الرئيس العراقي حصل على درجة حسن السلوك الأكثر حداثة ممن كان رئيسا لمجموعة المراقبين الدوليين في العراق، سكوت ريتر، ريتر الذي وقف بصورة غير اعتيادية أمام مجلس الشعب العراقي قال أمام الميكروفونات: «ان حكومتي توشك على ارتكاب خطأ تاريخي» لانها تنوي مهاجمة العراق، العراق حسب رأيه لا يملك القدرة على انتاج سلاح نووي أو سلاح للابادة الجماعية90ـ 95في المائة من المنشآت المحتملة للسلاح غير التقليدي فحصت ودمر ما كان بداخلها، وطالب ريتر العراق ايضا بأن يطبق قرارات الامم المتحدة حول اعادة المفتشين الدوليين. ريتر مثل معدي التقارير الاخيرة التي انتشرت مؤخرا بصدد قدرة العراق على انتاج سلاح نووي، لا يستطيع ان يعرف بالتأكيد ماذا يوجد لدى العراق وماذا لا يوجد، في الواقع هناك تناقض غريب في كل التقارير المتدفقة الآن. هذا التناقض موجود في مركز معضلة اغلبية دول اوروبا وكندا وقسم من اعضاء الكونغرس الذين يطالبون بتقديم أدلة راسخة على ان العراق يملك سلاح ابادة جماعية من قبل موافقتهم على مهاجمته، الا ان هذا التناقض ينطوي ايضا على نقطة ضعف لانه يرتكز على الافتراض بأن رقابة المفتشين قادرة على منع أو ايجاد كل ما يملكه العراق. أحد الأمثلة المثيرة لمصاعب المراقبة نشرت في مجلة علمية في مايو 1998 بعد الازمة الاخيرة الصعبة بين العراق وطاقم المفتشين بثلاثة اشهر وحسب المجلة قام وفد عراقي بالتوجه الى بوخارست العاصمة الرومانية لشراء قطع خاصة لتركيب الصواريخ البالستية طويلة المدى. العراقيون لم يجدوا أي صعوبة في الاتصال مع الرومانيين، ومنذ شهر نوفمبر 1995 ضبطت سلطات الجمارك الاردنية ارسالية تحتوي على اجهزة تحكم وتوجيه، بطاقة الارسال كانت معنونة لجامعة بغداد لاهداف علمية، والمرسل كان شركة «ايروبينا» الرومانية التي تنتج قطع الصواريخ البالستية، ورجل الارتباط لهذه الصفقة كان وئام غربية، اردني فلسطيني الأصل، وقد تم سجنه في العراق لاحقا بتهمة الغش، ومصدر الخبر حول الارسالية كان اسرائيل، فمن أين عرفنا ذلك؟ سكوت ريتر هو الذي روى هذه الحكاية، ريتر استقال من منصبه كمفتش رئيس في نهاية عام 1998 وقد عكف منذئذ على اعلام الجميع بصلاته مع الاستخبارات الاسرائيلية إبان عمله كمفتش، ريتر قال لصحيفة «النيويوركر» ان اسرائيل أخذت على عاتقها تفسير صور الجو الفضائية التجسسية الاميركية التي كانت توضع في خدمة وفد المراقبين، وقال ايضا انه بدأ يسأل الاسرائيليين اسئلة تفصيلية الامر الذي جعلهم يعقدون صلة مباشرة بينه وبين جهاز الاستخبارات الاسرائيلي. في الحكاية التي نشرت في مجلة علماء الذرة التي أوردت حكاية المشتريات العراقية قال الكاتب ان اسرائيل أقامت هيئة تعاون أطلق عليها اسم «الهيئة الخضراء» برئاسة يعقوب عميدرور الذي كان يعمل مع هيئة وفد المراقبين في نيويورك، هذه الهيئات خططت معا - حسب قول ريتر - عدة خطوات وعمليات منها عملية في رومانيا أطلق عليها اسم «كوب الشاي» وهدفت الى احباط عمليات شراء قطع الصواريخ هناك، وعندما علم الرومان بالامر من اسرائيل قاموا بانقلاب في تلك الشركة وأقالوا عددا كبيرا من الموظفين الحكوميين فيها.اعتراف سكوت ريتر بارسال المعلومات الى اسرائيل وفر للعراقيين البرهان والدليل على ادعاءاتهم القائلة ان مراقبي الامم المتحدة ليسوا أكثر من مجرد جواسيس لصالح اميركا واسرائيل أو للدول التي جاءوا منها على الأقل، وفي مرحلة معينة اشتبه بأن ريتر يقوم حتى بايصال معلومات اميركية سرية لاسرائيل وأوشك محققو الـ سي.آي.ايه باتهامه بالتجسس لصالح اسرائيل، ريتر يقول انه شعر بأن رئيس فرع الـ سي.آي.ايه في الشرق الاوسط قد بدأ يعتبره منافسا له بسبب علاقاته القوية مع اسرائيل. عندها جاء الانقلاب في مواقف ريتر، في اغسطس 1998 وبعد ان استقال من منصبه اتهم وفود المفتشين بعدم الجدوى والنجاعة التامة، «الوهم بوجود رقابة أكثر من أي رقابة كانت» قال في مقابلاته الصحفية، وفي وقت لاحق ألف ريتر كتابا أسماه «اللعبة النهائية» ووجه فيه انتقادات حادة لسياسة الولايات المتحدة وخصوصا لكلينتون لعدم بناء استراتيجية ذات اهداف واستخدامهم للعقوبات كوسيلة عقابية، هذه الوسيلة لم تكن نافعة وتسببت فقط في وفاة 40 ألف انسان وتعزيز قوة الرئيس العراقي. الرقابة لا يمكن ان تنجح في كل الاحوال من دون تعاون، وريتر تعلم ذلك وقد اتبع سياسة الزيارات الفجائية من دون الاعلام المسبق للعراقيين، والدليل الأفضل على محدودية نجاعة الرقابة هو ما حدث في عام 1995 حيث أوشك رولف اوكايوس على نشر تقرير حول خلو العراق من الاسلحة، الآن ايضا يدركون هذه المحدودية، ومن هنا يأتي موقف بوش بضرورة تغيير نظام العراقي ووضع نظام يخلو من الدافعية لانتاج اسلحة الدمار الشامل التي ستبقى المعلومات حول انتاجها في أدمغة العلماء العراقيين، أي ان النظام هو الأساس في هذه الرؤية، من هنا ينتقل الجدل بين المواقف للسؤال الحاسم: ماذا يوجد في العراق وما الذي يستطيع انتاجه، بوش لم ينجح بعد في اقناع معارضيه بوجود معلومات موثوقة لديه، والان تسود حرب التقارير المتناقضة. دبلوماسي اميركي يقول ان الدول العربية قد استنتجت انها لن تتوجه للسلاح النووي ولذلك فان السلاح الموجود لدى احدى هذه الدول سيتمخض عن توتر لا يقل عن الخطر الذي يمثله لاسرائيل خصوصا اذا هوجم العربي الذي يمتلك هذا السلاح فسيصبح جزءا من الأمة العربية من خلال الرأي العام، وتحدث هزة في الانظمة لا يتوقع أحد عقباها، صحيح ان موقف هذا الدبلوماسي يعكس رأي الخارجية الاميركية، الا ان هناك أصواتا كثيرة مماثلة له في القيادة العربية، الرقابة، كما يقول اغلبهم، يمكن ان تكون مخرجا مشرفا لكل الأطراف حتى وان لم تكن دواء مثاليا. عن «هآرتس»