تصف المجتمع بل تحلل الطريقة التي ينطلق بها للعمل وتوضح اعتماد التراث الغربي على القوة والاستلاب بالعنف والحرب، الملحمة هي اغنية القوة وترنيمة المديح للاشادة بالسلاح وتعظيم شأنه، درع بسيطة او طائرات نفاثة مقاتلة وقنابل ذكية ينشرها محاربون معاصرون، تلك الاسلحة التي تشحن الرجال بالقوة وتمدهم بالعزيمة. وعلى الرغم من ان بوبيت يتمتع بمكانة بارزة في صنع القرار، وخدم في عهد الرئيس بيل كلينتون مديرا لمجلس الامن القومي، إلا أن الهدف من كتابه هو التفكير بعمق وطرح كتاب مولد للاكتئاب بأسلوب ملحمي ويبتلع عنوانه الفرعي عنوان رواية تولستوي حول حرب نابليون في روسيا ويبدأ باقتباس طويل من ملحمة «الالياذة» لهوميروس وبقصة ذات مغزى وتقاطعها قصائد وصلوات وترنيمات، وتشكل حالة من الاسترخاء. ولحسن الحظ فإن الايقاع الرتيب الذي يقع فيه بوبيت نفسه الذي كتبت ملحمته بصياغة نثرية ثقيلة ومن رسوماته البيانية يرسم انظمة دستورية ويضع قواعدها من اجل الشرعية. ولكنها تخدم ايضا اغراضا مثيرة للقلق لأن كل تلك الايقاعات التي يضع قواعدها تمجد الحرب وتلقي عليها بظلال النبل والعظمة ولترسيخ مركزية البطولة للحضارة. والشاعر الملحمي بالنسبة لبوبيت هو ذلك الصقر المفترس الذي يدعو لدق طبول الحرب والعسكرية واعادة التسلح. ومن احدى القصائد المقتبسة نوع من النواح على بريطانيا التي فقدت سطوتها لانها لا تستطيع اعداد جيش كبير . أفكار تاتشر وريجان في تقديمه للكتاب وباسلوبه الرشيق والحكيم يشبه مايكل هاورد كتاب بوبيت برومانسية شبنجلر التنبؤية في «اضمحلال الغرب» وهو يصفه هاورد فورا بانه يستحق النسيان ويفتقر بوبيت الى زخم اللغة الفاغنرية، ويكتب تاريخا اكاديميا اكثر من كتابته للاسطورية الاشبنجلرية، ولكنه يتنبأ ايضا بالنهاية ويعلن عن ظهور الصيف الهندي (كما يسميه) للتراضي السلمي الذي يتوقف على حين غرة في الحادي عشر من سبتمبر 2001. ان طرح بوبيت يتميز بالبساطة ويحتاج الى الصفحات التسعمئة التي كتبها لتعزيز وتدعيم آرائه ويقتبس بوبيت اريك هوبسباوم عن القرن القصير، ويجادل بأن القرن العشرين يتكون من حرب طويلة ملحمية منفردة ليس علينا توقع شيء آخر او اي شيء فالدولة بعد كل ذلك مؤسسة لصنع الحرب، ولكن خلال تلك العقود من الصراع تغير مفهوم الدولة لمسئولياتها تغييرا جذريا. لقد وعدت الدول القومية في الماضي بأن تبدي اهتماما بالمصالح المادية لسكانها، ولهذا السبب شعرت بالتزام لحشد هؤلاء المواطنين للزج بهم في اتون الحروب وعلى النقيض من ذلك فان الدولة المعاصرة ولدت من الزواج افكار تاتشر وريجان والالتزام بسياسة السوق وترضي نفسها بتوسيع الفرص امام مواطنيها الى اقصى مدى. اذن من يدافع عن هؤلاء المواطنين عندما يتعرضون لـ «الارهاب» من قبل ممثلي دول اخرى او تنظيمات افتراضية مثل «القاعدة»؟ فالسياسيون يعمدون الى استحكامات تحت الارض ويتصرفون كما لو ان المهام اكبر من قدراتهم، وبشعور ملؤه الجزع يختتم بوبيت باقتباس من بند دستوري غير فعال يحرم من المشاركة في القتال. لقد كتبت عباراته، بعد الحادي عشر من سبتمبر، بلغة منقولة عن الملك جورج السادس في العام 1940 يتوسل فيها إلى الله القدير «ان يرشدنا ويدعمنا جميعا» فهل هو افضل شيء نأمل ان يحدث؟ وفي النهاية يمتد الكتاب ليتصل بالمستقبل للقيام بمناورات عسكرية، ونتيجة لحبكات قصص الخيال العلمي يستحضر بوبيت بالتجريب «عوالم ممكنة» متنوعة ويتقوض الجميع اثناء مشاهدتنا يقصف نفق القناة وكذلك كاتدرائية شارترز وتحترق طائرة كونكورد وتهوي الى الارض بعد اقلاعها بقليل من مطار شارل ديجول، الا يعلم بوبيت ان كل هذا حدث؟ ام انه يعرف اكثر مما نعرف حول الحادث. في عام 2004 سيطاح بالرئيس العراقي، لكن ستحل محله شخصية اكثر تشددا، وتحدث ازمة طالما كان يخشاها العالم، في لحظة الاحتفال بعيد الميلاد لعام 2005 ويتزامن ذلك مع كساد عالمي كبير، وعلى الاقل نتلقى وعودا بان «الارهاب» على مستوى كارثي يزول ويعود الفضل في ذلك الى التقنيات المذهلة التي تطورت اخيرا. وفي هذه الاثناء يبدأ التاريخ بتحقيق تلك النبوءات فالهند كما يرى فيليب بوبيت قوة نووية تتوفر فيها احتمالات التحلل تتحول فيها الرغبة الداخلية الى تبني سياسة المغامرة الدولية. ونتخيل في الكتاب زخات كثيفة من القنابل وضباب من الغازات السامة والامراض الوبائية الفيروسية في حين ان بطاريات الكمبيوترات المحمولة تحمس من اجل الفوضى وتدفع في النهاية باتجاه انهيار النظام المدني والاقتصادي، ويرفض بوبيت ان ندافع عن انفسنا، او على الاقل ان نستمتع بالمشاهد النارية المثيرة، ويقول: «انها الحرب، انها عمل ابداعي للانسان المتحضر». ولحشد المزيد من الجمع المأساوي الرصين عليك استشارة احد شعراء بوبيت، المتمثل في اودين وقصيدته حول سبتمبر 1939 التي تبادل الناس الرسائل البريدية حولها في نيويورك الخريف الماضي، وهنا تأملاته حول الدرع الهومري الذي يقتبسه بوبيت قبل ان يكتب عن جرح اميركا التاريخي، ويصف اودن صوتا بلا وجه الذي يثبت بالاحصاء ان هناك قضية عادلة ويبدأ الحرب. ويصنع هيفايستوس الدرع ويهبه الى اخيل ذي القلب الحديدي القوي، ومن عبارات اخيرة تتنبأ القصيدة بانه على الرغم من مساعدة ذلك المعدن البراق فان البطل لن يعيش طويلا. اسرار الدولة المعاصرة يعمل بوبيت استاذا في القانون في جامعة تكساس وكان مسئولا سابقا في مجلس الامن القومي ومؤلفا لاعمال عدة تناولت النظرية الدستورية والاستراتيجية النووية، وفي كتابه الجديد الذي يجمع فيه كل حصافته وخبراته الطويلة، يعد بأن يقدم بوصلة يسترشد بها القادة خلال الوضع السياسي الحالي وتنبع قوة هذا الكتاب الضافي والذي يبالغ ويسرف احيانا في التورط ويقدم من حين لآخر دراسة تفصيلية، في جهد لايلين للبقاء مركزا على الدولة المعاصرة يفحص اصولها وتقلباتها وبصورة غير مؤكدة مستقبلها الممكن، وفي رأي بوبيت فنحن نعيش في تغيير عميق في شخصية الدولة. حيث نعبر من مرحلة دولة الامة الى دولة السوق. الدولة العصرية، التي بدأت في الظهور في دويلات المدينة الايطالية في بدايات عصر النهضة وصفت بصورة كاملة وبقوة وحققت اعظم اشكالها العملية في القرن العشرين، ولعلها ليست اعظم فكرة مجيدة انتجتها تقاليد الفكر