لو ألقى ياسر عرفات مؤخرا امام اعضاء المجلس التشريعي خطابا حماسيا لقادته، ولو خطب بطريقة مختلفة لكنا قد استنشقنا الهواء بلذة وارتياح. هذا هو الجميل في عرفات. من السهل ان ننبذه، وليس من الصعب ان نثبت انه في وجوده لا يمكن اجراء مفاوضات ولا يوجد فرصة لاحراز نتائج. نحب عرفات هذا، الذي يبعث الحياة لوسائل الاعلام الاسرائيلية اكثر من كل حكماء وزارة الخارجية الاسرائيلية. وحتى ان عرفات الذي يواصل التشدد مقبول علينا كناطق بالحقيقة. عرفات هذا جيد بالنسبة لنا. ومن الصعب اكثر ان نهضم عرفات الاكثر اعتدالا. حين يدعو بالعربية وعلنا امام كاميرات التلفزيون والميكروفونات بوقف المس بالمواطنين الاسرائيليين ويهنيء الشعب في اسرائيل بعام جديد، بالعبرية - فان الاسرائيلي المتوسط يتعامل مع الاقوال بعدم ثقة. فقط عرفات المتشدد هو الذي يقول الحقيقة. عرفات المعتدل ليس دقيقا مع العالم. الحقيقة هي ان عرفات حاول مرارا ان يتستر وراء السعي «لسلام الشجعان»، ولكن ربما مع ذلك؟ ربما هذه المرة؟ على ماذا استندت سياسة رئيس الحكومة ارييل شارون؟ خلافا لادعاءات معارضيه انه ليس له سياسة، فان لديه سياسة واضحة تماما، الاثبات للفلسطينيين ان العنف لن يدفع مصالحهم بل سيعيدهم الى الوراء لجيل كامل. الرياح التي تنشب الان في الفضاء الفلسطيني ـ الجزء المكشوف منها متواضع والجزء الخفي كبير ـ تستند على فرضية الاساس لشارون: انهم يقيمون، وان كان من الصعب عليهم الاعتراف بذلك، بان الانتفاضة ليست في افضل الاحوال. في الوقت الذي تحطمت كل مظاهر الحكم الذاتي الفلسطيني وعلامات الدولة المقبلة وعندما يسيطر الجيش الاسرائيلي على كل المدن في الضفة الغربية، وعندما تكون هناك حاجة لموافقة اسرائيل على عقد المجلس التشريعي الفلسطيني، فان الجميع تماما يفهم ان العنف أحل على الفلسطينيين كارثة اخرى، في سلسلة طويلة من الكوارث منذ قرار الجمعية العمومية عام 1947 بتقسيم ارض فلسطين التاريخية الى دولتين. لقد ألصق البعض بعرفات كل الصفات السيئة. ولكن حتى اكثرهم مقتا له لا يقولون ان الذكاء ينقصه. ربما ايضا فهم ذلك؟ وربما على الرغم من كل الادعاءات بأنه غير ذي صلة، استوعب الدرس بأنه لا خيار امامه سوى خلع الزي العسكري والقاء السلاح والعودة الى طاولة المفاوضات بأيد نقية من الارهاب. من الممكن ان يكون قد فعل أشياء كثيرة سلبية. ولكن من الجدير ان تمنحه حكومة اسرائيل الفرصة وربما الاخيرة لاثبات ان نيته هذه المرة جدية. عن «معاريف»