في المحادثات المضنية التي تدور حول مستقبل ميزانية الامن طرح مندوبو جهاز الامن على رئيس الوزراء بدائل مختلفة للتقليص وطلبوا مصادقته. ذات مرة سئل شارون اذا كان يوافق على تخفيض فرقة من حجم قوات الجيش الاسرائيلي فرد الاقتراح على أعقابه. ومرة اخرى سئل اذا كان يوافق على تقليص عدد طائرات سلاح الجو، فلم يرد الاقتراح فقط بل شدد على ان من المهم برأيه زيادة عدد الطائرات الى العدد الذي كان عندما كان هو وزيرا للدفاع، قبل عشرين عاما. ومنذئذ تقلص عدد الطائرات بنحو 25 في المئة على الرغم من ان للطائرات الحالية تفوقا نوعيا. بديل آخر رفضه شارون بحزم وهو تقليص الوسائل الخاصة. ففي أحد اللقاءات جرى الحديث عن تقادم كمامات الغاز وعن الحاجة الى شراء مواد أولية في أقرب وقت ممكن لتجديد خطوط انتاج الكمامات، في ضوء احتمال الحرب مع العراق. إذن فأين يمكن التقليص؟ الحجة المتكررة في انه يجب التقليص في شروط الخدمة وتقاعد الجنود الدائمين هي حجة غريبة. فالحديث يدور عن نسبة ضئيلة من التقليص الذي تقترحه وزارة المالية: ثلاثة مليارات شيكل اضافة الى التنازل عن العلاوة التي أعطيت للجيش الاسرائيلي في العام 2002 بسبب المواجهة مع الفلسطينيين. ليس فتيان المالية هم الذين يجب ان يديروا اسرائيل بل الحكومة، وهي التي ينبغي ان تتخذ القرارات الأليمة. فمثلما تقرر اهداف الحرب، فان عليها ايضا ان تقرر ماذا يمكنها ان تخصص للأمن. هي وليس الموظفون الذين يعتقدون انهم يفهمون في كل المجالات ـ بدأ باتساع الطريق الذي سيشق وعدد الأسرة اللازمة في كل مستشفى، وحتى كمية الذخيرة العسكرية وعدد أيام الخدمة الاحتياطية. وفي نفس الوقت فان فتيان المالية ينجحون دوما في منع التخطيط متعدد السنين لميزانية الأمن. واذا كانت الحكومة تقرر، تحت ضغط أميركي، الغاء صفقة طائرات فالكون مع الصين، فانها هي التي يجب ان تحدد كيفية دفع التعويضات للصين. واذا كان شارون والحكومة يقررون ألا تمس التقليصات بالمستوطنين، فليتحملوا المسئولية، ويقرروا أين يمكن التقليص وأين لا يجوز ـ في ميزانية الأمن ايضا. غير ان مثل هذا القرار يحتاج ايضا الى بحث في الاهداف الاستراتيجية لاسرائيل، وبالردع الذي ينبغي ان تتبعه وما شابه ـ والحكومة لم تنشغل حتى بذلك. ان موقف شارون من التقليصات الكبرى المطروحة في الميزانية برمتها هو لغز، واذا ما نفذها فانه يكون أول رئيس وزراء اسرائيلي يمس بشرائح واسعة من الجمهور في عام الانتخابات. واذا ما استجاب لمطلب المالية القاضي بتنفيذ تقليص عميق في ميزانية الامن ايضا، في فترة مواجهة عسكرية يريد فيها ان يهزم الخصم الفلسطيني ـ فانه يعرض للخطر في عام الانتخابات استمرار الحرب كما يراها. ومثله ايضا وزير الدفاع، الذي يعتبر أكثر تطرفا فيما يتعلق بأهداف الحرب، وفي المالية يدعون ان ليس لشارون بديل في ضوء الوضع الاقتصادي. ان الشرك يكمن في انه اذا لم يطرأ تغيير عميق في الوضع الأمني، فانه لا أمل ايضا في استئناف النمو الاقتصادي، ومن الجهة الاخرى، فاننا اذا ما علقنا في أزمة مالية فانه سيكون من الصعب علينا الاحتفاظ بجيش كبير وادارة الحرب ستتعقد. واضح ان الاقتصاد المستقر هو المفتاح للقدرة الأمنية، ولكن الاستقرار الأمني هو المفتاح للنمو الاقتصادي. ان رئيس الوزراء ووزير المالية يعرفان ان لا حرب بدون نفقات، ولكن من المشكوك فيه اذا كانا يوافقان على ان المخرج هو تسوية سياسية صادقة وحقيقية. لا أمل في ان يتحقق التقليص الكبير الذي تطالب به المالية في ميزانية الأمن. فرئيس الوزراء لن يسمح بذلك وسيطرأ تغيير جوهري على اقتراح التقليص. والنتيجة ستكون ان الحكومة ستجبي رسوماً أمنية من الجمهور. ان التقليص في الميزانية لا يزال برمته لغزا. عن «هآرتس»