وقد يتساءل المرء عن جدوى الشروع في تكبد عناء محاولة ما في الشرق الاوسط، قبل التوصل لتسوية سياسية شاملة غير ان تجربة رجال الاعمال، الاكثر انفتاحاً امام المجازفة، من الدبلوماسيين، تظهر ان التفاعل الاقتصادي يقود غالباً الى الاتساق السياسي وتوجد امثلة على ذلك في غرب وشرق اوروبا كما توجد اكثر من السابق في آسيا ايضاً. فالسياسة تتبع التجارة، لان هذه الاخيرة توفر منافع متبادلة عبر كل الطيف السكاني، بغض النظر عن العرق او اللون او الدين او العقيدة كما ان التفاعل الاقتصادي يوفر الفرصة لاستثمار المواهب والابداع ويزيد من المساحة المتاحة للانجاز الفردي. والتوصل لاتفاق على ارساء مقومات التنمية الاقتصادية يظل امراً اسهل غير ان ترجمة هذا الاتفاق الى تقدم فعلي على الارض يبقى صعباً ما دام الصراع والعداوة يمزقان المنطقة. ويوفر تقرير صدر مؤخراً عن مجلس العلاقات الخارجية الاميركي تحت عنوان «تسخير التجارة للتنمية والنمو الاقتصادي في الشرق الاوسط» دفعة في هذا الاتجاه ويرسم التقرير ملامح علاقة بين الارهاب العالمي و«البؤس واليأس الناجمين عن التراجع والركود الاقتصادي» ويحدد التقرير الوعد بحياة افضل باعتباره علاجاً اساسياً للتوجه نحو الارهاب وطريقاً نحو حل الصراع العربي الاسرائيلي. يوصي التقرير بسلسلة من الخطوات لتحرير التجارة وتشجيع قدر اكبر من الاستثمار الخاص وتحسين الخدمات الاجتماعية والادارة الحكومية في دول الشرق الاوسط، كما يقترح استخدام منظمة التجارة العالمية والمعاهدات الاقتصادية مع الاقتصاديات العالمية الكبرى كوسائل للاصلاح الداخلي والمطلوب الآن هو وضع خطة عمل لتطوير هذا التقرير من مبادئه العريضة، التي هو عليها الآن، الى مشروعات اقليمية، وهذه المشروعات بدورها ستتطلب رأس المال والمواهب والاتفاقيات بين الدول وفي هذا السياق هناك 11 مبادرة يتوجب العمل على تنفيذها. ثلاث من هذه المبادرات تتعلق باستثمار الموارد الطبيعية والشراكة بها اولاً، يمكن ضخ حقول الغاز غير المطورة قبالة سواحل الاسكندرية في مصر بأنابيب الى الداخل المصري ثم عبر صحراء النقب الى اسرائيل وهذا الغاز لن يوفر الطاقة فحسب، بل يمكن استخدامه مادة خام لتطوير الصناعات الكيماوية والصيدلانية. ثانياً: اصبحت موارد المياه مشكلة متفاقمة في الشرق الاوسط، ويمكن ان تكون مادة لصراع اقليمي متواصل ما لم يتم حلها وهنا يمكن تنفيذ مشروع مفيد يمد انابيب للمياه، والذي طالما روجت له شركة براون آندروت، من تركيا الى نهر الليطاني في لبنان ونهر الاردن. المشروع الثالث الممكن يستفيد من احتياجات الفوسفات في الاردن وتونس والمغرب والكبريت في العراق وخامي اليوريا والفوسفات المتوفرين في كل المنطقة لانتاج وتصدير كميات هائلة من اسمدة فوسفات الامونيوم الى دول اخرى ومن بينها دول افريقيا المجاورة. ويمكن لمبادرات اخرى استثمار الرغبة المشتركة بين كل دول المنطقة في التصدير وعلى سبيل المثال يمكن انشاء مجلس اقليمي للتصدير في حيفا للبحث عن اسواق خارجية للمنتجات الزراعية وتوثيق منشئها والترويج لها كما ان مجلساً للأقمشة والملابس في تل أبيب يمكن له ان يروج لصادرات الملابس التي تسهم كل المنطقة في انتاجها، سواء في القماش او التصاميم او الخياطة. كما يجب تأسيس هيئة سياحية اقليمية للاشراف على الفنادق والمنشآت وترويج الجولات السياحية فالمنطقة تعرف وفرة كبيرة جداً في المواقع ذات الجذب السياحي، مثل الاراضي المقدسة والبتراء وبابل