يطارد الخوف من الخطر الديموغرافي الصهيونية منذ نشأتها. فباسم هذا الخطر جرى تحويل الاثيوبيين الى يهود رغم أنف الحاخامين، وباسمه ايضا جلب الى اسرائيل، مئات آلاف السلافيين تحت ورقة تين قانون العودة. وباسمه انطلق الدعاة الى كل أرجاء المعمورة لاكتشاف المزيد فالمزيد من اليهود. ولكن على الرغم من كل «الحقن» السكانية، فان الزيادة الطبيعية الفلسطينية لا تزال أعلى وأقوى منها جميعها. وفي هذه الاثناء تغدو اسرائيل مكتظة أكثر فأكثر. وبعد قليل ستسد الطرق وساحات وقوف السيارات كل سبيل، كل شيء يصبح عمارات شاهقة ومساكن فاخرة من طابق واحد. بعد قليل لن يكون ثمة ماء من الطبيعة، فكل شيء سيجري تحليته وتكريره. بعد قليل لن يكون ثمة طبيعة، الاشجار ذاتها ستختفي حتى يتعين علينا ان نستورد الظل من النرويج. ولكن ماذا يهم هذا، المهم ان تكون لنا «اغلبية ديموغرافية». هذا هو السبب الأساس للأحاديث المتزايدة عن «الترحيل». ولكن اذا ما فحصنا هذا البديل بروية متجاهلين البعد الاخلاقي للامر ومنطلقين من الافتراض بأنه ممكن التحقيق، فسيتبين لنا في الحال ان هذا ايضا لن يغير في الامر من شيء، فالمطرودون سيتجمعون حول حدودنا وسيديرون ضدنا حربا لا ينقطع لها نظير. فالترحيل سيثير العالم العربي برمته لتجنيد مصادره ضدنا، والاضطراب الناشيء في العالم سيدفع حتى الولايات المتحدة الى النظر في امكانية رفع رعايتها عنا. وعندها - تذكروا كوسوفو.ليس ثمة أي أمل في ادراك الزيادة الطبيعية الفلسطينية على وجه الخصوص والعربية على وجه العموم، حتى ولو بثمن تحويل اسرائيل الى جهنم بيئية، مدنية وأمنية. واولئك الذين لا يرون المستقبل الا عبر فوهة المدفع، سيصلون ايضا الى اليوم الذي تكون فيه المدافع في الطرف الآخر أكثر من مدافعهم. مفهوم انه لزاما الخروج من المناطق. هذا ما يتفق فيه الكثيرون حتى في اوساط اليمين غير المشيحاني. ولكن المشكلة هي أكثر عمقا بكثير من ان يكون بوسع الانسحاب ان يحلها، المشكلة تكمن في جوهر اسرائيل بحد ذاته. عمليا، ستحملنا محاولة التملص من «الخطر الديموغرافي» من خلال الانسحاب والانغلاق في اسرائيل «القديمة» في غضون جيل أو اثنين الى وضع يكون فيه العرب والعمال الاجانب والروس الذين يرفضون التهود الاغلبية ايضا. فماذا نفعل عندها؟ نطردهم؟ أم ننسحب مرة اخرى؟ هذا السبيل سيؤدي الى ان نتحول آجلا أم عاجلا الى عصبة دينية مغلقة، منبوذة ومكروهة. وحتى ذات الغيتو سيشقق صفوفه العداء بين المتدينين والعلمانيين، الشرقيين والغربيين، الروس الذين يدفنونهم خارج الجدار وبين «اليهود الحقيقيين». أي، مجرد تعبير «يهودي» قد غدا على نحو متزايد عاملا قانونيا، ليس له أي مضمون مشترك ثقافي لغوي أو حتى ديني. وبالتأكيد ليس «قوميا». فليس هو سوى وصف لمن له حقوق مدنية كاملة من دون واجبات في دولة يستغلها، ومن هو مواطن من الدرجة الثانية (العلمانيين) أو الثالثة (كل البقية).الحل الممكن الوحيد يمكن ان يكون في تحويل اسرائيل الى الامر الذي يخيف الجميع، يمينا ويسارا: دولة ديمقراطية ومفتوحة لكل مواطنيها، على افتراض ان الثقافة العبرية قوية بما فيه الكفاية لكي تضم في اراضيها مسيحيين ومسلمين ساميين وسلافيين. وبعد ان نكف عن تعريف جوهرنا الوطني بمعايير يهودية ونفرض التهود على أناس هم مواطنون اسرائيليون صالحون، ونلغي مظاهر التمييز، غير القانونية عمليا، والتي تعطى لليهود، سيتبين على حين غرة ان لا حاجة للخوف من «الخطر الديموغرافي». الانغلاق معناه الشلل. فمعظم سكان الولايات المتحدة لم يعودوا من أصل انجلوسكسوني كما كانت الحال في مستهل القرن العشرين، ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، هي قوية ومزدهرة. واسرائيل ما بعد اوسلو ازدهرت ليس بسبب المستوطنات وسقط متاع المدارس اليهودية، بل بسبب «التقنية العليا» لاسرائيل العلمانية والليبرالية، وبسبب التعليم العالي وأهلية الفعل لفاسيلي ولودميلا اللذين هاجرا الى اسرائيل ويعدان مواطنين من الدرجة الثانية مقابل «اليهود الحقيقيين»، هؤلاء هم عبء لا يساهم في شيء، على اسرائيل الحديثة المتطلعة الى ان تكون «يهودية وديمقراطية»، هذا التعريف هو التناقض الداخلي بذاته. فليس هذا سوى نكتة فارغة، معناه الحقيقي هو دمار المجتمع من خلال ما فيه من كذب. عن «هآرتس»