الغربي، لكنها اثبتت انها تتمتع بالمرونة والقدرة على التكيف. كما ان الدولة العصرية هي القوة البشرية المميتة ذات التركيز العالي واكثرالاجهزة فعالية وقدرة على التكيف والانسجام استطاع الانسان ان يبتكرها لتمكين ما نحكم عليه بأنه وجود بشري كريم، ان المصير الوحيد الاسوأ من الاضطرار للعيش تحت سلطة الدولة المعاصرة هو عدم التمكن من القيام بذلك، فأسفاً على الانسان الذي يعيش بلا هوية بدون اوراق لاثبات وجوده في هذا العالم! وفي رأي بوبيت فإن الدولة العصرية تربط الاستراتيجية والنظام الدستوري وتمثل الدولة العصرية اكثر الجهود البشرية احتداما لوصل بعدين جوهريين للسياسة هما السلطة والقيمة والحساب الاخلاقي الذي عن طريقه يتم تحديد استخدام السلطة، ومن وجهة نظر تحليلية، ان لم يكن من الوجهة العملية، فان ذلك يؤدي الى هوية او كيان يكون عرضة لزعزعة عميقة. وان الطبيعة الدقيقة للعلاقة مابين القوة والقيمة في اي مكان وزمان هي مسألة قاتمة تتطلب ملاحظة حادة وفصلا في الامور يستند الى صفاء ذهني، انه موضوع يأمل من وراءه الانسان ان يكون اكثر حكمة عند ارجاع النظر الى ما مضى اكثر من العلاقة مابين الحاضر او المستقبل كما يثبت صحة ذلك كتاب بوبيت. ويتبع الكتاب دربا وضعه بعض من اكثر المحللين صرامة في العلاقة مابين الحرب وانبثاق الدولة العصرية وفوق كل ذلك تقاليد اوتو هينتز والالماني شتاتريسون، ويتقاسم بوبيت بعضا من ميول هؤلاء المحللين فيتحدث عن دور سببي مركز يمنح للصراع، والتزام بخطة نهضوية ضمنية لتطوير الدولة وتصميم بالحاق النهوض الداخلي للدولة العصرية بالنظام الدولي. الفكرة الجوهرية الواقع ان الفكرة الجوهرية التي اثارت جدلا حول درع اخيل تتمثل تقريبا في المفهوم التالي: الحرب حاسمة في تشكيل النظام الدستوري لاية دولة، ولذلك فان دراسة التاريخ امر جوهري وفي القلب بالنسبة لتاريخ الدولة، وان النظام الدستوري للدول ودراسة قانونها ينبغي ان يقع في جوهر تاريخ مجتمع الدول في النظام العالمي، ويرى بوبيت ان القانون الدولي منبثق عن النظام الدستوري لدول معينة ويصبح قادرا عن طريق توجيه السلسلة السببية بهذه الطريقة على الحفاظ على تركيزه على الدولة وهو بذلك يصمم على ان «التطورات المعاصرة في تحديد السيادة وتقييدها ليست الا نتيجة للتغير في النظام الدستوري لدولة السوق وهي ليست الاثر المباشر للتطورات الدولية وليست مفروضة من قبل القانون الدولي ومهما كانت حدود التملق في ذلك بالنسبة لاولئك الذين يديرون المؤسسات الدولية. والكتاب في مجمله محاولة من بوبيت لتعريف وتحديد طبيعة «الفترة الحالية الانتقالية» التي تتضمن بالضرورة شيئا ما يخص ما حدث في الماضي وما يمكن توقع حدوثه مستقبلا ويضع اطار شكل الدولة المتمخضة حديثا وتأثيراتها على النظام الدولي. ويفترض بوبيت اننا نشعر بالضجر ونصاب بتشويش ذهني لاننا خرجنا للتو من «الحرب الملحمية الخامسة في التاريخ المعاصر» وهي الفترة مابين العامين 1914 و 1990 التي يصفها بأنها «الحرب الطويلة» وجميع هذه الحروب العظمى الخمس لها شأن بالنظام الدستوري، وهو الشكل الشرعي