وجدة وقرطاج والبحر الميت وبعلبك ودمشق وحلب والقاهرة وصور وصيدا وبيروت وجبال لبنان. ومن بين المجالات المهمة الاخرى بعد تنمية الموارد الطبيعية والتصدير والسياحة هناك البحث العلمي، فالبحوث الطبية، التي يتفوق بها مسبقاً معهد وايزمان الاسرائيلي، يجب توسيعها بحيث تجذب باحثين من باقي الدول العربية ويمكن تنفيذ المشاريع الطبية بالتعاون مع المنشآت الطبية المنتشرة في كل المنطقة. إن التوجه نحو البيئة والبحث العلمي وتنمية المواهب في اسرائيل ومصر يمكن ان يتشاركا معاً ويوظفا في البحث عن موارد مياه اضافية ولتطوير تقنيات تحلية مياه البحر كما ان التقنيات المستخدمة في مختلف مشروعات تحسين المناخ، مثل غمر منخفض القطارة في شمال غرب مصر تحمل ايضاً امكانيات واعدة كبيرة للجزيرة العربية وشمال افريقيا. والشرق الاوسط يحتاج لجذب رأس المال لاستغلال امكانيات المنطقة البتروكيماوية فالمنشآت البتروكيماوية موجودة فعلاً في كل المنطقة من الدار البيضاء غرباً وحتى بحر العرب شرقاً وهذا ينطبق ايضاً على الصناعات الكيماوية والبلاستيكية والصيدلانية وانتاج المشتقات الملحية فهذه الصناعات يمكن ان تزدهر لو حصلت على استثمارات اضافية. كما ان تأسيس مصارف تنمية اقليمية في بيروت او دبي او البحرين بمشاركة من مؤسسات التمويل الدولية الكبرى يمكن له ايضاً تعبئة المزيد من الاستثمارات ويساعد في توفير الموارد المالية في المشاريع ذات اعلى العوائد ومصارف التنمية الاقليمية هذه يمكن ان تعمل بطريقة مشابهة لانظمة الاقراض المتبعة في ادارة الاعمال الصغيرة الاميركية كما ان المصارف الخاصة التي تعمل باشراف مصارف التنمية ستعمل على تحديد وتأهيل الشركات التجارية المحلية وتتحمل نسبة العشرين في المئة الاكثر مجازفة من هذه القروض اما نسبة الثمانين في المئة الباقية فستكون على مسئولية مصارف التنمية. وستحصل صادرات النفط في المنطقة على دفعة كبيرة من الاتفاقيات التجارية المشتركة بين دولها وبين وسط آسيا التي يمكن ان تسهل عملية تدفق الغاز والنفط من جبال الاورال وكازاخستان الى الاسواق العالمية. ان الولايات المتحدة الآن تعطي الاولوية للتنمية الاقتصادية في افغانستان وباكستان، لكن اضافة الشرق الاوسط الى هذه الكتلة جزء من هذه المعادلة الصعبة. ان تنفيذ هذه المشروعات يتطلب تحديد المهمة وتجنيد الدعم والالتزامات وتوفير الفرص للموهوبين في المنطقة وهؤلاء ينتظرون بفارغ الصبر ظهور قيادة من جانب المجتمع الاستثماري العالمي. غير ان المهمة الصعبة هي ترجمة هذه التصورات الى وقائع قائمة تؤكد على المستقبل الواعد بدلاً من الماضي المؤلم فبظهور هذه الوقائع على الارض، يمكن للناس ان يعملوا ويتعلموا مهارات جديدة وتوسع مواهبها كما ان دعم التعليم الثانوي والجامعي سيوفر فرصاً اكبر لحصول المزيد على التعليم والتفاعل التجاري مع بقية العالم عبر التجارة والسياحة سيوسع الآفاق ويشجع التسامح مع الغير. ان المهارات اللغوية متوفرة جداً والضيافة عادة تقليدية في هذه المنطقة وهي الارض التي ولدت عليها الاديان السماوية الثلاثة التي تبشر بالسلام والنوايا الطيبة غير ان السلام والنوايا الطيبة يزدهران فقط حينما يكون هناك امل ورؤية لحياة افضل للأبناء ان العنف لا يسيطر الا حين يقتنع الناس بأن الامور لن تصبح اسوأ مما هي عليه ولا يعود لديهم ما يخسروه وبدون التنمية والاستثمارات الاقتصادية لن يكون هناك امل ولا رؤية لحياة أفضل غداً. عن «فورين افيرز»