كم بدا صغيراً في كرسيه ذي الخلفية العالية! كان عليك ان تجلس في مدرج الجمعية العامة للامم المتحدة يوم الخميس الماضي، لتدرك ان الرئيس الاميركي جورج بوش، الذي راح يهدد بالحرب في مكان بني اصلا ليكون داراً للسلام، يمكن ان يظهر كرجل صغير الى هذا الحد، لكن يوليوس قيصر ايضا كان رجلاً قصير القامة، وكذلك كان الامبراطور نابليون بونابرت وزعماء آخرون احدث عهداً واقل شهرة، وهكذا كان الجنرال دوغلاس مكارثر الذي كان له محور شر خاص به حمله لمسافات بعيدة، وصولاً الى نهر يالو في شبه الجزيرة الكورية.لكن يوم الخميس الماضي، وبعد انقضاء ثلثي بيان الحرب الذي القاه بوش امام الامم المتحدة وردت شيفرة ذات دلالة خطرة كشفت عن ان الرئيس بوش يعتزم بالفعل ارسال دباباته الى ما وراء نهر دجلة وذلك حين قال ان الولايات المتحدة ليست على خلاف مع الشعب العراقي. على المنصة الاعلامية التي نجلس عليها، لم يتحرك احد، وتحتنا في مقاعد الوفود المشاركة لم يتزحزح دبلوماسي واحد في مقعده متأثرا بوقع هذه العبارة كان خطاب بوش يمضي هائماً على وجهه منذ عشرين دقيقة، لكن الذين كتبوا الخطاب لابد انهم يعرفون هذه العبارة. قبل ان يقصف الرئيس ريغان ليبيا في عام 1986، اعلن ان اميركا ليست على خلاف مع الشعب الليبي والرئيس بوش الأب قبل ان يقصف العراق في عام 1991 اخبر العالم بأن الولايات المتحدة ليست على خلاف مع الشعب العراقي، والعام الماضي اخبرنا الرئيس بوش الابن في الحديث عن ضرب طالبان والقاعدة بأنه ليس على خلاف مع الشعب الافغاني والآن تتكرر على اسماعنا كلمة السر المخيفة نفسها، فالرئيس بوش قال في خطابه الاخير امام الامم المتحدة ليس هناك اي خلاف على الاطلاق مع الشعب العراقي. اذن فلقد ارتدى بوش سترته الواقية من الرصاص استعداداً لبدء الحرب. ربما كان ذلك المكان الصحيح لفهم الى اي مدى يمكن ان تأخذنا هواجس ادارة بوش حول العراق.الرخام الاخضر والستارة الخلفية الذهبية ورمز العالم المحمي بنخلتي الامم المتحدة كما يظهر في الشعار الضخم كلها اشياء اعطت بوش المحيط الملائم ليكون امبراطورا، وان كان شديد الضآلة. قبل يوم واحد من الخطاب اخبرنا بوش بأن الولايات المتحدة خلدت ذكرى هجوم جلب الحزن والاسى لبلدي. لكنه لم يذكر ابن لادن مرة واحدة، اذ كان عليه ان يعرفنا بالرئيس العراقي حيث ذكر اسمه سبع مرات في الخطاب، واشار مرات لا تحصى الى «النظام العراقي». وفضلا عن الرهان على الدموع الاميركية التي اوجدها قتلة ابن لادن، كان واضحا ايضا ان خطط بوش للشرق الاوسط اوسع نطاقاً بكثير من مجرد الاطاحة بالزعيم العراقي الذي كان في يوم من الايام يعتبر نفسه افضل صديق لاميركا في الخليج، وقال بوش في خطابه انه يجب ان تكون هناك افغانستان ديمقراطية. الرئيس الافغاني حامد قرضاي أومأ برأسه تعبيراً عن الموافقة ـ ويجب ان يكون هناك ديمقراطية في فلسطين وهذا سوف يفضي الى اصلاحات في انحاء العالم الاسلامي، اصلاحات؟ اين بالضبط؟ لم يخبرنا بوش اين! بالطبع فلقد كان موضوع بوش مألوفاً جداً حيث دار حول الشر الصدامي وكال التحذيرات والجمل الشرطية والتحريفات التاريخية كلنا يعرف ان الرئيس العراقي ليس اكثر سياسيي العالم نزوعا للخير وكنا نعلم ذلك عندما كان صديقنا لكن الرئيس الاميركي يصر على اخبارنا مرة اخرى، فلقد استهان الرئيس العراقي مراراً وتكراراً في بقرارات مجلس الامن، وبالطبع، ليس هناك اي كلام هنا عن استهانة اسرائيل بقراري الامم المتحدة رقمي 242 و338 المطالبين بانهاء احتلال الاراضي الفلسطينية. وتحدث بوش عن عشرات الآلاف من المنخرطين في المعارضة العراقية الذين تم اعتقالهم وقال: .. كل تلك الفظائع اخفيت عن العالم بممارسات جهاز الدولة العراقي. لكن لسوء الحظ فإن بوش لم يذكر ان الممارسات نفسها كانت ترتكب عندما كانت اميركا على علاقات طيبة جداً مع بغداد قبل 1995، حين كان البنتاغون يرسل معلومات استخباراتية للنظام العراقي ليساعده على مواجهة الايرانيين. وفي الحقيقة ومن ابرز مظاهر خطاب بوش ان الخطايا المنسوبة الى العراقيين بدأت في عام 1991 الحاسم لم يكن هناك اي اشارة لاستهانة العراق بقرارات الامم المتحدة عندما كان يتلقى المساعدة من الاميركيين، ولم يركز بوش على الهجمات العراقية ضد الايرانيين من دون ان يذكر ان ايران هذه يفترض انها الآن جزء من محور الشر حسب الرؤية الاميركية الحالية. ثم ظهرت في خطاب بوش مشكلات نحوية بسيطة، وهي الطريقة التي يستخدمها المؤرخون عندما لا يستطيعون العثور على دليل يثبت ان الملك ريتشارد الثالث اقدم حقا على قتل الامراء في البرج، وكذلك فإن بوش يقول انه لولا حرب الخليج الثانية، لكان العراق على الارجح قد امتلك اسلحة نووية بحلول عام 1993 والعراق «يحتفظ بالبنية التحتية المادية اللازمة لانتاج سلاح نووي» وهذا شيء آخر غير القول بأنه ينتج اسلحة نووية حقا وعبارة اذا استحوذ العراق على مواد قابلة للانشطار، لا تعني انه فعل ذلك، وما قاله بوش ان تحمس العراق للعلماء النوووين لا يترك شكا يذكر حول شهيته للاسلحة النووية لا يعني انه تم اثبات مساعي الرئيس العراقي لانتاج اسلحة نووية. ربما يكون هذا الافتراض صحيحا لكن هل هذا هو الدليل الذي تستند اليه اميركا في شن حربها؟ وباعتبار ان هذه كانت رسالة الامبراطور الى الوفود الماثلة امامه، فإن الامم المتحدة لها ان تأخذ بحجج بوش او ان تتركها ولها ان تنضم الى اميركا في الحرب او ان تصبح مثل ذلك الحمار العجوز، عصبة الامم، صدق اولا تصدق فقد اتى بوش على ذكر عصبة الامم نابذا اياها بوصف «حانوت الكلام» من دون ان يضيف ان الولايات المتحدة كانت قد رفضت الانضمام لها. لكن كان واضحا كيف يرغب بوش بالتسويق لحربه على خلفية 11 سبتمبر حين قال: جل ما نخشاه هو ان يجد الارهابيون طريقا مختصرا لتحقيق مآربهم عندما يزودهم بنظام خارج عن القانون بالتقنيات التي تمكنهم من قتل الناس باعداد هائلة، اذن هذا هو صلب الموضوع اسامة بن لادن يوازي الرئيس العراقي ومن يدري ـ ايران أو سوريا او اي بلد آخر. يبدو ان بوش اتخذ قراراً خطيراً لا رجعة فيه. عن «اندبندنت»