الذي ينبغي ان تتخذه الدولة، وتمخض عن كل حرب من هذه الحروب شكل من اشكال الدولة الخاص: الدولة القومية وقومية الدولة ومن هذه الحرب الطويلة مابين الفاشية والشيوعية والبرلمانية ولدت دولة السوق. ان كل شكل متعاقب اضاف للدولة مسئوليات جديدة، الى الحد ا لذي اصبحت الدول اليوم معه غير قادرة على القيام بأعبائها المتعارف عليها عند العموم. ويعرض بوبيت كتالوجا مألوفا للتطورات التي اهملت الخاصية العملية للدولة ذات السيادة الاقليمية الاعتراف المنتشر لحقوق الانسان العالمية وانتشار اسلحة الدمار الشامل الذي يخدم في تغيير جغرافية الدفاع بصنع حدود ملموسة وغير فعالة على الارض والتدفق الدولي المتزايد للتأثيرات البيئية والسكان والعاصمة، ولاشك ان بوبيت لا يجانبه الصواب، بل هو على صواب تماما عندما يؤكد على ان مصاعب اليوم تلحق الضرر بشكل خاص من اشكال الدولة، بالدولة القومية وليس بالدولة في ذاتها، وفي الواقع فانه يرى الدليل في تخبط وترنح الدولة القومية التي مازالت تثير استجابة تكيفية من جانب الدولة: ولادة دولة السوق وتعزيزها النهائي وفي وضعه فان هذا الشكل المنبعث للدولة صعب ارضاؤه ازاء السيادة، ولكن هذه الدولة تجد وسائل للبقاء وحتى انها تزدهر وتنتعش اعتمادا على الاسواق الرأسمالية الدولية، وتبدي رغبة في اضعاف مؤسسات التمثيل الديمقراطي البرلماني لقاء استطلاعات الرأي حيث نرى ان مجموعة الاهتمامات الخاصة تحل مكان حجرة المناظرات والمناقشات، ولا شك في انها ستكون سعيدة بالتخلص من مسئوليات الخدمات الاجتماعية، وتوحد دولة السوق لرفع سقف الفرص الى أقصى مدى حتى يتمتع بها كل افراد المجتمع، وهو هدف اكثر غموضا من شظف العيش ولكنه عهد ملموس لبناء دولة هوبسينية، دول الامان. ويرى بوبيت ان زعماء دولة السوق المتطورة والناهضة ينبغي ان يتخذوا القرار الحاسم، فاما ان يتابعوا ما اسماه بسياسات المقاولاتية والادارية او التجارية، وهذه البدائل قد بعثت بالنهوض لثلاثة انواع ممكنة من دولة السوق: نماذج واشنطن، برلين او طوكيو، الاول هو نموذج التنوع على غرار المكتبة ويتجه الى ادنى درجات تدخل الدولة التي ينبغي ان يحضر دورها في التعاطي مع البنية التحتية مع ترك ما تبقى من نشاط للقطاع الخاص، اما نموذج طوكيو فيبحث عن حماية الصناعة الاهلية والحفاظ على رأس المال والسيطرة عليه، ولكن نموذج برلين ذا التوجه الديمقراطي الاشتراكي يطمح الى المساواة الاجتماعية والاقتصادية ويوظف فكرة حافظ المرهون وتمنح المزيد من الرأي للاجيال المستقبلية. لا لموت الدولة لكن لا ينبغي ان يفسر اضعاف السيادة الاقليمية على انه ايذان بموت الدولة. بل على النقيض من ذلك فان حقيقة وجود لاعبين ليست لهم صفة الدولة يمكن ان يخربوا دول عصرية يشجع اندماجا اكبر لا بل انصهارا للقانون والاستراتيجية: وستبدو الحرب بصورة متزايدة لجريمة، وبدلا من الاستناد الى الاستراتيجيات الانتقامية المعتمدة على التهديد فان على الدول المعاصرة ان تتحرك باتجاه دفاعي وعلى استراتيجيات قائمة على الخلو من العدوان، او العجز عن القيام به. ولكن يبقى للنجاح شرط قوامه ان هذه الاستراتيجيات تبتكرها وتنفذها الدولة. وتقع صعوبات تحليل بوبيت التي جاءت في موعدها في ثلاثة اتجاهات على الاقل. في الاتجاه الاول يعتمد قليلا جدا على دور الايمان البشري والهوية، فكل دول تؤخذ وكأنها بديهية استراتيجية تستطيع ان تأمر الناس ان يلقوا مصرعهم دفاعا عنها، والحقيقة فان الروح القومية اثبتت انها واحدة من اكثر الادوات قوة في الحفاظ على مثل هذه الهوية وفقا لظروف عصرية، وبينما تشتت دولة السوق نفسها ومسئولياتها فانها تتوقع حدة اقل ومسئوليات اقل من اعضائها. ثانيا من اجل تعددية الهوية السكانية لدولة السوق فان «ترس اخيل» هو في مذاقاته السياسية واماله كتاب اميركي بكل سماته وجذوره، ويعلن بوبيت بكل قوة ان الولايات المتحدة تتسم بالوانها العرقية والتراثية المختلفة ولكنها عسكريا واقتصاديا قوة جبارة وهي اقوى مثال يمكن ان يصبح انموذجا لدولة السوق، وكما الحال من قبل فيبدو ان القصد من كل التاريخ البشري فهو منح الدولة الاميركية تلك اللحظات التاريخية الخاصة وتشهد رفوف المكتبات بان مثل هذا المنظور يحقق الطموحات بصورة جيدة جدا. ثالثا: والاكثر عمقا، هناك عدم توازن وثبات عميق في مزاوجة بوبيت للاسواق والدول ولاشك في انه يعي لذلك، ولكنه ربما يكون عديم الاكتراث جدا حول هذه المسألة .. والحقيقة ان دولا واسواقا تحدد الموطن السياسي المرغوب او القائم بقوة بالنسبة لمعظم الناس على وجه هذه البسيطة اليوم. ولكن هذه الدول والاسواق لا تشكل زوجا متناغما وتسعى الدول الى تركيز الانتباه والاهتمامات بينما تسعى الاسواق الى تفريق وزعزعة هذه الاهتمامات. ومنذ ايام ديفيد هيوم وادم سميث ارتبطت الكثير من السياسات بمهمة توفيق السلطة التي تدعيها الدولة مع الاخذ بالادوات التي تعد بها سياسات السوق. ويتوقع مؤلف الكتاب قيام تحالف دولي ضد «الارهاب» وضع بدائل مستقبلية للعالم، ويظهر بوبيت كيف يمكن ان تتجنب الامم مواجهات القوى العظمى التي تحمل في طياتها دمارا لا حدود له، ويرصد بوبيت نشوء وتطور الدولة وصلتها بالحروب ومؤتمرات السلام التي افرزت صياغات نجمت عنها تشريعات وقوانين، ويرسم الكاتب صورة قوية للتغييرات الدائمة البينية في عالمنا، ويستخدم خبرته في القانون والاستراتيجية لتحديد على اي الدروب ستمضي الدولة في السنوات والعقود المقبلة، والحقيقة ان الكتاب جاء في موعده حقا، وسيفيد اسلوب تغايرنا ازاء العالم. ويؤكد بوبيت ان العالم هو الآن عند مفصل محوري بسبب التطور الذي طرأ على الدولة القومية طوال القرون الستة الماضية باعتبارها كانت المؤسسة المطلقة القادرة على اعلان الحرب وتنظيم السلام وفتح الطريق امام دولة السوق. والواقع فان الدولة القومية تستمد شرعيتها من وعودها وتعهداتها بتحسين الاحوال المادية لمواطنيها وبصورة خاصة توفير الامن والامان والنظام واما دولة السوق فهي تسعى الى رفع سقف توفير الفرص لمواطنيها الى ابعد حد، والدولة القومية تستخدم القوة والقانون لتحقيق نتائج مرغوبة، اما دولة السوق فانها تستخدم الاشكال المختلفة للعلاقات. ويؤكد بوبيت ثانية ان هذا التحول الكبير ناجح عن «الحرب الطويلة» للعامين 1914 ـ 1990 والصراع بين الشيوعية والفاشية والقيم البرلمانية من خلال التجديد والتقليد والمحاكاة وهو ما ادى الى توليد دينامية دستورية واستراتيجية وبدورها ولدت «مجتمع الدول» الجديد الجوهري، ويعد الاساس والجوهر بالنسبة لطرح بوبيت الفرضية بأن النظام الدولي هو نتيجة للنظام الاهلي (المحلي). وفي اكثرالاقسام اثارة للنقاش والاهتمام يناقش بوبيت ثلاثة اساليب او طرائق محتملة لاعتراف كل بالاخر، ففي قسم «ميدو» او «المرج» يفرد تقديراته للانماط السياسية الاجتماعية المهنية حاليا في الولايات المتحدة ويتصور مستويات عالية ورفيعة للفردية على النطاق العالمي على حساب السلوك الجماعي على اي مستوى من المستويات، اما «المتنزه» فهو يعتمد على البديل الاوروبي ويؤكد على النطاقات الاقليمية. في حين ان قسم «الحديقة» يتوقع ان تقوم دول سوق ناجحة بالانفصال عن الشئون الدولية والتأكيد على المجتمع الداخلي المتبدد لكن ولا واحدة من هذه الانظمة ستنهي فكرة الحرب الى الابد مالم تتهاوى الدولة القومية، حسب بوبيت لان لاعبين ليسوا دولا سيواجهون الدولة القومية بتهديدات لا تستطيع ان تواجهها وترد عليها بفعالية. ويأخذنا مؤلف الكتاب بقوة وحيوية الى القرون الخمسة السابقة حيث تشكلت الدول القومية ببطء ومعاناة شديدة حتى خرجت دول قوية وعظيمة وخلال القرن الماضي فان العنف المحفز للحربين العالميتين كانتا نتيجة لعمل دول مركز وموحدة ولكن مع انهيار الايدويولجيات الفاشية والشيوعية ونهوض مؤسسات سياسية واقتصادية عالمية اصبح ممكنا ان تدور العلاقات الجديدة بين الدول وبين المواطنين وحكوماتهم القومية ويدق عمله العملاق والمفصل والمحفز في نمو ونهوض الامم القومية ويدرس دور الحروب في نشوء وتطور الدول ويقترح احتمالات قيام هياكل سياسية واقتصادية جديدة للمستقبل، ويفترض بوبيت ان القاريء حصيف ولديه معلومات قوية خاصة بتاريخ العالم المعاصر. ويعتقد بوبيت منذ البداية ان العالم قد تغير ويستدعي اجراء تغييرات حاسمة وجوهرية على فكرة الدولة التي مرت عليها نحو خمسة قرون وهي تجند مصادرها لتدمير دولة اخرى ويقول في هذا الصدد: الدو لوحدها قادرة على جمع مداخيل ضخمة وتجند جيوشا ضخمة وتعزز الالوية المطلوبة لتهديد وجود الدول الاخرى، وفي الحقيقة فان فرض مثل هذه التهديدات ومواجهتها اوجد الدولة المعاصرة وفي عالم كهذا فان كل دولة تعلم ان اعدادها سيسحبون من فئة صغيرة من الاعداء الخطرين لم يعد هذا صحيحا وفقا للتقدم في الاتصالات الدولية والحسابات السريعة واسلحة الدمار الشامل ان التغير في هيكل الدولة الذي سيصاحب هذه التطورات التي ستكون بعمق التغيير الذي وصلت اليه الدولة. دروس من التاريخ يرى بوبيت في السرد التاريخي دروسا مهمة فمنذ سقوط روما في العام ( 476 ميلادي) وحتى تتويج الامبراطور شارلمان من قبل البابا في يوم الاحتفال باعياد الميلاد في العام 800 فان اراضي الامبراطورية الرومانية اصبحت عرضة لافواج من الغزاة والمهاجمين قادمين اليها من كل الجهات خاصة من الشمال من قبل النورمان او قبائل من وسط اوروبا وتراجع العلم والتجارة والامان بصورة حاسمة باتجاه البحر الابيض المتوسط وفي ظل هذه التغيرات الحاسم برز كيانان لهما تأثير كبير على المجتمع الاوروبي، وهما كيانان متوازيان يتمثلان بالكنيسة الكونية تضم في كيانها الثقافات المحلية والنظام الاقتطاعي المتناثر للامراء المحليين والواقع ان العلاقة القانونية بين هذين الكيانين منفصلة، فهناك نظام الكنيسة الديني والثقافي والبيروقراطي وتتعايش الحياة الخيرية مع العسكرية والملكية الخاصة الاحتكارية للطبقة النبيلة على الرغم من ان الهيكل الاداري الاقطاعي يعتمد على رجال الكنيسة والكنيسة ذاتها كانت تمتلك ثروات طائلة ونفوذا سياسيا، ومن وجهة النظر المعاصرة والعلمانية فان النظامين الكنسي والاقطاعي من الصعب التصوير انهما يعملان بصورة متزامنة والحقيقة ان مجتمع القرون الوسطى لم يكن مقسما الى دول منفصلة لكل امير سيادة في القطاع الذي يحكمه، ويحكم وراثيا في اطار المحيط الجغرافي لامارته ولايخضع له اي شخص او ارض خارج محيط امارته، وعلى النقيض فان المجتمع السياسي كان منظما في اربعة قطاعات وظيفية متعايشة: طبقة النبلاء، ورجال الدين وقاطني الاقطاعية اوالامارة والفلاحين وعلى الرغم من ان بعض هذه القطاعات نظمت عموديا، فان رؤوس الادارة لقطاع من هذه القطاعات قد تكون لديه سلطة على انهاء القطاع الاخرى وعلى سبيل المثال فان الكنيسة لديها دستورها التشريعي على الوصايا وعقود الزواج في كل القطاعات، ولكن السلطة العمودية كانت محدودة افقيا وعلى سبيل المثال بينما يستطيع الملك ان يطلب خدمة عسكرية من العمال لدى الاقطاعيين المجبرين على العمل لديه، فان الملك ليس لديه السلطة المباشرة على هؤلاء العمال الزراعيين. وفي القرون الوسطى المسيحية كانت هناك مؤسسات وجدت ووفرت مجتمعا ذا تنوع وامراء متنافسين لديهم الوسائل والحوافز لتطوير اجهزة ذات اختصاصات شاملة، ومقيدة بممارسات قانونية، ولكن الهيمنة الكاملة للسلطة الدينية غالبا ما كانت توفر دافعا لمقاومة تلك الهيمنة ولتوفر الجدل القانوني الذي يعد مصدرا يستخدم ضد الكنيسة دون الاضطرار لرفض السلطة الدينية. وفي المقام الثاني فان البنية المتطورة للمسيحية كانت هي نفسها تراثا قانونيا، فالبابوات كانوا ينتخبون من قبل الكرادلة من مواقع جغرافية مختلفة، كما يتم اختيار الامبراطور الروماني وفقا لاصوات الامراء المخولين حق الانتخاب من بيئات جغرافية مختلفة ويؤكد بعض المؤرخين ان جذور فكرة الدستور الخاصة بفصل السلطات الدينية والدنيوية تكمن في الصراع ما بين البابا والسلطة المؤقتة الدنيوية وكذلك الجدل بان على الكنيسة ان تحدد القانون كمرشد او كمرجعية ولكن يعتمد على زعماء او قادة مستقلين لتنفيذ وتطبيق هذه القواعد والقوانين. وفي النهاية، فرض المنظور الكوني للمجتمع المسيحي قيودا على الاسباب التي ينوي من ورائها اي امير لخوض غمار الحرب، واصبحت الحروب بين المسيحيين تتطلب تبريرا قانونيا. صيف هندي يقتبس فيليب بوبيت من المؤلف الاميركي جوزيف كونراد ملاحظات على الحياة ورسائل حيث يقول هذاالاخير انني اميل الى الاعتقاد بأن القول الفصل والاخير ستتشكل صياغته ومهما بلغت غرابة ذلك فان اي امل يمكن تحقيقه يصعب تصديقه. ان البشرية تعيش سعيدة بكبريائها وبوجودها وبتماسكها الذي لا يغلب وستنام في ساحة المعركة وسط قتلاها. والحرب في الواقع ليست تلك الحالة المرضية التي يمكن تلافيها باللجوء الى وسائل صحية خاصة، بل ان الحرب هي شرط طبيعي للدولة التي يتم تنظيمها لكي تكون اداة عنف فعالة نيابة عن المجتمع فالحروب هي مثل حالة الموت التي وان كان يمكن تأجيلها الا انها ستأتي في موعدها ولا يمكن تجنبها في النهاية، وتاريخ الحياة على الارض ينبغي في المرحلة الاخيرة ان يكون تاريخا لحرب لا هوادة فيها في الحقيقة فالانسان لن يستطيع العيش آمنا بهدوء فلا ابناء البشر ولا عواطفه ولا انفعالاته ستتركه يعيش وحيدا امنا، ففي الحادي عشر من سبتمبر 2001 توصل مجتمع دول السوق الناشيء الى حقيقة كانت توصلت اليها كل دولة مجتمع من قبل: من خلال العنف، ففي نيويورك وواشنطن نام الاميركيون تلك الليلة بين اشلاء موتاهم الذين رقدوا بين ركام الابنية المدمرة كما لو كانوا في ساحة معركة. ان هجمات سبتمبر وفرت للولايات المتحدة وحلفائها سانحة تاريخية، حتى وان كانت تلك الهجمات سببت لها جرحا غائرا تلك الفرصة او السانحة هي اللحظة والسياق الذي يخدم في تنظيم تحالف دول عظيم مع اولئك الذين لا تختلف معهم الولايات المتحدة على محاربة «الارهاب» ويرى المؤلف انه لا تتوفر هناك اولوية اكثر من قيام الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بتقوية التعاون مع روسيا في حلف ضد «الارهاب» الدولي حتى وان اقتضى الامر اجراء تحولات في الناتو ويمكن ان يصبح الناتو ارضية لقاء تجمع تحالف الحرب ضد هذا الحقد القاتل ويمكن ان يتضم الحلف روسيا كعضو كامل العضوية ويمكن ان يفهم 11 سبتمبر على انه اول معركة في الحرب الجديدة. ان المجتمع الدولي يواجه اليوم تحدياته التاريخية الخاصة به في ايجاد دستور للنظام الدولي يتمخض عن هذه الحرب فهل يستخدم المجتمع الدولي، دول المجتمع، مؤسسات الدولة القومية المتعددة الجوانب كوسيلة لعمل احباطي لكي يتم التحكم بتصرفات العضو الاقوى فيها اي الولايات المتحدة؟ ام ان تلك المجموعة الدولية تتوقع ان تقوم كل دولة بمفردها بالدفاع عن نفسها ببذل اقصى ما تستطيع من جهد مما قد يثير نوعا من الفوضى والتخريب؟ ام ان ذاك المجتمع سيكون مكونا من جزر من الاستبدادية تركز مؤسساتها على الداخل فقط في محاولة لمنع العنف باساليب بوليسية قاسية؟ ام هل يمكننا تعلم انتاج بضاعة جماعية مثل تقاسم المعلومات الاستخبارية ومعلومات استطلاعية عن طريق مجسات استشعار دقيقة جدا وصواريخ ووسائل فضائية دفاعية؟ لاشك في ان التحالف ضد «الارهاب» الدولي قد يكون الاسلوب الوحيد لدحر هذا الارهاب. ويخلص المؤلف الى اننا ندخل زمنا مخيفا، زمنا يستدعي حشد كل طاقاتنا واخلاقياتنا وافكارنا وقدراتنا المادية ويقول انه لدى كتابه آخر سطور كتابه يجد العالم في حالة انحباس الانفاس، خاصة مع توقع الاسوأ! الأولى | اقتصاد | محليات | سياسة | الرأي | كتب وترجمات | منوعات | فنون |